الدرس في فتاوى ابن باز في العقيدة 3، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يشرح الشيخ ابن باز أن كلمة التوحيد هي أساس الدين، ومعناها نفي الإلهية عن غير الله وإثباتها له وحده، مستدلاً بالقرآن والسنة. ويبين أول ثلاثة شروط لصحتها: العلم، اليقين، والإخلاص، مع الأدلة الشرعية لكل شرط.
يستعرض المقطع الشروط من الرابع إلى الثامن: الصدق، المحبة، الانقياد، القبول، والكفر بالطاغوت، مع الأدلة لكل شرط. كما يوضح أن الشرك الأكبر واستحلال المحرمات المعلومة بالضرورة يناقضان الكلمة بالكلية ويبطلانها.
ينقل إمام مالك أن الطاغوت هو من عُبد من دون الله وهو راضٍ، ويبين أن صرف أي نوع من العبادة كالدعاء والاستغاثة والذبح لغير الله يبطل كلمة التوحيد ويقع في الشرك. ويؤكد أن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا سؤال وُجه لشيخ العلم عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى، يقول السائل فيه: يلاحظ جهل كثير من المسلمين بمعنى لا إله إلا الله، وقد ترتب على ذلك الوقوع فيما ينافيها ويضادها أو ينقضها من الأقوال والأعمال، فما معنى لا إله إلا الله، وما مقتضاها، وما شروطها؟ فأجاب رحمه الله: قال لا شك أن هذه الكلمة، وهي لا إله إلا الله، هي أساس الدين، وهي الركن الأول من أركان الإسلام مع شهادة أن محمداً رسول الله، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت»، متفق على صحته من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما بعث معاذاً رضي الله تعالى عنه إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم»، الحديث متفق عليه. وأحاديث في هذا الباب كثيرة. ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، تنفي الإلهية بحق عن غير الله سبحانه، وتثبتها بالحق لله وحده، كما قال الله عز وجل في سورة الحج: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾، وقال سبحانه في سورة المؤمنون: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾، وقال عز وجل في سورة البقرة: ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾، وقال في سورة البينة: ﴿وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ﴾، والآيات في هذا المعنى كثيرة. وهذه الكلمة العظيمة لا تنفع قائلها ولا تخرجه من دائرة الشرك إلا إذا عرف معناها وعمل به وصدق به. قد كان المنافقون يقولونها وهم في الدرك الأسفل من النار لأنهم لم يؤمنوا بها ولم يعملوا بها. وهكذا اليهود تقولها وهم من أكثر الناس كفراً لعدم إيمانهم بها. وهكذا عباد القبور والأولياء من كفار هذه الأمة يقولونها وهم يخالفونها بأقوالهم وأفعالهم وعقيدتهم، فلا تنفعهم ولا يكونون بقولها مسلمين لأنهم ناقضوها بأقوالهم وأعمالهم وعقائدهم. قد ذكر بعض أهل العلم أن شروطها ثمانية، جمعها في بيتين، فقال: علمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصدقٌ ** مع محبةٍ وانقيادٍ وقبولُها وكفرانُ ما يُعبدُ من دونِ اللهِ ** فهذه ثمانيةٌ لمن وعاها وهذان البيتان قد استوفيا جميع شروطها: الأول: العلم بمعناها المنافي للجهل، وتقدم أن معناها لا معبود حق إلا الله، فجميع الآلهة التي يعبدها الناس سوى الله سبحانه كلها باطلة. الثاني: اليقين المنافي للشك، فلا بد في حق قائلها أن يكون على يقين بأن الله سبحانه هو المعبود بالحق. الثالث: الإخلاص، وذلك بأن يخلص العبد لربه سبحانه وهو الله عز وجل