التعليق على تقريب التدمرية 84

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 84، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

أهمية الإيمان بالقدر والشرع في تحقيق التوحيد والتوكل

الإيمان بالقدر والشرع ضروري لتحقيق التوحيد والتوكل على الله، ويؤدي إلى اطمئنان النفس وعدم الإعجاب بالنفس عند حصول المراد. كما يزيل القلق والضجر عند فوات المراد أو حصول المكروه.

دور الإيمان بالقدر والشرع في الهداية والنجاة

الإيمان بالقدر يورث الرضا والتسليم، والإيمان بالشرع يضبط أفعال العبد ويساعده على التمييز بين النافع والضار، مما يؤدي إلى تحقيق الهداية والنجاة.

دور العقل والفطرة في إدراك النفع والضرر والحسن والقبيح

العقل والفطرة يمكن أن يدركا النافع والضار إجمالًا، ويمكن أن يستحسنا أو يستقبحا بعض الأمور، لكن لا يمكن الاعتماد عليهما بشكل كامل في معرفة ما ينفع أو يضر الإنسان، وهناك خلاف حول التحسين والتقبيح العقليين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال مؤلف كتابنا، رحمه الله تعالى: فصل في ضرورة الإيمان بالقدر والشرع. قال: لا بد للإنسان من الإيمان بالقدر؛ لأنه أحد أركان الإيمان الستة، ولأنه من تمام توحيد الربوبية، ولأن به تحقيق التوكل على الله تعالى، وتفويض الأمر إليه مع القيام بالأسباب الصحيحة النافعة، ولأن به اطمئنان الإنسان في حياته؛ حيث يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. ولأن به ينتفي الإعجاب بالنفس عند حصول المراد؛ لأنه يعلم أن حصوله بقدر الله، وأن عمله الذي حصل به مراده ليس إلا مجرد سبب يسره الله له. ولأن به يزول القلق والضجر عند فوات المراد أو حصول المكروه؛ لأنه يعلم أن الأمر كله لله، فيرضى ويسلم. إلى هذين الأمرين يشير قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. ذكر المؤلف، رحمه الله، في هذا الفصل ضرورة الإيمان بالقدر والشرع؛ وذلك لأن الإيمان بالقدر لا ينفع إلا بالإيمان بالشرع، فإن الشرع جاء لتحقيق القدر. وهكذا لا ينفع الإيمان بالشرع من غير الإيمان بالقدر؛ فلا إيمان إلا بالأمرين: الإيمان بالقدر والإيمان بالشرع؛ لأن من لم يؤمن بالقدر لم يؤمن، ومن لم يؤمن بالشرع لم يؤمن. وهكذا من آمن بالشرع ولم يؤمن بالقدر لم يؤمن؛ بل لا بد من الإيمان بالقدر والشرع. وذكر رحمه الله تعالى أن الإيمان بالقدر لا بد للإنسان منه؛ فلا يكون مؤمنًا إلا بالإيمان بالقدر؛ لأن الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة. فبين ربنا عز وجل في كتابه الكريم الإيمان، وأن منه الإيمان بالقدر، في نصوص كثيرة قد تقدم معنا ذكرها حين تكلمنا عن القدر وذكر مراتبه. وهكذا الأحاديث في سنة النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة؛ التي فيها بيان أن الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة، وأن الإيمان لا يتم إلا بالإيمان بالقدر؛ تقدم ذكر تلك الأحاديث. وبين رحمه الله تعالى أن الإيمان بالقدر من تمام توحيد الربوبية؛ لأن توحيد الربوبية هو إفراد الله جل وعلا بأفعاله من ملك وخلق وتدبير؛ فالخلق والتدبير من قدر الله جل وعلا؛ الخلق فعل من أفعال الله، والتدبير من أفعاله، وكل ذلك بقدر الله جل وعلا. فكيف يحقق الإنسان توحيد الربوبية وهو لم يؤمن بالقدر؟ لا يمكن؛ لأن الإيمان بالقدر لا بد فيه من الإيمان بأن الله جل وعلا له الخلق وله الأمر، وهو الذي يخلق ويقدر ويدبر سبحانه وتعالى. وهكذا بين رحمه الله أن الإيمان بالقدر هو حقيقة التوكل على الله جل وعلا؛ فلا يمكن العبد أن يحقق التوكل على الله جل وعلا إلا بالإيمان بالقدر. فإذا لم يؤمن بالقدر لا يحقق هذا المقام العظيم، وهو التوكل على الله جل وعلا. فالتوكل على الله جل وعلا لا بد فيه من تفويض الأمر إلى الله جل وعلا مع الأخذ بالأسباب الشرعية؛ وذلك لا يكون إلا لمن آمن بالقدر؛ فهو الذي يفوض الأمر إلى الله جل وعلا، ويعلم أن الأمور إنما تكون وتقع بقدر الله جل وعلا؛ فلذلك عليه أن يفوض الأمر إلى الله جل وعلا؛ لأن الأمر لله من قبل ومن بعد. وهكذا الإيمان بالقدر به اطمئنان النفوس؛ كما ذكر رحمه الله تعالى أن الإيمان بالقدر اطمئنان للإنسان؛ يطمئن، يكون مطمئنًا في حياته؛ لماذا؟ لأنه يعلم أنه إذا أصابه شيء فبقدر الله جل وعلا، وإذا فاته شيء فبقدر الله جل وعلا؛ فإنما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه؛ فلذلك يرضى ويسلم؛ فيكون سعيدًا مطمئنًا. إذا أصيب بشيء من هذه الابتلاءات التي قدرها الله جل وعلا عليه، فهو يكون مطمئنًا؛ ولا يتسخط على أقدار الله جل وعلا، ولا يعترض؛ لأنه يعلم أن هذا بقدر الله جل وعلا الذي لا بد من وقوعه؛ وأن الواجب عليه أن يصبر على هذا الابتلاء، وعلى هذا القدر الذي قدره الله جل وعلا عليه. وهكذا كذلك الإيمان بالقدر ينفي الإعجاب بالنفس؛ فالإنسان حين يعلم أن فعله للطاعات والمسارعة فيها والإتيان بها إنما بتوفيق الله جل وعلا له، وبإعانة الله سبحانه وتعالى؛ فهذا يدفعه إلى عدم الإعجاب بالنفس؛ فلا يعجب بنفسه. الذي يعجب بنفسه هو الذي يضعف في هذا المقام؛ الذي عنده ضعف في باب الإيمان بالقدر؛ هو الذي يقع في العجب بالنفس؛ كأنه يرى نفسه هو الذي أتى بهذه الأعمال، وبجده واجتهاده، أو بذكائه، أو غير ذلك؛ وليس الأمر كذلك؛ وإنما هو توفيق الله جل وعلا، وإعانة الله سبحانه وتعالى، وفق جل وعلا للإتيان بهذه الطاعات. فالإيمان بالقدر يدفع وينفي هذا العجب بالنفس والكبر والتعالي والتألي على الله جل وعلا. وهكذا كذلك يعلم العبد أن حصول ما تحصل عليه بقدر الله؛ وأن عمله الذي حصل به مراده ليس إلا مجرد سبب؛ فهو إنما فعل الأسباب التي أمر الله جل وعلا بفعلها. وأما ما حصل له فذلك هو من توفيق الله جل وعلا له، وإعانته له سبحانه وتعالى؛ فيسر له ذلك. وهكذا كذلك يزول القلق والضجر عند فوات المراد؛ لأن الذي آمن بالقدر إذا حصل له مكروه علم أنه بقدر الله جل وعلا؛ فلا يتضجر ولا ينزعج. نعم، وإذا فاته كذلك محبوب من المحبوبات، ومراد من المرادات؛ فإنه لا يتضجر ولا ينزعج، ولا يتأسى ولا يتحسر؛ لماذا؟ لأنه يعلم أن الأمر كله لله؛ فيحصل عنده الرضا والتسليم. وقد أشار الله جل وعلا إلى هذين الأمرين في قوله جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. فما أصاب الإنسان من مصائب وابتلاءات؛ كل ذلك بقدر الله جل وعلا؛ قد كتب ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن تخلق هذه المصيبة، وقبل أن تقع؛ قد كتبت قبل وقوعها في اللوح المحفوظ؛ وأنها ستقع في وقت شاءه الله جل وعلا. إذا علم الإنسان ذلك؛ فإنه يرضى ويسلم؛ فإذا رضي وسلم لهذا القدر؛ ماذا يسلم من الأسى؟ وسلم كذلك من الحزن؛ فلا يقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا؛ لو أني، لو أني؛ يقع في ندم وتحسر وأسى؛ وهذا لضعفه في هذا الباب. وإلا الذي آمن بالقدر حقًا؛ فهو الذي يرضى ويسلم لأمر الله جل وعلا، ولقدر الله جل وعلا؛ لأنه قد علم أن هذا قدر قد كتبه الله جل وعلا عليه قبل خلقه. وكذلك أيضًا في قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. قال علقمة، رحمه الله تعالى: هو الرجل تصيبه المصيبة؛ فيعلم أنها من عند الله؛ فيرضى ويسلم. الرجل تصيبه المصيبة؛ فيعلم أنها من عند الله؛ فيرضى ويسلم. فإذا آمن بقدر الله جل وعلا؛ وأن هذه المصيبة التي ابتلي بها هي من قدر الله جل وعلا؛ رضي بقدر الله جل وعلا؛ لأنه لا مفر منه؛ وعلم أنه يجب عليه الرضا بقدر الله جل وعلا؛ ثم سلم لذلك؛ يسلم. فلذلك يتحصل على الثمرات العاجلة في الدنيا قبل الآجلة. فمن الثيرة العاجلة في الدنيا؛ أن الله جل وعلا يهدي قلبه؛ فيكون صاحب قلب مهتدي. ومعلوم أن القلب إذا اهتدت الجوارح؛ كما بينا النبي عليه الصلاة والسلام في حديث النعمان بن بشير، رضي الله تعالى عنهما، في الصحيحين؛ قال عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن في الجسد مضغة؛ إذا صلحت؛ صلح سائر الجسد؛ وإذا فسدت؛ فسد سائر الجسد». فأنت يا عبد الله؛ إذا آمنت بقدر الله؛ اهتدى قلبك؛ وإذا اهتدى قلبك؛ اهتدت جوارحك؛ لأن الجوارح هدايتها بهداية القلب؛ فإذا اهتدى القلب؛ اهتدت الجوارح؛ وهذا من الثمرات العاجلة لمن آمن بقدر الله جل وعلا. وهذا أي الإيمان بالقدر؛ كما ذكر مولانا فرحمه الله تعالى؛ أنه لا بد منه؛ وأنه من تمام ربوبية الله جل وعلا؛ قد ضل في هذا الباب القدرية؛ الذين أنكروا القدر. فمنهم الغلاة؛ الذين ظهروا في آخر عهد الصحابة؛ أتباع معبد الجهني؛ وكذلك أخذ عنه غيلان الدمشقي؛ ومن سار على سيرهم؛ وكفرت هذه الطائفة في عهد الصحابة؛ وانقرضت. وخلفها المعتزلة القدرية؛ المعتزلة؛ الذين ظلوا في باب القدر؛ في مرتبتي المشيئة والخلق؛ حيث جعلوا العبد يخلق فعل نفسه؛ ومشيئة العبد مستقلة غير تابعة لمشيئة الله جل وعلا. وهؤلاء أتباع واصل بن العطاء؛ وهكذا من سار على طريقه؛ كعمر بن عبيد المعتزلي، وغيره؛ هؤلاء من الذين ظلوا في باب القدر؛ وضلالهم واضح؛ قد تقدم الكلام في شيء مما يتعلق بهذا. ثم قال رحمه الله تعالى: ولا بد للإنسان أيضًا من الإيمان بالشرع؛ وما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ من أمر الله ونهيه؛ وما يترتب عليهما من الجزاء؛ ثوابًا أو عقابًا؛ فيقوم بما يلزمه نحو الأمر والنهي؛ ويؤمن بما يترتب عليهما من الجزاء. وذلك لأن الإنسان مريد؛ فلا بد من فعل يدرك به ما يريده؛ ويدفع به ما لا يريد؛ ولا بد له من ضابط يضبط تصرفه؛ لأن لا يقع فيما يضره أو يفوته؛ من حيث لا يشعر. ذكر رحمه الله تعالى؛ بعد أن بين أنه لا بد من الإيمان بالقدر؛ كذلك لا بد من الإيمان بالشرع؛ فإن الشرع؛ كما تقدم؛ جاء لماذا؟ لتحقيق القدر؛ فكما أنه لا بد من الإيمان بالقدر؛ لا بد من الإيمان بالشرع؛ هو الذي جاءت به الرسل؛ من التوحيد؛ ومن الأمر والنهي؛ ومن الثواب والعقاب؛ والجزاء؛ وغير ذلك؛ مما جاءت به الرسل؛ وأنزلت به الكتب. فلا بد من الإيمان بالشرع؛ من أمر ونهي؛ وثواب وعقاب؛ وما يترتب عليهما من الجزاء الحسن؛ لأعمال الصالحات؛ والعقاب لمن عمل السيئات. وأيضًا يدخل في ذلك الإيمان بالكتب والرسل؛ والإيمان باليوم الآخر؛ والحلال والحرام؛ وغير ذلك مما جاءت به الشرائع. فلا بد من الإيمان بذلك كله؛ لا بد من الإيمان بذلك كله؛ لأنه خبر الله جل وعلا في كتابه؛ أو خبر رسله عليهم الصلاة والسلام؛ الذين يبلغون رسالات الله جل وعلا؛ بأمر الله جل وعلا؛ عن طريق الوحي. وذكر رحمه الله تعالى أن الإنسان مريد؛ الإنسان في هذه الدنيا مريد؛ فهو يريد أن يفعل الطاعة؛ ويريد كذلك أن يحصل الخير لنفسه؛ وأن يدفع الشر عن نفسه؛ يريد النفع لنفسه والصلاح؛ ويريد أن يدفع الضر عن نفسه؛ والسيء الذي يكرهه؛ فهو مريد. فإذا لا بد من احتياجه إلى إرادة؛ ومن فعل يفعله؛ ومن فعل يفعله؛ يدرك به ما يريد؛ يدرك به ما يريد من خير ونفع؛ وهكذا يدرك به ما لا يريد؛ يعني يفعل ما يدفعه عن نفسه مما لا يريده؛ من الشر والأذى والضرر؛ وغير ذلك. فلابد له من ضابط؛ فلابد له من ضابط لفعله الذي يريد به تحصيل ما أراد؛ ويدفع عنه ما لا يريد؛ من الشر والضرر؛ فما هو الضابط في تصرف العبد؛ وفي أفعاله؛ حتى لا يقع فيما يضره؛ وحتى كذلك لا يفوته ما يريد؛ وهو لا يشعر؟ فالضابط في هذا هو الشرع الإلهي. ولذلك قال رحمه الله تعالى: والشرع الإلهي الذي جاءت به الرسل؛ هو الذي يضبط ذلك؛ ويصدر الحكم به؛ ويكون به التمييز بين النافع والضار؛ والصالح والفاسد؛ لأنه من عند الله العليم الرحيم الحكيم. فإذن الضابط هو الشرع؛ فالشرع هو الذي يدل العبد على ما عليه فعله؛ الذي يفعله إذا أراد به تحصيل الخير؛ وتحصيل النفع؛ ودفع الضر والأذى عن نفسه؛ الشرع الذي يضبط له ذلك؛ والحكم؛ حكم الشرع في هذا. فالضر ما دل عليه الشرع؛ والنفع ما دل عليه الشرع؛ وأمر العبد بأن يحصل ويريد لنفسه ما يكون سببًا لنفعه؛ ويدفع ما يكون سببًا لضره وأذيته؛ فيستنير بالشرع؛ فيستنير بالشرع الإلهي الذي جاءت به الرسل. ففيه ماذا؟ الأمور التي من خلالها يأخذ الإنسان بها؛ ليجتنب عن نفسه ما لا يريد؛ ويحصل لنفسه ما يريد؛ مما يكون سببًا لنفعه؛ ودفع الضر عنه؛ فالشرع هو الضابط لهذا؛ وهو الذي يضبط هذه الأمور؛ وهذه الأحكام. لأن الذي ينفع العبد؛ والذي لا يضره؛ نعم؛ لا يدركه إلا بطريق؛ فيها بيان إدراك النفع؛ ودفع الضر؛ تكون من عند العليم الحكيم؛ الذي خلق النفع؛ والذي خلق الضر؛ والذي خلق الخير؛ والذي خلق الشر؛ والذي خلق العباد؛ هو الذي يعلم ما يصلحهم. وهو الذي يعلم ما يضرهم؛ فلذلك على العبد أن يستنير بكلام الله جل وعلا؛ وبالشرع الإلهي؛ فإن الشرع الإلهي قد بين للعباد ما ينفعهم؛ وما يضرهم؛ لأن الرب جل وعلا هو الذي خلق؛ ألا يعلم من خلق؟ وهو اللطيف الخبير. فإذا أخذ الإنسان بالشرع؛ واستنار به؛ حصل لنفسه ما يريد؛ مما ينفعه؛ ودفع عنه ما لا يريد؛ مما يضره؛ لأنه أخذ ذلك ممن علم ما يصلح عبده؛ وما الذي يضره. ولذلك ذكر المؤلف، رحمه الله تعالى؛ أن المرجع في هذا؛ والضابط لمعرفة الضار من النافع؛ والصالح من السيء؛ والخبيث من الطيب؛ والحسن من القبيح؛ إنما الضابط في ذلك للشرع؛ لأنه من عند عليم خبير؛ هو خالق هذه الأشياء؛ وهو خالق العباد؛ وهو الذي يعلم ما يصلحهم؛ وما يفسدهم؛ وما ينفعهم؛ وما يضرهم. قال رحمه الله تعالى: والعقول؛ وإن كانت تدرك النافع والضار في الجملة؛ لكن تفصيل ذلك؛ والإحاطة به؛ إحاطة تامة؛ إنما يكون من جهة الشرع. العقول تدرك هذه الأمور إجمالًا؛ في الجملة؛ تدرك العقول؛ يعني الحسن من السيء؛ والقبيح من الحسن؛ وهكذا كذلك المحمود من غيره؛ المذموم؛ وهكذا تدرك هذا إجمالًا. بل كذلك العقول إجمالًا؛ تدرك ما جاءت به الرسل؛ تدرك ما جاءت به الرسل؛ إجمالًا؛ مما يتعلق بالأخبار الغيبية؛ من الإيمان بالله؛ والملائكة؛ وكذلك الرسل؛ وهكذا كل الأخبار التي جاءت في كتاب الله جل وعلا؛ وجاء بها الرسل؛ فإن العقول تدرك ذلك إجمالًا؛ تدرك ذلك إجمالًا. لماذا؟ لأن فطرة العباد؛ فطرة على التوحيد؛ فطرة على التوحيد؛ فإذا كان كذلك؛ فإذن هذه الفطرة لا تنكر أي خبر جاء في كتاب الله؛ أو جاءت به الرسل؛ لماذا؟ لأنها مدامنة على الفطرة. فالعقول التي لهؤلاء العباد؛ لا تنكر ذلك؛ بل تغر به إجمالًا؛ للإيمان الإجمالي؛ للإيمان الإجمالي بكل ما جاء في كتب الله؛ وما جاء به رسل الله؛ عليه الصلاة والسلام؛ لكن على سبيل التفصيل؛ على سبيل التفصيل؛ لا تستطيع العقول أن تدرك كل شيء؛ تفصيلًا؛ فيما يتعلق بالإيمان بالملائكة؛ وما يتعلق بالأمور الغيبية. فهذه فيها تفاصيل؛ العقل لا يتوصل إليها؛ العقل لا يتوصل إليها؛ وإنما يؤمن بها إجمالًا؛ لأن هذا من الإيمان بالغيب؛ لأن هذا من الإيمان بالغيب؛ والأمور التفصيلية؛ فإنما تعلم من طريق الشرع. فإذا بين الشرع شيئًا من الأمور التفصيلية التي تتعلق بهذه الأمور؛ علمت؛ وعلمها العقل. وأما إذا لم يأت بذلك الشرع؛ فإن العقل لا يستطيع أن يدرك تفاصيل هذه الأمور؛ إلا عن طريق الشرع؛ فإذا لم يأت بها شرع؛ فلا يمكن يتوصل إليها. قال رحمه الله تعالى: ولهذا نقول: النفع أو الضرر؛ قد يكون معلومًا بالفطرة؛ قد يكون معلومًا بالفطرة؛ فالإنسان بفطرته؛ الإنسان بفطرته؛ ماذا يعرف؟ النافع من الضار؛ والحسن من القبيح. مثلا الطفل على فطرته؛ الطفل الصغير؛ هذا ربما يرى الحفرة؛ ويبتعد عنها؛ لا يقع فيها؛ لا يقع فيها؛ ويبتعد عنها؛ وربما يعني يرى النار؛ ويبتعد عنها؛ نعم؛ أو تأتي له مثلا بشعلة من النار؛ فيبتعد عنها. ما الذي أعلمه أن هذا يضره؛ ولا ينفعه؟ إنها الفطرة؛ الفطرة التي فطر عليها؛ فإنها تستقبح هذا؛ وتنكر هذا؛ وتعلم أنه ماذا؟ من الضرر؛ فتبتعد عنه. بل الحيوانات؛ حتى الحيوانات بفطرتها تدرك؛ تدرك النفع من الضرر؛ فربما بهيمة تريد أن تدفعها في بئر؛ لتوقعها في هذه البئر؛ وهي تتراجع؛ أو تريد أن تدفعها إلى النار؛ فهي تتراجع؛ لا تطيعك على الدخول في النار. ما الذي أعلمها أن هذا يضرها؛ أن هذه النار تضرها؛ وأن هذه النار ليست بنافعة لها؟ إنها الفطرة التي فطر الله جل وعلا عليها عباده؛ حتى ماذا؟ حتى الحيوانات. فإذن الفطرة تدرك هذه الأشياء؛ تدرك النافع من الضار؛ وحسن من القبيح؛ بفطرتها. ولذلك قال رحمه الله تعالى: ولهذا نقول: النفع أو الضرر؛ قد يكون معلومًا بالفطرة. قال: وقد يكون معلومًا بالعقل؛ قد يكون معلومًا بالعقل؛ العقل كذلك يدرك الحسن من القبيح؛ والنافع من الضار؛ بعقله؛ نعم؛ العقل يدرك ماذا؟ يدرك ذلك. فمثلًا الظلم؛ الظلم؛ العقل ماذا يستقبحه؟ العقل يستقبح الظلم؛ ويستحسن العدل؛ ويستحسن العدل؛ هذا بالعقل. وهكذا كذلك العقل؛ مثلا يستحسن أن يبقى شيء من المال للورثة؛ بقاء شيء من المال للأولاد؛ وللوالدين؛ بعد الموت؛ شيء حسن؛ يستحسنه ماذا؟ العقل. لكن لا يدرك تفاصيل ذلك بالتفصيل؛ ما يتعلق بقسمة المواريث؛ لماذا يعني الزوجة؛ يعني الربع؛ إذا لم يكن له ولد؛ ولماذا الثمن؛ إذا كان له ولد؛ ولماذا السدس؛ ولماذا الثمن؛ هذه قد لا يصل إليها العقل. ماذا بالعقل؟ لا يصل الإنسان إليها بعقله؛ وإن كان يدرك هذا الحسن بعقله؛ وأن هذا من الأمر الحسن؛ أن يترك الإنسان لوالديه؛ أو لأبنائه؛ شيئًا من المال. وهكذا كذلك؛ مثلا النظر إلى يعني العورات؛ النظر إلى العورات؛ العقل يستقبح ذلك؛ العقل يستقبح النظر إلى العورات؛ نعم؛ ولا يستحسن ذلك؛ هذا بالعقل يدرك. ولذلك كان أهل الجاهلية يستقبحون النظر إلى العورات؛ ويستحسنون عدم ماذا؟ عدم النظر. ولذلك يقول عنترة في أبياته: «وماذا أغض طرفي إذا بدت لجارتي ... حتى يواري جارتي مأواها». ما الذي أعلمه أن هذا قبيح؛ وليس بحسن؟ من الذي أعلم أن هذا قبيح؛ ليس بحسن؟ يعني النظر في يعني نساء الجيران؛ من الذي أعلمه؟ هل علم ذلك عن طريق الشرع؟ لا؛ هذا العقل يدرك ذلك. العقل يدرك ذلك؛ أن غض البصر عن هؤلاء من الأمر الحسن. وهكذا يعني إطلاق البصر؛ من الأمر السيء. ولذلك كثير من الأشياء؛ كانت عند أهل الجاهلية؛ يعني يستحسنونها؛ مع أنهم لم يعلموا الشرع. وذلك يدلنا على أن العقل؛ جعل الله جل وعلا فيه؛ ما يدرك به الحسن من القبيح؛ والنافع من الضار. وهذه مسألة عظيمة؛ تتعلق بالتحسين؛ وكذلك التقبيح العقليين؛ وفيه خلاف ونزاع بين أهل العلم. وظل فيه طوائف من الجبرية؛ وهكذا القدري المعتزلة؛ ووفق أهل السنة؛ لفهم معناها الفهم الصحيح. وهذا يحتاج إلى ترصيل؛ لكن قد انتهى الوقت. وإن شاء الله تعالى؛ سنواصل فيه؛ وفي بيانه؛ في الدروس اللاحقة؛ إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد؛ وعلى آله وصحبه أجمعين.