الدرس في شرح بواعث الخلاص من الذنوب 10، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول هذا المحور الباعث الخامس عشر للخلاص من الذنوب وهو التفكر في زوال الدنيا وسرعة انقضائها، مستشهداً بآيات قرآنية تحذر من الاغترار بالحياة الدنيا. ويؤكد أن من يركن إلى الدنيا ويهمل التزود للآخرة يكون من أعظم الخاسرين.
يسلط الضوء على زهد النبي ﷺ في الدنيا من خلال تواضعه في فراشه ومثل الراكب المستظل بالشجرة، داعياً المسلم للسعي لأعلى المراتب. ويستند إلى وصية جبريل للنبي بأن يعيش ما شاء فإنه ميت، ويحب من شاء فإنه مفارقه، ويعمل ما شاء فإنه مجزي به.
يستعرض مواعظ متعددة تحذر من الاغترار بالدنيا عبر قصص الخليفة العباسي وأبي العتاهية وابن الجوزي وابن رجب. ويؤكد وصية النبي ﷺ بأن يكون المسلم كغريب أو عابر سبيل مستدعياً الاستعداد للموت والابتعاد عن المعاصي.
يختتم المتحدث بالدعاء إلى الله أن يوفقهم لما يرضيه ويحفظ دينهم ولا يجعل الدنيا أكبر همهم. ويطلب الجنة داراً وقراراً مع الصلاة على النبي محمد والثناء على الله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمواصلة أيها الأحبة في الله مع بواعث الخلاص من الذنوب، وقد سبق معنا مذاكرة ثلاثة من هذه البواعث في درسي البارحة، فأخذنا ثلاثة من هذه البواعث: أولها... أولها... نعم، أحسنت، ما يتعلق بكف الباطل عن حديث النفس، ومعنى ذلك محاربة الخواطر التي تعرض على النفس، وهي خواطر باطلة، وهي خواطر باطلة، كذلك أيضاً. نعم، أحسنت: قطع العلائق والأسباب التي تدعوه إلى موافقة الهوى، الهوى، موافقة الهوى، ونحن مأمورون بأن يكون هوى كل منا موافقاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان الحديث لا يصح: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به»، الحديث لا يصح لكن المعنى صحيح. والباعث الثالث... نعم، أحسنت: هو التفكر، أو صرف الفكر إلى عجائب آيات الله عز وجل التي ندب أي دعا عباده إلى التفكر فيها، والتفكر في آيات الله عز وجل يعتبر من العبادات التي أمر الله عز وجل بها. قال رحمه الله تعالى: «قال: الخامس عشر: التفكر في الدنيا وسرعة زوالها وقرب قضائها، فلا يرضى لنفسه أن يتزود منها إلى دار بقائه وخلوده أخس ما فيها وأقله نفعاً إلا ساقط الهمة، دنيء المرؤة، ميت القلب، فإن حسرته تشتد إذا عاين حقيقة ما تزوده». ومتى يعاين يا إخوان حقيقة ما تزوده الشخص من هذه الدنيا؟ متى يرى البضاعة التي سيخرج بها من هذه الدنيا؟ نعم، يا أبا عبد الرحمن: ﴿عند الموت لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد﴾. وهكذا قوله عز وجل: ﴿ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر * كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون﴾ الآيات. قال: «وتبين له عدم نفعه له، فكيف إذا كان ترك تزود ما ينفعه إلى زاد يعذب به ويناله بسببه غاية الألم؟ بل إذا تزود ما ينفعه وترك ما هو أنفع منه كان حسرة عليه». وهذا الباعث يا إخوان من بواعث الخلاص من الذنوب، هو أن يتفكر الواحد منا في هذه الدنيا وسرعة زوالها، سرعة زوالها، وهكذا كثرت تغيرها، وهكذا كثرت تغيرها، فهذه الدنيا مما عيبت به ذلك: سرعة الزوال، وكثرة التغيرات التي تقع فيها، ولهذا ليست بدار قرار، وليست بدار إقامة أبدية، ولا حياة سرمدية، وإنما هي مدة من الزمن سرعانا ما تنقضي. وربنا عز وجل يقول: ﴿وفرّحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور﴾. ومن يا إخوان أكثر حسرة وأكثر انخداعاً بمن يركن إلى هذه الدنيا وينشغل بعمارتها، وينشغل بلذاتها وشهواتها عن عمارة الآخرة والتزود للرحيل إلى الله تبارك وتعالى؟ فهذا يا إخوان يعتبر من أعظم الخسران، يعتبر من أعظم الخسران. ولهذا ذكر رحمه الله تعالى ذكر هنا أن المسلم العاقل لا يرضى لنفسه أن يتزود منها، أي من الدنيا، إلى دار البقاء والخلود إلا أحسن ما فيها، ولا يرضى بأخس ما فيها، ولا يرضى بأخس ما فيها، ولا ما هو نفعه قليل، ولا ما هو نفعه قليل، فلا يرضى بذلك إلا من كانت همته ساقطة، من كانت همته ساقطة، ومرؤته دنية، وقلبه ميت، وقلبه ميت. ولهذا يا إخوان، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال الله له: ﴿وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾. النبي صلى الله عليه وسلم كان فراشه مصنوعاً من الأدم، ما هو الأدم معنا يا أبا يحيى؟ ما هو الأدم؟ فراش النبي صلى الله عليه وسلم مصنوع من الأدم، أي حشوه ليف، حشوه ليف. نعم، يا أبا عبدالعزيز: فراش النبي صلى الله عليه وسلم كان من الأدم، والأدم هذا يعني يعتبر من المنافع التي ينتفع بها الإنسان من الحيوان. ورفع أبو يحيى... نعم، نعم، يا أبا العباس: الجلد من جلد، وحشوه ليف. وكان عليه الصلاة والسلام لربما نام على حصير، ما هو الحصير؟ ما هو الحصير يا أبا عبدالله؟ ما هو الحصير؟ نعم، أبو بكر، أحسنت: يعني ما يصنع لكي يجلس عليه الإنسان أو ينام، وغالباً يكون من سعف النخيل. حصير، كان لربما نام على حصير، فقام وقد أثر الحصير على جنبه، أثر الحصير على جنبه، فيقال له: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وطاء، فكان عليه الصلاة والسلام يقول: «ما لي وللدنيا، ما لي وللدنيا، ما أنا فيها إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم قام وتركها». هذا حالنا مع الدنيا يا إخوان، أرأيتم راكباً نزل، ليس من على حمار، بل قل من على باص، رويشان، باص فاخر مكيف، نزل إلى الشحر وهو يريد المهرة، قالوا: نصف ساعة صلاة وغذاء، هم يزيدون أمراً ثالثاً: صلاة وغذاء ويشرب قات، هم يقولون هكذا. طيب يا إخوان، نصف ساعة، ماذا سيفعل فيها هذا الراكب وهذا المسافر؟ هل سيشتري له أرضاً ويقوم ببنائها، أو يستأجر له غرفة ويجلس فيها؟ كيف يكون هذا المسافر؟ أرأيتم حاله؟ يكون عجلاً حريصاً على أن يتم غرضه في هذه الفترة، ولا يحين الرحيل إلا وقد أخذ بغيته وتهيأ واستعد. نحن كذلك يا إخوان، نزلنا في هذه الدنيا، ولنا مدة ما ندري يا إخوان كم هذه المدة، وبعدها لا محالة أن الرحيل، أن الرحيل. فإذن يا إخوان، التفكر في هذه الدنيا وسرعة زوالها وقرب انقضائها، هذا من الأمور التي تجعل العبد منا يقلع عن الذنوب ويبتعد عن المعاصي، ويبتعد عن المعاصي. ولهذا، جبريل عليه السلام أتى إلى نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: «يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به». هذه كلمات ثلاث يا إخوان تعتبر موعظة لكل لبيب، ولكل عاقل، ولكل عاقل، وأن الإنسان لا يركن إلى هذه الدنيا على حساب الآخرة، بل ﴿تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى * والآخرة خير وأبقى﴾. ذكروا عن الخليفة الرشيد أنه بنى قصراً، فدخل عليه الأعيان والوجهاء يهنئونه على هذا القصر المشيد. ذكروا أنه كان من جملة هؤلاء المهنئين رجل يقال له أبو العتاهية، وكان مشهوراً بماذا؟ بشعر الزهد والحكمة. فكان مما قاله لهذا الخليفة العباسي رحمه الله تعالى، قال له: «عش ما شئت أو عش ما بدا لك سالياً في ظل شاهقة القصور يغدو عليك بما تحب لدى الرواح ولدى البكور» فأعجب الخليفة الرشيد بذلك، فقال له: «زد، زد»، أي: زد من هذا الكلام الطيب. فقال: «فإذا النفوس تحشرجت، أو إذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجة الصدور هناك تعلم موقناً أنك ما كنت إلا في غرور» قالوا: فبكى الخليفة العباسي حتى اخضرت لحيته من شدة البكاء. وهكذا ذكر الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى، وابن الجوزي يا إخوان مواعظه بديعة تميزت عن مواعظ غيره. ذكر هو عن نفسه أو عن غيره، أو عن غيره، أنه كان يخطب الناس، فكان في القوم الأمير، أمير البلاد، فأنشد هذين البيتين: «ستنقلك المنايا من ديارك ويبلوك البلاء داراً بدارك ودود الأرض في عينيك يسعى وتسعى عين غيرك في ديارك» انظر، مهما بنيت ومهما شيدت، فإنه لا محال أنك ستترك هذه الدار إلى دار أخرى، وهي البرزخ، ﴿ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾. قال: «دود الأرض في عينيك يسعى، دود الأرض يسعى في عينيك وفي غيره من البدن»، قال: «وتسعى عين، وتسعى عين غيرك في ديارك، دارك غيرك الذي يسكن فيها». وذكر الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه الماتع «لطائف المعارف» قائلاً: «أما لو بيعت الدنيا بفلس، أما لو بيعت الدنيا بفلس، لأنفت أو أبيت لعاقل أن يشتريها، أن يشتريها». يا إخوان، يوم القيامة سماه ربنا عز وجل بيوم التغابن، لو عمل الإنسان المفضول وترك الفاضل، يوم القيامة قد يصيبه شيء من الأسف، أي بل، نعم، يصيبه شيء من الأسف، أنه ماذا؟ أنه ترك الفاضل وأخذ المفضول، فكيف إذا أخذ السيء وترك الحسن، وأخذ الرديء وترك الفاضل؟ فلا شك أنه يصيبه بسبب ذلك غاية الألم، غاية الألم، كما ذكر رحمه الله تعالى وغفر له. ولهذا يا إخوان، من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لنا، كما في حديث ابن عمر في البخاري، قال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، أو عابر سبيل». ابن عمر انتفع بهذه الوصية، فكان يقول بعد ذلك: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك، ومن حياتك لموتك». كانت هذه ماذا؟ وصية النبي صلى الله عليه وسلم، وبعدها وصية ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. فالعبد إذا فكر في الدنيا وسرعة زوالها وانقضائها، كان ذلك سبباً في ماذا؟ في بعده عن الذنوب، وبعده عن المعاصي. فأسأل المولى جل وعلا أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى، وأن لا يجعل مصيبتنا في ديننا، وأن لا يجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، وأن يجعل الجنة هي دارنا وقرارنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.