الخطبة بعنوان تحذير المعاند من بدعة الموالد، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر بتاريخ 7 ربيع الآخر 1445هـ الموافق 22 سبتمبر 2023م ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
تؤكد الخطبة أن الله بعث النبي محمداً رحمة للعالمين وجعل طاعته طاعة لله، وأن محبة الله تتحقق باتباع سنته. تحذر من مخالفة أمره ومن الابتداع في الدين، مستشهدة بآيات قرآنية وأحاديث صحيحة تبين أن من أطاع الرسول دخل الجنة ومن عصاه فقد أبى.
يحذر النص من الابتداع في الدين مستدلاً بأحاديث النبوية وأقوال الصحابة، مبيناً أن كل بدعة ضلالة وتؤدي إلى هلاك الأمة. ويوضح أن إحياء البدع يميت السنن ويجر إلى الفرقة والقتال مع أعداء الإسلام.
يستعرض الخطيب أقوال الأئمة الأربعة في ذم البدع والتحذير منها، مبيناً أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة أحدثها الباطنية الفاطميون في القرن الرابع الهجري. وينفي حضور النبي صلى الله عليه وسلم هذه الموالد معتبراً ذلك كذباً ودجلاً، ويؤكد أن المحبة الحقيقية تكون بالاتباع لا بالابتداع.
يدعو الخطيب الله أن يطهر بلاد المسلمين من الشرك والمشركين والبدع، ويطلب إحياء السنن وإهلاك البدع ونصرة الإسلام وإذلال أعداء الدين. ويذكر آية تأمر بالعدل والإحسان وتنهي عن الفحشاء والمنكر، ويحث على ذكر الله وشكره.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أشهد بأنه قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، ما من خير إلا ودل أمته عليه، وما من شر إلا وحذر أمته منه، ترك الأمة على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون عباد الله، إن من أعظم منن المنان جل وعلا على الأمم جميعا بعامة، وعلى أمة النبي العدنان الأمة المحمدية بخاصة، أن بعث الله عز وجل نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، فأخرج الله به الناس من ظلمات الشرك والجاهلية إلى نور التوحيد والإسلام والعلم، فتح الله عز وجل به قلوبا غلفا وآذانا صما وأعيناً عميا، أرسله الله عز وجل بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أرسله الله عز وجل رحمة للعالمين ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾، ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾، ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾. وصفه الله عز وجل بصفات عظيمة، قال سبحانه: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾. أمر الله عز وجل بطاعته، وجعل طاعته عليه الصلاة والسلام من طاعته جل وعلا، قال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾، وقال سبحانه: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾. جعل الله عز وجل طاعته سبيل الهداية والفوز والنجاح والفلاح في الدنيا والآخرة، قال سبحانه: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾، وقال سبحانه: ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾. أمر الله عز وجل بمتابعته، وجعل متابعته عليه الصلاة والسلام ميزان محبته جل وعلا، قال سبحانه في كتابه الكريم مبينا ذلك: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. وهذه الآية سماها أهل العلم بآية المحنة، التي امتحن الله عز وجل بها العباد الذين يدعون محبته جل وعلا رسوله صلى الله عليه وسلم، فجعل الميزان والبرهان على صدق هذه المحبة اتباعه عليه الصلاة والسلام. قال عز وجل: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾. حذر الله عز وجل من مخالفته عليه الصلاة والسلام ومن مشاققته عليه الصلاة والسلام، قال عز وجل: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾، وقال عز وجل: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾. وأمر النبي عليه الصلاة والسلام باتباعه وحذر من مخالفته عليه الصلاة والسلام، وبيّن أنه قد أكمل هذا الدين، قال عز وجل: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾. وقال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته إلى خير ما يعلمه لهم وأن يذرهم شر ما يعلمه لهم». وقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم يدخل الجنة إلا من أبى»، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى». رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وحذر عليه الصلاة والسلام من الابتداء في الدين والإحداث فيه، روى الإمامان البخاري ومسلم رحمة الله عليهما من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قال عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». وفي رواية مسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». وفي مسلم أيضا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: «لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض». وقال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: «ما أمرتكم به من أمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه». وفي حديث أنس من مالك في البخاري ومسلم قال عليه الصلاة والسلام لما بلغته ما قالت النفر الثلاثة الذين قال أحدهم: أما أنا فأقوم ولا أنام، وقال الثاني: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء، وفي لفظ: لا آكل اللحم، قال عليه الصلاة والسلام: «أما أنا فأقوم وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني، فمن رغب عن سنتي فليس مني». وهكذا حذر السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين وتابعيهم بإحسان من الابتداع والإحداث في الدين. هذا عبد الله بن مسعود حبر من أحبار هذه الأمة رضي الله عنه يقول: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم». وقال رضي الله عنه: «الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة». وبدعة: الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة. ودخل المسجد حين أخبره أبو موسى الأشعري كما عند الدارمي وغيره عن الحلقة التي كان أصحابها يسبحون ويكبرون ويهللون، وعندهم حصى يكبرون بها مئة ويسبحون مئة ويهللون مئة، فوقف على إحدى تلك الحلق فقال: «ما أسرع هلكتكم يا أمة محمد، هذه ثياب نبيكم لم تبلَ بعد، وهذه آنيته لم تكسر». قالوا: يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير. بدعة حسنة، هذا معنى كلامهم: يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، أي هذه بدعة حسنة. فقال رضي الله عنه: «وكم من مريد للخير لم يدركه». ثم حدثهم بحديث رسول الله عن أقوام يقرؤون القرآن لا يتجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. ثم قال لهم: «إنكم لعلى طريقين، إما أنكم على ملة هي أهدى من ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما أنكم مفتتحوا باب ضلالة، ستفتحون للناس باب الضلالات وباب البدع وباب المحدثات بأذكاركم هذه التي تفعلونها، وإن كانت تسبيحا، وإن كانت تهليلا، وإن كانت تحميدا، وإن كانت تكبيرا، لأنها على غير هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ما علمنا رسول الله عليه الصلاة والسلام تحميد الله وتسبيح الله وتهليل الله وتكبير الله بهذه الطريقة وغيرها من الطرق المبتدعة المحدثة». ثم قال: «وقد أخبر عليه الصلاة والسلام بأن قوما الحديث، ولعل أكثرهم منكم». قال عمر بن سلمة راوي الحديث: «رأينا عامة تلك الحلقة، هذه الحلقة الذين يسبحون ويكبرون ويهللون ويذكرون، يطاعنوننا يوم نهروان مع الخوارج، خرجوا على أمة الإسلام بسبب البدع، بسبب المحدثات». فإن البدع في دين الله والإحداث في دين الله عز وجل من أعظم أسباب المروق عن الإسلام، وربما المروق عن السنة والجماعة، والقتال مع أعداء الإسلام، والقتال مع أعداء أهل الإسلام، ومع أهل البدع ضد المسلمين وضد أهل السنة والجماعة. والواقع خير شاهد، انظروا إلى أهل البدع من الرافضة والشيعة الذين أحدثوا البدع والمحدثات في يوم عاشوراء عند قبر الحسين الذي يزعمونه في كربلاء، كم يحصل من البدع والمحدثات، ثم انظروا كيف هم يقاتلون مع أعداء الإسلام ضد أهل الإسلام وضد أهل السنة. من الذي فتح لتتر بلاد الإسلام في بلاد العراق العريقة إلا الرافضة؟ فقضوا على آخر ولايات أهل الإسلام ودول أهل الإسلام الدولة العباسية. ويقول حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما: «أي عبادة لم يتعبد أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام فلا تعبدوها». وقال عبد الله بن عمر: «واسمع يا من تقول بدعة حسنة، حسنة، اسمع إلى كلام الصحابي عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما وهو يقول: كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن رآها الناس حسنة، كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة». وقد قال هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه عند أهل السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «فإن من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». وفي خطبة الحاجة استحلفها مسلم عن جابر أنه عليه الصلاة والسلام كان دائما يقول في خطبة الحاجة: «إن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة». هذا عبد الله بن عباس رضي الله عنه ما يقول؟ ما يأتي على الناس زمان أحدثوا فيه بدعة إلا أماتوا فيه سنة، حتى تحيى البدع وتموت السنن. إحياء البدع سبب لموات السنن. انظروا للبدع طافحة: البدع في الأذكار، البدع في الموالد، البدع في كذا وكذا، البدع ظاهرة، أين السنن الظاهرة عند المسلمين؟ ماذا أظهروا من سنن سيد المرسلين؟ وإنما نجد البدع طافحة ظاهرة، يدعو الناس الناس إليها ويحرصون على إقامتها، وتبذل الأموال وتنشر عبر شتى الوسائل. أين إظهار السنن؟ سنن النبي عليه الصلاة والسلام، كم من سنن هجرت، كم من سنن ماتت، كما قال عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما. ما سبب إماتتها؟ ما سبب هجرانها؟ إنها من شؤم البدع والمحدثات، ومن شؤم المبتدعين والمحدثين، هم الذين أماتوا السنن بسبب إحداثهم، بسبب ابتداعهم في دين الله عز وجل. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين أبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحابته الغر الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. عباد الله، ويقول الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: «عليك بالآثار وطريقة السلف، وإياك والمحدثات، فإن كل محدثة بدعة». ويقول الإمام مالك رحمه الله تعالى إمام دار الهجرة: «من زعم... اسمع يا من تقول في الدين بدعة حسنة، اسمع إلى كلام إمام دار الهجرة الإمام مالك رحمه الله تعالى، يقول: من زعم أن في الدين بدعة حسنة فقد اتهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيانة، ألم تسمع إلى قوله عز وجل: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾؟ فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا، ما لم يكن يومئذ دينا، أي في حياته عليه الصلاة والسلام، فلا يكون اليوم دينا. الدين هو الذي كان عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام، أما ما لم يكن على هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام فليس من الدين، إنما هو من دين إبليس، ومن دين الشياطين، ومن دين المبتدعين المحدثين، ليس من دين الله ولا من دين سيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم». ويقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: «من استحسن فقد شرع». شرع، اسمع يا من تقول بالبدعة الحسنة والاستحسان في الدين، اسمع إلى كلام الإمام الشافعي رحمه الله وتعالى، يقول: «المستحسن مشرع في دين الله عز وجل، أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله»؟ فالمحدثون للبدع والمحدثات مشرعون في دين الله عز وجل، شاركوا الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام في التشريع بما أحدثوه من البدع والمحدثات. ومن ذلك إحياء الموالد، الاحتفال بالمولد النبوي، الذي للأسف أن أكثر الناس اليوم يحتفلون به إلا من رحم الله، وليست العبرة بالكثرة، إذا جعلناها ميزانا فهي للذنوب أقرب، ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾. لكن الكثرة ليست ميزانا ولا القلة، الميزان هو الاتباع لكتاب الله ولرسوله عليه الصلاة والسلام ولهدي السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم أجمعين، هذا هو الميزان وهذا هو البرهان. فإن ما أحدث عباد الله من هذه البدع والمحدثات، من ذلك الاحتفال بالمولد النبوي، ليعلم أولا أن أول من أحدث الاحتفال بالمولد النبوي هم الباطنيون القرامطة الذين ملكوا بلاد مصر والمغرب في القرن الرابع الهجري، بعد انقضاء القرون الثلاثة المفضلة التي أثنى النبي صلى الله عليه وسلم عليها وعلى أهلها كما في الصحيحين وغيرهما عن ابن مسعود وعمرو بن العاص وغيرهم. ظهروا بهذه البدعة أولا، هم من المجوس، انتسبوا إلى أهل البيت كذبا وزورا، بنو عبيد القداح، هذا القداح انتسب إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، مع أن محمد بن إسماعيل لم تكن له ذرية ولم يولد له ولد أصلا، ولذلك كذبه المؤرخون والنسابون في ذلك الزمان، وبينوا بطلان انتساب بني عبيد القداح الذين سموا أنفسهم بالفاطميين، وأنهم ليسوا من آل البيت، ولم يذكرهم السيوطي رحمه الله في كتابه تاريخ الخلفاء، فإنما هم من المجوس، لبسوا لباس أهل البيت لأنهم يعلمون الناس يحبون آل البيت ويجلونهم قرابة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فأحدثوا البدع والمحدثات، ما يمضي شهر في ذلك الزمان إلا ولهم بدع ومحدثات، يسبون الصحابة، قتلوا قرابة أربعة آلاف من علماء الإسلام ومن دعاة الإسلام، يسبون أمهات المؤمنين، ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتعالى وغيره من أهل العلم. ثم انتشرت هذه البدعة، الاحتفال بالمولد النبوي، في القرن السادس في بلاد الموصل، أحيا هذه البدعة ملك إربل، ثم انتشرت إلى بلاد الإسلام، هذه البدعة ولا زالت إلى يومنا هذا، ويصر المقيمون لها عليها مع هذه النصوص الواضحة التي سمعتم الظاهرة من كتاب الله ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام ومن أقوال الصحابة والتابعين، التي خلاصتها الأمر بالاتباع وحذر من الإحداث والابتداء. ثم إن هذه الموالد فيها من المفاسد: يعتقدون حضور الرسول عليه الصلاة والسلام، ولذلك يقومون في وسط المولد: مرحبا مرحبا، جد الحسين، مرحبا مرحبا مرحبا بالرسول، مرحبا ومن معه، ومرحبا لمن جاء معه، والوصول يعني والوفد المرافق له. وهكذا الرافضي في يوم كربلاء يعتقدون حضور الأنبياء جميعا إلى كربلاء عند قبر الحسين. وأما في موالد النساء فتقول أحد الهاشميات: من لم تكن من... ليست هاشمية فتغطي رأسها، من ليست هاشمية تغطي رأسها لأن الرسول سيحضر حتى لا يراها كاشفة رأسها. سبحان الله، الرسول في قبره عليه الصلاة والسلام في المدينة، يحضر هذه الموالد؟ ما هذا الكذب، ما هذا الافتراء، ما هذا الدجل، ما هذا الضحك على عقول الناس وعلى مشاعر الناس؟ أليس فيكم رجل رشيد؟ ألا تستحيون من قول هذا الكلام؟ أما تخافون الله عز وجل؟ أما تعظمون شعائر الله؟ كفاكم، كفاكم. بحجة... بل وفي بعض المساجد القرع بالطبول، بل وتطور الأمر إلى العزف بالمزامير وإلى آخر ذلك، والإتيان بالحلوى والحمص، حتى صار مثلاً عند المصريين: إذا لم يستفد من شيء يقول: خرجنا من المولد بلا حمص. فاتقوا الله يا عباد الله، يا عباد الله، يا من أحدثتم في دين الله عز وجل، سواء كان في العقائد كالخوارج والمعتزلة والجهمية والمرجئة والقدرية والجبرية، أو أحدثتم في العبادات في الأذان أو في الطهارة أو في الصلاة، أو بإحياء الموالد أو الإسراء والمعراج أو غيرها من البدع والمحدثات، اتقوا الله في دين الله وفي المسلمين، إذا كنتم محبين حقا لله ورسوله فالمحبة بالاتباع لا بالابتداء. نسأل الله عز وجل أن يطهر بلاد المسلمين من الشرك والمشركين، ومن البدع والمبتدعين والمحدثين، اللهم أحيي السنن وأهلك البدع، اللهم أحيي السنن وأهلك البدع، اللهم أنصر الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، أعداءك أعداء الدين. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.