اللهم أغثنا

الخطبة بعنوان اللهم أغثنا، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 10 ذو القعدة 1443هـ الموافق 10 يونيو 2022م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقدمة الخطبة: ظاهرة الجدب وربطها بالمعاصي

تتناول الخطبة ظاهرة انقطاع المطر وجدب الأرض مستندة إلى نصوص قرآنية تربط الفساد في البر والبحر بمعاصي العباد. وتؤكد أن الطاعة والتقوى تجلب البركات بينما المعاصي تستوجب العقوبة والجفاف.

تفصيل المعاصي المانعة للبركة ونزول المطر

يوضح المقطع أن ترك تقوى الله وارتكاب المحرمات يؤديان إلى حرمان البركة من السماء والأرض. ويستشهد بآيات وأحاديث تربط بين التطفيف ومنع الزكاة وبين حلول القحط داعياً للبحث عن الأسباب في النفس.

الكيفيتان النبويتان للاستسقاء وربطهما بالتوبة

يستعرض المقطع الكيفيتين النبويتين للاستسقاء: الأولى بالخروج للمصلى وصلاة ركعتين والدعاء مع تحويل الرداء، والثانية بالدعاء على المنبر يوم الجمعة. ويؤكد أن منع القطر سببه الذنوب داعياً للتوبة والإنابة.