جميع العبادات، فإذا صرف منها شيئاً لغير الله من نبي أو ولي أو ملك أو صنم أو جني أو غيرها فقد أشرك بالله ونقض هذا الشرط، وهو شرط الإخلاص. الرابع: الصدق، ومعناه أن يقولها وهو صادق في ذلك، يطابق قلبه لسانه ولسانه قلبه، فإن قالها باللسان فقط وقلبه لم يؤمن بمعناها فإنها لا تنفعه ويكون بذلك كافراً كسائر المنافقين. الخامس: المحبة، ومعناها أن يحب الله عز وجل، فإن قالها وهو لا يحب الله صار كافراً لم يدخل في الإسلام كالمتنافقين. ومن أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾، والآيات في هذا المعنى كثيرة. السادس: الانقياد لما دلت عليه من المعنى، ومعناه أن يعبد الله وحده وينقاد لشريعته ويؤمن بها ويعتقد أنها الحق، فإن قالها ولم يعبد الله وحده ولم ينقد لشريعته بل استكبر عن ذلك فإنه لا يكون مسلماً كإبليس وأمثاله. السابع: القبول لما دلت عليه، ومعناه أن يقبل ما دلت عليه من إخلاص العبادة لله وحده وترك عبادة ما سواه، وأن يلتزم بذلك ويرضى به. الثامن: الكفر بما يعبد من دون الله، ومعناه أن يتبرأ من عبادة غير الله ويعتقد أنها باطلة، كما قال الله سبحانه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وصح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله»، وفي رواية عنه صلى الله عليه وسلم: «من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه»، أخرجهما مسلم في صحيحه. فالواجب على جميع المسلمين أن يحققوا هذه الكلمة بمراعاة هذه الشروط، ومتى وجد من المسلم معناها والاستقامة عليها فهو مسلم حرام الدم والمال، وإن لم يعرف تفاصيل هذه الشروط، لأن المقصود هو العلم بالحق والعمل به، وإن لم يعرف المؤمن تفاصيل الشروط المطلوبة. والطاغوت هو كل ما عبد من دون الله، كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. ومن كان لا يرضى بذلك من المعبودين من دون الله كالأنبياء والصالحين والملائكة فإنهم ليسوا بطواغيت، وإنما الطاغوت هو الشيطان الذي دعا إلى عبادتهم وزينها للناس. وقال إمام مالك: الطاغوت من عبد من دون الله وهو راض، وعن غيره من السلف رحمهم الله. وبيّن رحمة الله تعالى كذلك ما ينافي هذه الكلمة من الشرك بالله جل وعلا بدعاء الأموات أو الملائكة أو الاستغاثة بهم والذبح، وكل من صرف أي عبادة لغير الله جل وعلا فقد أبطل هذه الكلمة وناقضها. وهكذا من استحل المحرمات المجمع على تحريمها والمعلومة من الدين بالضرورة وأنها محرمة في حق مثل هذا، وذكر أن في ذلك من يستحل الزنا أو شرب المسكر أو عقوق الوالدين أو الربا وغير ذلك من الأمور التي هي معلومة من الدين بالضرورة في حق هذا الذي استحلها. وأما الفرق بين الأعمال التي تنافي هذه الكلمة وهي لا إله إلا الله والتي تنافي كمالها الواجب، فهو أن كل عمل أو قول أو اعتقاد يوقع صاحبه في الشرك الأكبر فهو ينافيها بالكلية ويضادها، كدعاء الأموات والملائكة والأصنام والأشجار والأحجار والنجوم وغير ذلك، والذبح لهم والنذر والسجود لهم وغير ذلك، فهذا كله ينافي التوحيد بالكلية ويضاد هذه الكلمة ويبطلها وهي لا إله إلا الله. ومن ذلك استحلال ما حرم الله من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة والإجماع كالزنا وشر المسكر وعقوق الوالدين والربا ونحو ذلك. ومن ذلك أيضاً جحد ما أوجب الله من الأقوال والأعمال المعلومة من الدين بالضرورة والإجماع: وجوب الصلوات الخمس والزكاة وصوم رمضان وبر الوالدين والنطق بالشهادتين ونحو ذلك. أما الأقوال والأعمال والاعتقادات التي تضعف التوحيد والإيمان وتنافي كمالها الواجب فكثيرة، ومنها الشرك الأصغر كالرياء والحلف بغير الله، وقول: ما شاء الله وشاء فلان، أو هذا من الله ومن فلان، ونحو ذلك. وهكذا جميع المعاصي كلها تضعف التوحيد والإيمان وتنافي كمالها الواجب، فالواجب الحذر من جميع ما ينافي التوحيد والإيمان أو ينقص ثوابهما. والإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والأدلة على ذلك كثيرة، أوضحها أهل العلم في كتب العقيدة وكتب التفسير والحديث، فمن أرادها وجدها، والحمد لله. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾، والآيات في هذا المعنى كثيرة. فأجاب رحمه الله تعالى بهذا الجواب الذي بين فيه رحمه الله تعالى أولاً ما يتعلق بهذه الكلمة العظيمة، كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وذلك لأن الكثير قد جهل معنى هذه الكلمة، فلما جهل معناها وقع في أمور تنقضها، لأن وقوع كثير من الناس فيما وقعوا فيه بسبب الجهل، لأنه لو علم حقيقة هذه الكلمة وما تقتضيه وما الذي يضاد هذه الكلمة ويبطلها لابتعد عن كل ما يناقضها وعن كل ما يبطلها، فلذلك الواجب تبيين معنى هذه الكلمة للناس حتى يعرفوا معناها التي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة من فهم لهذه الكلمة العظيمة، كلمة التوحيد التي هي الركن الأول من أركان الإسلام مع شهادة للنبي عليه الصلاة والسلام بالرسالة. وبين رحمه الله تعالى أهمية هذه الكلمة وأنه أول ما يدعى إليها، وهي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فقد كان النبي عليه السلام يبعث من يبعث إلى الناس لدعوتهم إلى التوحيد أولاً، وإلى تحقيق هذه الكلمة وتحقيق ما تقتضيه قبل الأمر بالدعوة إلى الصلوات الخمس وإلى الزكاة وإلى الصوم وإلى الحج وإلى غير ذلك، كما في حديث معاذ بن جبل وغيره مما جاءت النصوص بالدلالة عليه، وقوله عليه الصلاة والسلام وعمله. وبين رحمه الله تعالى كذلك معناها، وهو أن معناها لا معبود بحق إلا الله، كما دلت عليه الأدلة، قد ذكر الآيات، قد سمعتم هذه الآيات الدالة على معنى هذه الكلمة، كما في قوله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾. وذكر رحمه الله تعالى شروط هذه الكلمة، هذه الشروط مستفادة من النصوص الشرعية، لأن النصوص الشرعية دلت على اشتراط هذه الشروط، وأن هذه الكلمة لا بد فيها من هذه الأمور حتى تنفع صاحبها وتنفع قائلها، وكما تقدم: العلم والإخلاص واليقين والانقياد وكذلك القبول وكذلك المحبة وغير ذلك. ما ذكر من هذه الشروط ذكرها رحمه الله تعالى، وذكر الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على هذه الشروط. ثم بيّن رحمة الله تعالى كذلك المراد بالطاغوت، وهو الذي يعبد من دون الله وهو راضٍ من تلك العبادة أو ممن هو يدعو إليها، أما من عبد من الأنبياء ومن الصالحين وهو غير راضٍ فليس بطاغوت لأنه يكفر بهذه العبادة المصروفة له، ولكن الشيطان هو الطاغوت الذي زين لأولئك عبادة هؤلاء الأنبياء أو الصالحين وغيرهم ممن عبد من دون الله جل وعلا. وقال إمام مالك: الطاغوت من عبد من دون الله وهو راضٍ، وعن غيره من السلف رحمة الله عليهم. وبيّن رحمة الله تعالى كذلك ما ينافي هذه الكلمة من الشرك بالله جل وعلا بدعاء الأموات أو الملائكة أو الاستغاثة بهم والذبح، وكل من صرف أي عبادة لغير الله جل وعلا فقد أبطل هذه الكلمة