المحاضرة بعنوان رؤية المؤمنون لربهم، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر بتاريخ 10 ربيع الأول 1446هـ الموافق 13 سبتمبر 2024م ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يفسر الشيخ آية الاستخلاف موضحاً أن سؤال الملائكة كان استكشافاً لا اعتراضاً، وأن غاية خلق الإنس والجن هي عبادة الله وتوحيده مع وجوب الخلافة الراشدة وعمارة الأرض بالطاعة. ويسوق حديث ملائكة يطوفون مجالس الذكر فيحفونهم بأجنحتهم ويرفعون أعمالهم، فيبشرهم الله بالمغفرة مؤكداً أن رؤية الله تكون في الآخرة للمؤمنين فقط.
يستعرض المقطع أدلة رؤية المؤمنين لله في الجنة من القرآن والسنة المتواترة، مبيناً أن أعظم نعيم الجنة هو النظر إلى وجه الله الكريم بينما حرمان الكافرين منها من أعظم العقاب. ويرد على فرق الخوارج والمعتزلة والجهمية والأشاعرة مثبتاً أن الرؤية تكون بالعينين في الآخرة لا في الدنيا.
يبيّن الشيخ أن رؤية الله تعالى لا تكون في الدنيا مستدلاً بقصة موسى وامتناع الجبل عن تحمل التجلي وبحديث «لن تروا ربكم حتى تموتوا». ويرد على دعوى الزنادقة والصوفية برؤية الله في الخلوات موضحاً أن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم كانت ببصيرته لا ببصره وأن الحجاب النوراني يمنع الرؤية في الدنيا.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد: ففي هذا المقام نرحب بشيخنا المفضل أبي خالد وليد بن عبد الله مقرم، حفظه الله ووفقه، وجزاه الله خيرًا على حضوره وعلى مجيئه لإفادة إخوانه من هذه الفوائد القيمة. وهذه مشاركة السيرة بين يدي شيخنا، حفظه الله وتعالى، نتذاكر فيها قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. انظر إلى هذه الآية العظيمة التي فيها فوائد وأمور، منها قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾. قال العلماء: يعني واذكر يا محمد، يعني الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم: واذكر يا محمد إذ قال ربك. و«إذ» هنا ظرفية، أي أذكر ذلك الزمان الذي قال الله، يعني نذكرك به إذ قال ربك للملائكة. ولم يذكر أحد من العلماء أن «إذ» هذه زائدة إلا أبو عبيدة. قال القرطبي: قد اجترأ أبو عبيدة في هذا، وهو من أئمة اللغة، لكن سبحان الله! فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. والخليفة هنا: أي أبناء بني آدم الذين يخلفون بعضهم بعضًا في الأرض لعمارة الأرض بطاعة الله جل وعلا. وهذا هو المراد من خلق الخليقة: خلق الله هذه الخليقة من الإنس والجن إنما خلقهم من أجل أن يعبدوه وأن يطيعوه وأن يوحدوه. هذا هو المطلوب، وهذا هو سر هذه الحياة. سر الحياة أن نعبد الله جل وعلا ولا نشرك به شيئًا، وأن نلتزم دين الله عز وجل. وإنما هذه الدنيا زائلة وفانية، نعيش فيها زمنًا يسيرًا ثم نغادر إلى عالم البرزخ حيث القبر، وإما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النيران. ثم تقوم الساعة وينقسم الناس إلى أهل الجنة وأهل النار: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾. وإذ قال ربك للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. خليفة: هؤلاء هم الخلفاء، ومنهم الخليفة الذي ينصب على الناس. وهذا أمر فرض واجب: من يكون الخليفة يسوس الناس ويرعاهم ويحميهم، وله وعليه واجبات، وعلى الرعية كذلك واجبات شرعها الله جل وعلا. ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. فالملائكة قالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾. فكأنهم قد علموا علمًا خاصًا، كما قال المفسرون: أن من بني آدم من يكون مفسدًا، من يكون يسفك الدماء. والواقع المشاهد أنه حصل من ذلك شيء من الإفساد: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾. حصل شيء من ذلك. وليس قول الملائكة لربهم حين أخبرهم بالخليقة أو بأمر الخليفة عن اعتراض، كما قال العلماء، وليس لهم أن يعترضوا، وكيف لهم أن يعترضوا وهم ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ كما وصفهم؟ قالوا: علماء إنما قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾، هذا من باب الاستكشاف والاستعلام. فهم تعجبوا وأرادوا أن يعرفوا السر، وكان عندهم أنهم سيسفكون الدماء ويفسدون في الأرض، وهذا أمر مرفوض أو أمر غير مرغوب فيه أن يكون الإنسان مفسدًا، ليس فاسدًا لأن الفعل «يفسد» من الفعل «أفسد»، أي فيكون مفسدًا، أي مفسد في الأرض. هذا تأباه الملائكة. وجاء ظهر أقوام في هذه الأمة دأبهم الإفساد في الأرض وسفك الدماء وقتل الناس فرادى وجماعات. فالملائكة سألوا سؤال استكشاف، ليس سؤال اعتراض: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. كأنه كما قال بعض العلماء: أنهم إذا كان الأمر كذلك، فلنكن نحن في الأرض، ونحن على استقامة وعلى ديانة وعلى تقديس، ليس منا شيء من المعاصي. هذا أن الملائكة تأنف من سفك الدماء، وأنها تحب المؤمنين، تحب الصالحين، تحب أن تكون الأرض خالية من الفساد ومن سفك الدماء. والملائكة تستغفر لبني آدم بالليل والنهار، أي قصد للمؤمنين. ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. هذا السر: أنتم لا تعلمون، عندي علم ليس عندكم في هؤلاء الذين سيخلفون في الأرض. فإني سأرسل منهم الرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين. كل أولئك سيكون من بني آدم، فيملؤون الأرض صلاحًا. أنتم لا تعلمون هذا، ولكن سيأتي الزمان الذي ستعلمون بهذا. وقد جاء في الصحيح البخاري من حديث الأعمش سليمان بن مهران رحمه الله تعالى، الإمام، إمام أهل الحديث، وكذلك إمام في القراءات، له قراءة الإمام الأعمش. يروي الحديث عن أبي صالح ذكوان السمان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله ملائكة يطوفون في الأرض، أو يطوفون في الطرق، يلتمسون أهل الذكر. فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم». ومعنى «تنادوا»: أي نادى بعضهم بعضًا إلى المطلب الذي يطلبونه، أنهم وجدوا هؤلاء الأقوام يذكرون الله عز وجل، مثل هذه مجالس يذكرون الله عز وجل، فيحفونهم بأجنحتهم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا. وهذه فيه إحاطة ورحمة بهؤلاء الذين يذكرون الله. فيسألهم ربهم، يسأل الملائكة بعد انقضاء المجلس، وهو أعلم منهم، ولكن الله عز وجل يريد شيئًا. يسألهم: «ماذا كيف وجدتم عبادي؟» أو «ماذا يقولون؟» قالوا: «يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك». قال: «فيقول أي الله عز وجل: هل رأوني؟» قال: «فيقولون: لا والله ما رأوك». قال: «فيقول: كيف لو رأوني؟ كيف لو رأوني؟» قالوا: «فيقولون: كانوا أشد لك تسبيحًا وتحميدًا وتمجيدًا». انظر: والله عز وجل سألهم: «هل هل رأوني؟» قالوا: «لا والله». فيه رد هذا، فيه رد على الزنادقة، فيه رد على الزنادقة الذين يقولون أو يقول أحدهم إنه رأى ربه في الدنيا بعينيه، كما يقول بعض أهل الحلول والاتحاد، بعض أهل البدع والمنحرفين، يكذبون على الناس أنهم يرون الله في هذه الدنيا. ولا أحد كما جاء في صحيح مسلم: لا أحد يرى ربه في هذه الدنيا. نعم، يرونه في الآخرة، يراه المؤمنون، يراه المؤمنون المخلصون، يراه المؤمنون فقط. وهذه عقيدة للسنة. قالت الملائكة: «لا والله ما رأوك». قال: «كيف لو رأوني؟» قالوا: «كان أشد لك تمجيدًا وتسبيحًا». إذن هناك رؤية ستكون في اليوم الآخر خاصة بالمؤمنين، وهو أعظم النعيم. أعظم النعيم أن ترى الله جل وعلا في جنات النعيم. قال: «فما يسألوني؟» قالوا: «يسألونك الجنة». قال: «فيقول: وهل رأوها؟» قالوا: «قالوا: لا والله ما رأوها». قال: «فكيف لو رأوها؟ كيف لو رأى المؤمنون الجنة؟» هم يعملون هذه الأعمال وهذا التسبيح وهذا التمجيد وهذا السؤال، وهذا دأب المؤمن، دأب المؤمن أنه يسأل ربه الجنة، يسأل ربه الجنة بالليل والنهار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: «حولها ندند». إنما قال: «لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، ولكن يسأل الله جنة». قال: «حولها ندند». فالقصد من هذا أن المؤمنين يسألون، يسألون ربهم الجنة. قال: «كيف لو رأوها؟» قالوا: «كان أشد لها طلبًا وأشد لها رغبة، أو أشد فيها رغبة في الجنات». قال: «فمما يتعوذون؟» قالوا: «يتعوذون من النار». قالوا: «وهل رأوها؟» قالوا: «لا والله ما رأوها». قال: «كيف لو رأوها؟» قالوا: «كانوا أشد لها مخافة وأشد لها اتقاءً أو بعدها منها». قال: «أشهدكم أني قد غفرت لهم». أشهدكم أني قد غفرت لهم. قال: «فيقول ملك من الملائكة: إن فيهم رجلا ليس منهم، إنما جاء لحاجة». قال: «فيقول أي الله: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم». هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم، وإن لم يكن ذاكرًا معهم مع الكلام. وإن لم يكن هذا الجليس جاء لذكر الله وإنما جاء لحاجة، فكيف بالذاكرين؟ كيف بالذاكرين؟ وفي هذا الحديث الذي رواه الإمام البخاري فوائد عظيمة، منها: فيه إشارة إلى الملائكة أنكم قد قلتم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، ففيها مثل هؤلاء الأقوام الذين هم من الخالص. فيهم هذا، هل انكشف لكم بعض السر فيهم؟ الأنبياء والرسل، فيهم الصديقون والشهداء والصالحون. فيه تنبيه للملائكة. وفيه أن بني آدم، أن صالحي بني آدم تعتريهم الشهوات والشبهات، ومع ذلك كثير منهم يستقيم على طاعة الله فيرتفع مقامه عن الملائكة. لأن الملائكة عليهم السلام ليس فيهم نوازع الشر والفساد والإفساد، ليس فيهم هذا، إنما هم خير خالص، خلقهم الله عز وجل من نور، خلقهم من نور وخلقهم لطاعة المطلقة، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. ولهذا ويحه: كيف نجا إذا مات الإنسان؟ قالت بعض الملائكة: مات على الإسلام والسنة وهي السعادة الحقيقية، إسلام والسنة والتوحيد، مات على هذا وقبض على هذا. فتعجب بعض الملائكة: «ويحه كيف نجا؟ كيف نجا؟ كيف نجا؟ كيف نجا من الشياطين؟ كيف نجا من الشهوات؟ كيف نجا من الشبهات؟ كيف نجا هذا؟ كيف صار من أهل الإيمان؟» هذا توفيق من الله عز وجل، ليس بيد الإنسان، إنما هو التوفيق والخذلان لأهل الفجور والكفران. تعجب: كيف نجا هذا الإنسان وسط الفتن؟ استحق الجنات. ففي بني آدم خير عظيم في صالحيهم. وفيه أيضًا: فيه أن الله عز وجل لا يرى في هذه الدنيا، وإنما يرى في الآخرة، كما هو معتقد أهل السنة. وفيه رحمة الملائكة ومحبة الملائكة لبني آدم الصالحين. وفيه كذلك أيضًا فضل الذكر وأهل الذكر والمرتبطين بذلك. فيه أمور كثيرة عظيمة. ولعلي قد أطلت على شيخنا، فنكتفي بهذا القدر، والكلمة عنده. جزاه الله خيرًا. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فنحمد الله عز وجل حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، على ما منّ به علينا وأسدى من نعم، إذا أعددناها فلا تحصى. وهو القائل عز وجل: ﴿إِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. والحمد لله الذي وفقنا لما وفقنا له، ولولا توفيقه جل وعلا لما وفقنا. والحمد لله الذي يسر لنا هذا اللقاء وهذا الاجتماع في هذا الجامع، وفي هذه الدار، دار الحديث في الشحر، في جامع التقوى. نسأل عز وجل أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعًا مرحوما، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقًا معصومًا، وأن لا يجعل فينا ولا منا شقية ولا محرومة. كما نشكر لأخينا الشيخ الفاضل أبي العباس فؤاد بركات، حفظه الله، على ترحيبه وكلمته الطيبة النافعة القيمة التي أتحفنا فيها بفوائد من آي الذكر الحكيم ومن حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام. فجزاه الله خير الجزاء. وكان ضمن كلمته الكلام على رؤية الله تبارك وتعالى، وأن الله عز وجل قال لملائكته وهو أعلم بذلك منهم، حين قالت الملائكة لله تبارك وتعالى حين سألهم: «كيف تركتم عبادي؟» قالوا: «تركناهم يصلون». وتركناهم يسبحون ويحمدون. قال جل وعلا: «فهل رأوني؟» فيقولون: «لا». فيقول جل وعلا: «فكيف لو رأوني؟» قال: «لكانوا أكثر تحميدًا وتسبيحًا وتهليلًا وتكبيرًا» إلى آخر الحديث. وكان من ضمن المواضيع المطلوبة أن يطرق في هذه المحاضرة هذا الموضوع. فسبحان الله، رجح الشيخ أبو العباس، طلب من طلب الكلام في هذا الموضوع، وإلا فقد طرقت مواضيع لكي يكون الكلام عنها ولم يترجح لنا شيء، لكن ترجح لنا بعد كلمة الشيخ أبي العباس، حفظه الله، الكلام عن هذا الموضوع: موضوع رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة. وهذا موضوع مهم، ولذلك كتبه علماء أهل السنة والجماعة في مؤلفاتهم، في كتب العقيدة. فما من مؤلف إلا وذكر فيه هذا المعتقد: معتقد أهل السنة والجماعة في رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة. وهذا من أعظم النعيم، كما سمعتم، على الإطلاق. فلا نعيم أعظم يوم القيامة من نعيم النظر إلى وجه الله الكريم جل وعلا. ولا يغتر بكلام الزمخشري الغالي عند ذكر فضل الجنة، قال: «أي نعيم أفضل من هذا؟» وهذه اعتزالية لا يفهمها إلا أهل العلم. فهو لا يريد بهذا الكلام ما ذكر. وأي نعيم أفضل من نعيم الجنة بعد أن ذكر أفضل الجنة؟ لا، هناك ما هو نعيم أعظم، وهو الذي تنكره أيها الزمخشري، أيها المعتزلي. قال: وهو رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة. الله تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾: وصف الله جل وعلا وجوه أهل الإيمان بالنضارة والبها والحسن والجمال. كيف لا تكون هذه الوجوه قد علتها النضارة وعلاها الجمال والبها والحسن وهي تنظر إلى الله تبارك وتعالى؟ وبنظرها إلى الله تبارك وتعالى كسيت هذا البها، كسيت هذا الجمال وهذا الحسن. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾: لماذا عاد الله جل وعلا في قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾؟ إلى الوجوه لأن محل النظر في الوجه وهم العينان. فمحل النظر في الوجه فهم العينان. فقال جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: أي تنظر إلى الله تبارك وتعالى. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. للذين أحسنوا الحسنى وهي الجنة، وزيادة: هذه الزيادة فسرت بالنظر إلى وجه الله الكريم. روى الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي يحيى صهيب الرومي رضي الله تعالى عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن الله جل وعلا يأتي أهل الجنة فيقول: يا أهل الجنة، هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا يا رب لا نرضى وقد بيضت وجوهنا وأدخلتنا الجنة؟ فيقول جل وعلا: هل أزيدكم؟ فيقولون: وما ذاك على هذا يا ربنا من زيادة؟ فيكشف ربنا جل وعلا الحجاب عن وجهه فينظرون، فينظرون إليه، فما أعطوا نعيمًا أعظم من نعيم النظر إليه جل وعلا». في حجاب آخر قال جل وعلا كما أخبر عليه الصلاة والسلام: «أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا». وقال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾. إن الأبرار لفي نعيم، ما أعظم هذا النعيم الذي عليه الأبرار! إنه نعيم النظر إلى وجه الله الكريم. ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾: أي إلى كل نعيم، وأعظم هذا النعيم النظر إلى وجه الله الكريم. ويقول جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾. حجب الله جل وعلا رؤيته عن الكافرين. فكما أن أعظم النعيم النظر إلى وجه الله الكريم، فإن من عظيم العقاب حرمان هذا النعيم، وأن يحجب جل وعلا رؤيته عن الكافرين. قال الإمام الشافعي رحمة الله تعالى عليه: قد استدل بهذه الآية على ثبوت النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى. وأكد الإمام أحمد وغيرهما من أهل العلم. قال الإمام الشافعي رحمة الله تعالى: لما حجب الله جل وعلا رؤيته عن الكفار حال السخط، دل ذلك على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا. وذكر ذلك الإمام ابن القيم رحمة الله تعالى عليه في نونيته، قال رحمة الله تعالى: «ولقد أتى في التطفيف» أي في سورة المطففين: «أن القوم قد حجبوا عن رؤية الرحمن، فدل بالمفهوم أن المؤمنين يرونه في جنة النعيم». وبذا استدل الشافعي وأحمد وسواهما من علماء الأزمان. والأحاديث عن نبي صلى الله عليه وسلم متواترة في إثبات رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة. وقد عدت أحاديث الرؤية من الأحاديث المتواترة. قال من عد الأحاديث المتواترة: «ومما تواتر حديث من كذب» أي: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». ومما تواتر حديث: «من بنى لله بيتا واحتسب» أي: حديث «من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة». ومما تواتر حديث: «من كذب ومن بنى لله بيتا واحتسب، ورؤية» أي: والأحاديث في رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة. «ورؤية، شفاعة» أي: وأحاديث الشفاعة متواترة. «ورؤية، شفاعة، والحوض» أي: لحديث الحوض، حوض النبي عليه الصلاة والسلام متواتر، وأن الناس يشربون من حوضه عليه الصلاة والسلام يوم القيامة، من شرب شربة لا يظمأ بعدها أبدًا. لكن يذاد عن هذا الحوض أهل الكفر وأهل البدع الذين يبتدعون ويحدثون في دين الله جل وعلا، ويشاركون الله جل وعلا في تشريعاته: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾. فهؤلاء يطردون من حوض النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا إنه يذاد أقوام عن حوضي يوم القيامة، فأقول: أمتي أمتي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك». قال: «فأقول: سحقا سحقا لمن غير وبدل». حين يقال له: إنهم غيروا وبدلوا. «ورؤية، شفاعة، والحوض، ومسح الخفين» وهذه بعض أيضًا من الأحاديث المتواترة، الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في المسح على الخفين. فأحاديث الرؤية متواترة. وأعظم هذه الأحاديث حديث جرير بن عبد الله البجلي اليمني، كما في المتفق عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته». «لا تضامون» بتشديد الميم: أي لا تحتاجون إلى انضمام، وأن ينضم بعضكم إلى بعض، شأن رؤية الشيء الصغير غير الواضح، كرؤية الهلال أول طلوعه، فإنه لا يرى، فمن رآه وأراد من غير أن يروا قال: «تعال»، فينضم بعضهم إلى بعض لكي يرونه. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا تضامون في رؤيته»، لماذا؟ لأنها رؤية واضحة ظاهرة، كما أنكم لا تحتاجون إلى انضمام وضم بعضكم إلى بعض حين ترون القمر ليس دونه سحاب، والشمس ليس دونها سحاب. «لا تضامون في رؤيتي». وفي لفظ: «لا تضامون» بتخفيف الميم: أي لا تظلمون، لا يلحقكم ضيم، أي ظلم في هذا، ومنع الرؤية. متيسرة وسهلة وواضحة، لا أحد يلحقه ضرر فلا يرى كما يرى غيره، وإنما أهل الإيمان جميعا يرون الله جل وعلا رؤية واضحة سهلة، لا صعوبة فيها، ولا يلحق ناظرها مشقة ولا ضيم ولا ضرر. وفي لفظ: «لا تضارون في رؤيته» أي لا يلحقكم ضرر. فهذا الحديث فيه بيان لما اعتقده أهل السنة والجماعة من رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة. ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة». كان عليه الصلاة والسلام يدعو بهذا الدعاء العظيم. وأهل البدع قد خالفوا أهل السنة والجماعة في هذا المعتقد. فمنهم الخوارج، ومنهم المعتزلة، ومنهم الجهمية، ومنهم الأشاعرة. وإن كانوا يقولون كما يقول أهل السنة والجماعة: إن الله جل وعلا يرى يوم القيامة، لكنهم لا يثبتون رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة كما يثبتها أهل السنة والجماعة. فإن أهل السنة والجماعة يثبتون رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة بالعينين، أي أن أهل الإيمان يرون الله جل وعلا بأعينهم. أما الأشاعرة فإنهم يقولون: يرونه ببصيرتهم، ببصيرتهم، ويقولون: يرونه لا إلى جهة، ومنهم من يقول: يرونه من جميع الجهات. وكل هذا ضلال وباطل. حتى أن المعتزلة قد رد عليهم، ولذلك طائفة من الأشاعرة رجعت إلى قول المعتزلة فنفت الرؤية، لما رأوا من صحة إلزام المعتزلة لهم بما يلزمهم: إما أن يثبتوا رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة بالعينين، وإما أن ينفوا رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة. وأما أن يقول: إنه جل وعلا يرى بالبصيرة، أو يرى من جميع الجهات، أو غير ذلك، فكل هذا ما يخالف ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. إذا كنا لا نرى الله جل وعلا في الدنيا، كما سمعتم، معتقد أهل السنة والجماعة أن الله جل وعلا لا يرى في الدنيا، وإنما يرى في الآخرة. لماذا؟ لأن أبصارنا لا قدرة لها، ولا تستطيع، ولا تستطيع أن تتحمل رؤية الله جل وعلا في الدنيا. ولكن في الآخرة، الله جل وعلا ينعم على أهل الإيمان بقوة عظيمة، فتكون عندهم القوة في أبصارهم، كما تكون عندهم القوة في أجسادهم وفي جوارحهم. فحينئذ يستطيعون النظر إلى الله جل وعلا. كما سمعتم: هذا موسى كليم الله عليه الصلاة والسلام قد طلب من الله جل وعلا رؤيته في الدنيا، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم على لسان موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾. قال جل وعلا: ﴿لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾. فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا، وخر موسى صعقًا. ربنا عز وجل أجاب موسى عليه السلام بقوله: ﴿لَن تَرَانِي﴾، أي في الدنيا، ولن تستطيع. هذا الجبل الصلب القوي العظيم لا يستطيع أن يتحمل رؤيتي، فكيف بك أنت يا موسى؟ هل أنت أعظم من هذا الجبل تستطيع أن تتحمل رؤية إذا تجليت لك؟ فانظر للجبل. كان جل وعلا يقول: أنا سأتجلى لهذا الجبل، وانظر ماذا يكون من هذا الجبل. فما الذي حصل؟ هذا الجبل: ﴿إِذْ هُدَّ﴾، فما استطاع أن يتحمل رؤية رب العالمين جل وعلا. وقد جاوبت الأذان، ونواصل بعد الأذان إن شاء الله. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: ثبت عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن رجل من الصحابة، ولا تضر جهالة الصحابي، الصحابي ففي هذا الحديث عن رجل، وجاء بحاجة آخر تسمية صحابي آخر،عله عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا». «اعلموا» في لغض: تعلموا. أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا. كما سمعتم بكلمة الشيخ أبي العباس، حفظه الله، في رد على الزنادقة الذين يدعون أنهم يرون الله جل وعلا، وأنه يتجلى لهم تبارك وتعالى إذا خلوا في خلوات، وأتوا بأذكار يزعمون أنهم خصوا بها، وليست من أذكار القرآن ولا من أذكار السنة. وبعد ذلك يزعمون أن الله جل وعلا يكشف لهم الحجاب. وقام ما ذكر أبو حامد الغزالي رحمه الله، وهذا مما كان منه من شطحات، ولكن ذكر أنه قد رجع آخر حياته. لكن هذا قد ذكر في بعض كتبه ما يسمى بمقدمات المجاهدة: «ونجاهد أنفسنا