الدعوة الختامية للتوبة والاستغفار لجلب الغيث

يحث الخطيب المسلمين على التوبة والاستغفار كسبب رئيسي لنزول المطر وتغيير الحال إلى الأفضل. مستشهداً بآيات من سورة هود وسورة نوح التي تربط بين الاستغفار وإرسال السماء مدراراً.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70-71]. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. ينتظر الناس هذه الأيام نزول الغيث من السماء، فقد يبست الأرض وانقطعت الأمطار، وهكذا هلكت المواشي وجفت الآبار وانقطعت العيون وقست القلوب، وينتظر المؤمنون الغيث والرحمة من علام الغيوب سبحانه وتعالى. أيها المسلمون، عباد الله، إن مما يحتاج منا إلى محاسبةٍ ومراجعة أن تمر السنة تلو السنة ولا تنزل قطرةٌ من السماء، أو أن تمتلئ السماء بالغيوم ولا تنزل قطرةٌ من السماء. فهل سألنا أنفسنا، عباد الله، ما هو سبب هذا الجدب؟ وما هو سبب هذا الجفاف؟ وما هو سبب انقطاع الغيث من السماء؟ يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41]. ظهر الفساد، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «الفساد: الجدب وقلة النبات وذهاب البركة». وقال أبو العالية: «من عصى الله في الأرض فقد أفسد فيها، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة». صلاح الأرض والسماء بالطاعة. ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، فإذا من أعظم أسباب هذا الجدب والجفاف المعاصي والذنوب: ﴿ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: 96]. تركوا تقوى الله التي هي فعل المأمور وترك المحظور، فلما تخلفوا عن أوامر الله ووقعوا في محارم الله عوقبوا بهذه العقوبة: عدم نزول بركة السماء، وبالتالي ذهبت بركة الأرض، وما ذاك إلا بما كسبت أيدي الناس، كما قال في آخر هذه الآية: ﴿ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾. وقد جاء في تفسير بركة السماء أنه المطر، وجاء في تفسير بركة الأرض أنه النبات، والآية أعم من ذلك، ولكن هذا على سبيل المثال. أيها المسلمون، عباد الله. إن عموم المعاصي من أعظم أسباب ذهاب القطر من السماء، وهناك معاصٍ خاصة نص عليها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنها من أسباب منع القطر من السماء. فمن ذلك ما جاء عند ابن ماجه، وصححه الألباني، عن ابن عمر: «خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن»، وذكر من هذه الخمس: «وما نقص قوم الكيل والميزان إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم». انظر الآن ما يعيشه الناس من شدة في الأرزاق والمعيشة، وما ذاك إلا بسبب الظلم الواقع بينهم من أخذ الأموال بغير حق، لأن التطفيف في الكيل والميزان هو أخذ المال بغير حق. فالأمر لا يقف عند هذا، بل يشمل كل أمر يؤدي إلى أخذ مال المسلم بغير حق من السرقة أو الغش أو الكذب أو نحو ذلك، كل ذلك مما يدخل في عموم هذا الحديث. «وما نقص قوم الكيل والميزان إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم». السنين: هو الجوع والفقر، الجوع والفقر. فإن نزول المطر رزق من الله به تحيى البلاد، تحيى الأرض، ويكثر الزرع وتكثر الثمار، وترخص كذلك الثمار، وقد سماه الله عز وجل رزقًا: ﴿ وَالَّذِي أَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا ﴾ [البقرة: 22]. وهكذا في هذا الحديث سبب آخر من أسباب منع القطر من السماء، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا». حين يمنع حق المسكين وحق الفقير إما بخلا وإما تحايلا وعدم إعطاء المستحقين حقهم من هذه الزكاة ونحو ذلك، فهذا الأمر من أعظم أسباب منع القطر من السماء. لا تظن، عبد الله، أن تأخر المطر بسبب تلك الرياح الشمالية أو الجنوبية أو بسبب تغير المناخ أو نحو ذلك، فمن الذي يرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته؟ ومن الذي يهيئ نزول المطر ويهيئ مناخه؟ إنه الله سبحانه وتعالى. فلنبحث عن الأسباب الحقيقية في حرماننا من هذه الرحمة، أيها المسلمون. إن نبينا عليه الصلاة والسلام دلنا على ما يرفع به هذا البلاء، فإن النبي عليه الصلاة والسلام شرع لهذه الأمة الاستسقاء، أي طلب السقيا من الله عند حاجتهم إليها. وإن الاستسقاء وردت فيه كيفيتان عن النبي عليه الصلاة والسلام. الكيفية الأولى: أنه عليه الصلاة والسلام كان يخرج بالمسلمين إلى الفضاء، إلى المصلى، يخرج خاشعًا متضرعًا متذللًا، فيصلي بالمسلمين ركعتين كصلاة العيد، ثم يستقبل القبلة فيدعو الله عز وجل ويتضرع إليه، ويدعو المسلمون. وحتى يتفاءل عليه الصلاة والسلام بتحول الحال من شدة إلى رخاء ومن عسر إلى يسر، كان يحول رداءه عليه الصلاة والسلام، فيدعو ويتضرع ويطلب الغيث من الله سبحانه وتعالى ويستسقي للمسلمين. وهناك كيفية أخرى، وهو الاستسقاء في مثل هذا اليوم، يوم الجمعة، على المنبر. فقد جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه قال: دخل رجل إلى المسجد والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخطب على المنبر قائمًا، فدخل هذا الرجل واستقبل النبي صلى الله عليه وسلم واقفًا وقال: يا رسول الله، هلكت المواشي وانقطعت السبل، فادعُ الله أن يغيثنا. فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال ثلاثًا: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا». قال أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه وأرضاه: فوالله ما كان في السماء من سحاب ولا قزعة، وما كان بيننا وبين سلع - وهو الجبل المعروف في المدينة - من بيت ولا دار. قال: فطلعت سحابة من ورائه، أي من وراء جبل سلع، مثل الترس، قال: ثم توسطت السماء فانتشرت فأمطرت. قال: فوالله ما رأينا الشمس سبتًا، أي أسبوعًا كاملًا، وهي تهطل عليهم. فهذه كيفية أخرى عن نبينا عليه الصلاة والسلام. ولو تأملت في هاتين الكيفيتين لرأيت أن فيهما من التضرع ومن الاستغفار والتوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا يدل على أن سبب منع القطر من السماء بسبب تلك الذنوب التي تحتاج منا، يا عباد الله، إلى التوبة وإلى الإنابة وإلى الاستغفار وإلى الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. فنسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يلطف بنا وبالمسلمين، إنه ولي ذلك والقادر. وعليه أقول قولي هذا وأستغفر الله. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. اعلموا علم يقين، عباد الله، أن الله قادر وهو القوي العزيز أن يغيثنا، ولكن الله سبحانه وتعالى يبتلي عباده بسبب ما هم عليه من المعاصي والذنوب، ليتوب تائب ويؤوب آيب ويستغفر مستغفر ويتذكر متذكر. ألا فتوبوا إلى الله أيها المسلمون، لعل الله عز وجل أن يغير حالنا إلى أحسن حال. فإن من أعظم أسباب نزول القطر من السماء التوبة والاستغفار. فهذا نبي الله هود عليه السلام يخاطب قومه فيقول: ﴿ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ﴾ [هود: 52]. وهذا نبي الله نوح عليه السلام يقول لقومه: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَ