الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 60، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يبين المقطع النهي النبوي الشديد عن إطلاق لقب "سيد" على المنافقين والفاسقين والمبتدعة والكفار، مستدلاً بحديث بريدة بن الحصيب، وموضحاً أن تعظيم أهل الباطل يُسخط الله ويغرّ غيرهم. ويمتد هذا النهي ليشمل الكفار من السياسيين والإعلاميين والرياضيين وغيرهم ممن لا يستحقون هذا اللقب الشرفي.
يستعرض المقطع موقف الحسن بن علي رضي الله عنه في تنازله عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان تحقيقاً لوصية النبي صلى الله عليه وسلم بأنه "سيد" يصلح بين فئتين عظيمتين، فسمي عام 40 هـ عام الجماعة. كما يذكر سبب نزول بني قريظة على حكم سعد بن معاذ لكونه سيد الأوس وحليفهم، مبيناً الفرق بين السيادة الشرعية والسيادة الباطلة.
يتناول المقطع النهي عن سب الحمى لكونها تكفر خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد، مؤكداً أن الأمراض ابتلاءات قدرية تكفر السيئات وترفع الدرجات. ويبرز صبر السلف الصالح على الحمى واحتسابهم الأجر عند الله رغم شدة المرض، مع التأكيد على أن الأصل طلب العافية لكن الصبر على البلاء يجلب الخير والنعيم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأمور المنهي عنها من رياض الصالحين: قال رحمه الله تعالى: «باب النهي عن مخاطبة الفاسق والمبتدع ونحوهما بسيدٍ ونحوه». والسيد يأتي في لغة العرب ويراد به من ساد غيره، ساد قومه وارتفع قدره عندهم. وهكذا أيضًا يطلق على الزعيم والرجل الفاضل، وهكذا أيضًا يطلق على الحليم الذي يضبط غضبه، وهكذا أيضًا يطلق على الرجل الكريم، وهكذا يطلق على المالك. وهكذا أيضًا في لغة العرب جاء السيد ويراد به الزوج. ويجمع ذلك كله أن من فاق غيره وارتفع بين قومه فإنه يقال له سيد. والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن مخاطبة الفساق وهكذا المبتدعة ونحوهما ممن لا يجوز رفعهم، ولا يجوز إجلالهم بسبب هذه المنابذة التي وقعت منهم لكتاب الله عز وجل، وهكذا لسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال رحمه الله تعالى: قال عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقول للمنافق سيد، فإنه إن يك سيدًا فقد أسخطتم ربكم عز وجل». رواه أبو داود بإسناد صحيح. وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تقول للمنافق يا للمنافق سيد»، وهذا نهي منه عليه الصلاة والسلام. فالمنافق الذي يظهر الخير ويبطن الشر، يظهر الإيمان ويبطن الكفر، فمثله لا يشاد به ولا يعظم أمره، وإنما يكون حقه الاحتقار وهكذا الامتهان، فهذا الذي يليق به. وقوله عليه الصلاة والسلام: «فإنه إن يك سيدًا»، أي: إن كان مرتفع القدر عالي المنزلة، قال: «فقد أسخطتم ربكم عز وجل». وأسخطتم أي أغضبتم ربكم عز وجل بتعظيمكم لمن هو منابذ لأمر الله عز وجل وخارج عن طاعته سبحانه وتعالى. وهذا الحديث فيه النهي عن تعظيم أهل الباطل، وأنه لا يشاد بهم؛ لأن الإشادة بهم تعتبر إنعاشًا لباطلهم، وهكذا تغريرًا للآخرين بأن ينخدعوا بما عندهم من النفاق، وهكذا ما عندهم من البدع وغيرها من المخالفات. ناهيك عما إذا كان من يدعى بسيد قد يكون يهوديًا أو نصرانيًا أو بوذيًا أو شيوعيًا إلى غير ذلك، وهذه من الظواهر المنتشرة في أوساط الكثير، أنه يقال لبعض الكفار: السيد فلان، السيد فلان. قد يكون سياسيًا، وقد يكون إعلاميًا، وقد يكون من أهل الاقتصاد وأرباب الأموال، قد يكون رياضيًا، فلا يجوز إطلاق لفظ السيد عليه. كذلك أيضًا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جاء عنه إطلاق السيد لكن على أهل الخير وأهل الإيمان والعلم والفضل، كما في حديث أبي بكرة الثقفي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ابنه الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». ولما كانت الحرب والقتال بين أهل الشام ويقودهم الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان، وبين أهل العراق ويقودهم الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ولجأ الفريقان إلى التحكيم، وخرج الخوارج وعقدوا وبيتوا على قتل الصحابة، أي الخوارج، وقتل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وهو خارج لصلاة الفجر، فبايع الناس ابنه الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، واستمرت خلافة الحسن بضعة أشهر. فجاء أبو بكرة رضي الله تعالى عنه وذكر الحسن بذلك، فقال: «يا حسن، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن ابني هذا سيد» - ويشير إلى الحسن - «ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». ما أن سمع الحسن ذلك إلا وتنازل بالخلافة لمعاوية، لعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. وتنازل الحسن بالخلافة لمعاوية رضي الله تعالى عنهما، فاجتمعت كلمة المسلمين على معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، فسمي ذلك العام عام أربعين من الهجرة، سمي بعام الجماعة، سمي بعام الجماعة. ولم يرتض ذلك أهل الفتن، فعاتبوا الحسن، قالوا: يا حسن، يا حسن، النار ولا العار؟ ما يقول الناس يوم أن تتنازل لمعاوية بعد معارك صفين وغيرها؟ قالوا: النار ولا العار. فقال الحسن رضي الله تعالى عنه: بل العار ولا النار، العار ولا النار. وهكذا أيضًا في قصة غزوة بني قريظة، لما نزل يهود بني قريظة على حكم سعد، سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه. ولماذا نزلوا على حكم سعد؟ لماذا ارتضوا سعدًا ولم يذكروا غيره؟ ما هو السبب؟ نعم يا با عبد الله، نعم أحسنت. اليهود ثلاث قبائل بالمدينة: بنو النضير، وبنو قينقاع، وكانوا حلفاء للخزرج. ولما حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم شفع فيهم عبد الله بن أبي بن سلول، وكان من سادات الخزرج، وكان الخزرج حلفاء لهم. فلما كان يوم بني قريظة وحاصرهم المسلمون، نزلوا على حكم سعد بن معاذ، سيد الأوس، سيد الأوس، وكان الأوس حلفاء لهم. فأتي بسعد، كان جريحًا وكان يمرض في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. أتي بسعد، فقال سعد: «أنا لسعد، ألا تأخذه في الله لومة لائم». فلما وصل إلى ديار بني قريظة قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: «قوموا إلى سيدكم». قوموا إلى سيدكم، أي فأنزلوه، فأنزلوه. وماذا؟ سعد بن معاذ ساد الأنصار والأوس، فحكم في بني قريظة بأن تقتل المقاتلة، أي واحد بالغ هذا يقتل، والنساء والصبيان دون البلوغ هؤلاء يكونوا سبيًا وعبيدًا للمسلمين. قطع في ذلكم اليوم رأس أكثر من سبعمائة يهودي من الخونة وأهل الغدر والمكر من بني قريظة. فيجوز إطلاق السيد على من ساد قومه، ولا سيما إذا كان من أهل الإيمان والعلم والفضل والمروءة، ولا يجوز إطلاقه على أهل الفسق وهكذا البدع والجرائم، فضلًا عن من كان من أهل الكفر. والسيد اسم من أسماء الله عز وجل، السيد الله، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. ومن معاني اسم الله الرب، من معانيها السيد، أي المالك، وهكذا المتصرف، وهكذا المتصرف. قال رحمه الله تعالى: قال: «باب كراهة سب الحمى». قال عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم السائب أو أم المسيب، والمشهور هو أم السائب. قال: فقال: «ما لك يا أم السائب أو يا أم المسيب تزفزفين؟». ومعنى تزفزفين: أي تتحركين حركة سريعة كالذي يرتعد ويرتعش. فقالت: الحمى، لا بارك الله فيها. الحمى أي هي سبب هذه الرعدة والارتجاف. والحمى كما هو معلوم، آه، ماذا يعني من الأمراض التي تصيب الجسم بالحرارة. قالت: الحمى، لا بارك الله فيها. فقال أي النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسب الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد». رواه مسلم. قالت: تزفزفين، أي تتحركين حركة سريعة، ومعناه ترتعد، قال: وهو بضم التاء وبالزاي المكررة: تزفزفين، قال: والفاء المكررة. قال: وروي أيضًا بياء الراء المكررة والقافين، يعني: ترفقِيقين، بياءين وقافين وراءين. وقوله عليه الصلاة والسلام هاهنا: «لا تسب الحمى»، هذا فيه النهي عن سب شيء مما يقرب إلى الله تبارك وتعالى، وإن كان فيه شيء من المشقة، فهي من الأمراض والابتلاءات التي يحصل بسببها تكفير الخطايا وكثرة الحسنات، وهكذا رفعة الدرجات. «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وولده» قال: «حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة». قال عليه الصلاة والسلام: «ما يصيب المسلم من نصب، أي تعب، ولا وصب، أي مرض، ولا هم، ولا غم، ولا أذى، ولا حزن» - هذه ستة أشياء - «حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه، إلا كفر الله بها من خطاياه». وكان عليه الصلاة والسلام يقول: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط». إذن لا يجوز يا إخوان سب هذه الأمور التي هي من قدر الله عز وجل، ومتى ما صبر عليها المسلم نال الخير في الدنيا، وهكذا النعيم في الآخرة. لا يجوز؛ لأن ذلك يعتبر من أبواب التسخط وعدم الرضا بما قدر سبحانه وتعالى. ولهذا كان بعض السلف كأبي بن كعب وغيره كانوا ماذا؟ أو ورد عنهم أنهم كانوا يدعون بالحمى، فما يُرى أحدهم إلا محمومًا، إلا محمومًا، إلا إذا كان عند صلاة أو في جهاد. وهذا من باب الرغبة في الخير، مع أن الأصل هو سؤال الله عز وجل العافية والسلامة من هذه الآفات وهذه الأمراض. لكن متى ما ابتلي بها العبد وجب عليه أن يصبر وأن يحتسب الأجر عند الله تبارك وتعالى. طيب، إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.