بأذكار يأتون بها، قال: حتى تتجلّى لهم جلال الحضرة الربوبية». وجاء في بعض أشعار بعضهم كما قالت القائلة: «أحبك حبين: حب الهوى، وحبا لأنك أهل لذاك. فأما حب الهوى فشغلي بذكرك عما سواك. وأما الحب الذي أنت أهل له فكشفك لي الحجب حتى أراك». يزعمون الله جل وعلا يكشف لهم الحجاب، وأن هذا الحب الذي يحبونه يحبون الله عز وجل وهو أهل له تبارك وتعالى. وهذه إنما هي زندقة. وبعد ذلك يقول قائلهم: «سبحاني، سبحاني، ما أعظم شاني». وآد يقول: «ما في الجبة إلا الله» إلى آخر ذلك ما يأتون به. ويزعمون أنهم حين يصلون إلى فناء في الله تبارك وتعالى، هذا الفناء الذي يزعمون هو أنهم يصلون إلى حال لا يستحضرون معه شيئًا، حتى لا يستحضرون أنفسهم، ولا يعلمون في أي مكان هم. فنوعًا كل مخلوق إلى الخالق كما يزعمون. الفناء مثل ماذا؟ اليوم يعبر: مثل خارج نطاق التغطية. خارج نطاق التغطية، خارج نطاق ما فيه، ما فيه تغطية أبدًا، قد خرج عن نطاق التغطية. هذا هو الفناء عند هؤلاء يزعمون. هم يعني لا يشعرون بشيء، وليس داخل العالم ولا خارج العالم، ولا إلى آخر ذلك من هذه الشطحات. وذلك يقولون: «فنينا وسكرنا في الحب الإلهي، سكرنا في الحب الإلهي». وما أسكر القوم إلا القصاع، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. فالله جل وعلا لا يرى في الدنيا. لو كان يرى جل وعلا في الدنيا لأجاب موسى عليه السلام، كليم الله، قد طلب ذلك. فهل هؤلاء أفضل من موسى عليه السلام؟ هؤلاء أهل الفناء، أهل البدع، هؤلاء أهل الضلال، هم أفضل من موسى عليه السلام؟ الله جل وعلا جعلهم يرونه، وموسى عليه الصلاة والسلام كليم الله، أحد أولي العزم من الرسل، قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، وخط له التوراة بيده، لا يمكنه الله جل وعلا من رؤيته. نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء، خاتم الأنبياء والرسل، سئل ليلة المعراج كما جاء في صحيح مسلم حديث أبي ذر، قال له: «هل رأيت ربك يا رسول الله؟ هل رأيت ربك؟» قال عليه الصلاة والسلام: «نور، أنى أراه؟» قال عليه الصلاة والسلام في لفظة الآخر: «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه من انتهى إليه بصره من خلقه». فالله جل وعلا عليه الحجاب، سبحانه وتعالى. في لفظ قال عليه الصلاة والسلام: «رأيت نورًا». فالله جل وعلا يوم القيامة يكشف عن وجهه هذا الحجاب. فالنبي عليه الصلاة والسلام يخبر أن الله جل وعلا حجابه النور، لو كشف هذا الحجاب وكشفه الله جل وعلا لأحرقت سبحات وجهه تبارك وتعالى من انتهى إليه بصره من خلقه. لن يبقى شيء من مخلوق، لتحترق كل شيء. لكنه سبحانه وتعالى الرحيم جل وعلا جعل هذا الحجاب على وجهه، فلا يكشفه إلا يوم القيامة، تبارك وتعالى. فموسى عليه الصلاة والسلام، ونبينا صلى الله عليه وسلم، وكل الرسل لم يروا الله جل وعلا في الدنيا. فيأتي هؤلاء ويزعمون أنهم يرون الله جل وعلا يوم القيامة. ما جعل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، بصحيح مسلم، أنه قال: «رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه بفؤاده». بفؤاده: أي ببصيرته. رؤية الفؤاد، رؤية البصيرة، لا رؤية البصر. والنبي عليه الصلاة والسلام قد أخبر أنه قد رأى ربه جل وعلا في أحسن صورة، قال عليه الصلاة والسلام: «رأيت ربي في أحسن صورة». هذه الرؤية ليست رؤية بالبصر، ليست رؤية بصرية، وإنما هي رؤية بالبصيرة وبالفؤاد. وما جاء عن عباس أنه قال: «بعينيه» فهو ضعيف، فهو ضعيف لم يثبت. ولما سئلت عائشة رضي الله تعالى عنها: «أرأى المؤمنون هل رأى رسول الله عليه الصلاة والسلام ربه ليلة عرج به؟» فقالت رضي الله تعالى عنها: «قد قف شعري، قد قف شعري مما قلت. من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم