التعليق على الشمائل المحمدية للإمام الترمذي 21

التعليق على الشمائل المحمدية للإمام الترمذي 21

الدرس في التعليق على الشمائل المحمدية للإمام الترمذي 21، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

باب عيش رسول الله صلى الله عليه وسلم وقناعته بالكفاف

يستعرض هذا المحور ترجمة الترمذي لحال النبي صلى الله عليه وسلم في عيشه المتواضع وقناعته بالكفاف، مستدلاً بحديث «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا» وأقوال العلماء في فضل الزهد. كما يبين أسانيد الأحاديث الواردة وحال الرواة قتيبة بن سعيد وحماد بن زيد وثقتهما.

صبر أبي هريرة على الجوع في طلب العلم

يسرد المحور قصة أبي هريرة رضي الله عنه وما لقيه من شدة الجوع حتى غشي عليه في المسجد النبوي، مبيناً صبره على طلب العلم حتى فتح الله عليه. يستخلص المقطع العبرة لطالب العلم بالصبر على المشاق والثقة بفرج الله وعاقبته الحسنة.

زهد النبي صلى الله عليه وسلم في الطعام وحديث الضفف

يتناول المحور حال النبي صلى الله عليه وسلم في القصد والكفاف وشدة جوعه، شارحاً حديث مالك بن دينار المرسل عن عدم شبعه من خبز ولحم إلا عند نزول الضيوف. يناقش المقطع بركة الاجتماع على الطعام والفرق بين الحديث المرسل والمسند في الحكم عليه.

ختام المجلس والدعاء بالخاتمة الحسنة

يختتم المتحدث المجلس الحالي معلناً الانتهاء من الباب المطروح ومبشراً بأبواب أخرى في مجالس قادمة إن شاء الله. يختم بالدعاء للجميع بالتوفيق والصلاة على النبي محمد والحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه، أما بعدُ، قال الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدين أجمعين، قال رحمه الله تعالى: قال: باب ما جاء في عيش رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في عيش رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمقصود من هذا الباب وهذه الترجمة هو بيان ما جاء في عيشه عليه الصلاة والسلام، والمقصود بعيشه أي طعامه وغذاؤه والقوت الذي كان يتغذى به صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأورد المصنف رحمه الله تعالى حديثين، إلا أنه سيعيد هذه الترجمة نفسها «باب ما جاء في عيش رسول الله صلى الله عليه وسلم» ويذكرها متوسعًا في ذكر الأحاديث المتعلقة بها، يأتي هذا في الباب رقم 52 من أبواب هذا الكتاب، ويذكر رحمه الله تعالى هناك عددًا أكثر من هذه الأحاديث، يذكر نحوًا من تسعة أحاديث تتعلق بهذا الباب. ولاحظوا يا إخوان كيف كان عيشه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان عيشه متواضعًا، ولهذا جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا»، وفي رواية البخاري: «اللهم ارزق آل محمد قوتا». قال الإمام ابن بطال رحمه الله تعالى عند شرحه لهذا الحديث من صحيح البخاري: قال فيه دليل على فضل الكفاف، أي الذي يكفي، وقال: خذوا البلغة من الدنيا والزهد فيما فوق ذلك، خذوا البلغة يعني الإنسان يأخذ له من الدنيا ما يكفيه، والزهد فيما فوق ذلك، لماذا؟ قال: رغبة في توفر نعيم الآخرة وإيثارًا لما يبقى على ما يفنى، قال: فينبغي أن تقتدي به أمته في ذلك، أي بالنبي صلى الله عليه وسلم، أمته في ذلك. وهكذا ذكر الإمام القرطبي رحمه الله تعالى، قال: معنى الحديث أنه طلب الكفافة، قال: فإن القوت ما يقوت البدن ويقف عن الحاجة، قال: وفي هذه الحالة سلامة من آفات الغنى والفقر جميعًا، والله أعلم. أكد ذكر رحمه الله تعالى وقوله عليه الصلاة والسلام: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا»، فالقوت يا إخوان هو بقدر ما يمسك الرمق من المطعومات. قال رحمه الله تعالى: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما، قال عليه الصلاة والسلام: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه». أكد كان يقول عليه الصلاة والسلام، قال رحمه الله تعالى. قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، ومر معنا قتيبة بن سعيد شيخ البخاري مرارًا وتكرارًا، وأنه أبو رجاء البغلاني الثقفي رحمه الله تعالى. قال فيه عمر بن علي الفلاس الصيرفي رحمه الله تعالى: قال: مررت بمنى، مررت بمنى على قتيبة وعباس العنبر يكتب عنه، قال: فجسته، أي تجاوسته يعني مر عليه، قال: فجسته ولم أحمل عنه، قال: فندمت ندمًا أنه مر على هذا الإمام والناس تكتب عنه وتأخذ عنه وهو لم يستفد من ذلك، لم يستفد من ذلك. فقتيبة بن سعيد هذا أحد مشايخ البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم. قال رحمه الله تعالى. قال: حدثنا حماد بن زيد، حماد بن زيد بن درهم الجهضمي أبو إسماعيل البصري. قال فيه الإمام الخليلي رحمه الله تعالى: ثقة متفق عليه. وحماد بن زيد هذا كان علمًا من أعلام العلم والحفظ وهكذا السنة، حتى أن ابن المبارك رحمه الله تعالى قال فيه تلك الأبيات المشهورة: «أيها الطالب علمًا ائتِ حماد بن زيد، فاطلب العلم منه، ثم قيده بقيدي: لا كجهم، لا كثور، لا كعمر بن عبيد»، العلم يؤخذ عن العلماء من أهل السنة، ولا يؤخذ عن أهل البدعة. قال: عن أيوب، وهو ابن أبي تميمة السختياني، قال: عن محمد بن سيرين، ومحمد بن سيرين من سادات التابعين وعلمائهم. قال: كنا عند أبي هريرة، ما اسم أبي هريرة؟ ما اسم أبي هريرة عندك؟ ما اسم أبي هريرة؟ عبد الرحمن بن صخر، هذا أشهر ما قيل في اسمه واسم أبيه، وإلا فالعلماء ذكروا خلافًا كثيرًا في ذلك، أوصله بعضهم إلى ثلاثين قولًا كالإمام الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث وهكذا غيره. وكان اسمه في الجاهلية عبد شمس، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الرحمن، وكني بأبي هريرة، وكانت كنيته كما قيل أبو الأسود، وأبو هريرة حافظ الصحابة والمكثرون في رواية الأثر، أبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والحبر والخدري وجابر وزوجة النبي. ذهب رحمه الله تعالى كان يقول: والحفاظ درجات، ذروتهم أبو هريرة، ذروتهم أبو هريرة، وأبو هريرة نموذجًا ومثالًا لطالبي العلم المجتهد الصابر على الشدائد من أجل العلم. قال: كنا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان، ومعنى ممشقان أي أنهما مصبغان بالمشق، والمشق قالوا: هو عبارة عن طين أحمر تصبغ به الثياب. قال: من كتان، ما هو الكتان؟ قال: من كتان، يا أبا عبد الرحمن، ما هو الكتان؟ القطن. وش الحشرات الصغيرة؟ هذا طيب، أحسنت. فالمقصود بالكتان هو ذلك النبات الذي تنسج منه هذه الثياب، يقال لها كتان، طيب. قال رحمه الله تعالى. قال: فتمخط في أحدهما، تمخط أي أنه تنثر، أخرج شيئًا من أنفه، فقال: بخ، بخ، بخ، بالكسر مع التنوين، وأيضًا هناك لغة أخرى بتسكين اللام: بخ، بخ، هكذا يقال فيها، والمقصود بها كلمة تعجب وكلمة مدح، هذه الكلمة قالوا: عند المدح والرضى بالشيء، فقال: بخ، بخ، يتمخط أبو هريرة في الكتان، يتمخط أبو هريرة في الكتان. وكما سبق الكتان عبارة، كما ذكر صاحب القاموس: ذكر أن الكتان معروف، ثيابه معتدلة في الحر والبرد واليبوسة، ولا يلزق بالبدن، ويقل قمله، هكذا ذكر ونقله عنه صاحب تحفة الأحودي. قال: بخ، بخ، يتمخط أبو هريرة في الكتان. «لقد رأيتني وإني لأخر، يعني أسقط، فيما بيني أو فيما بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحجرة عائشة، مغشيًا علي». ماذا تسمى هذه المسافة ما بين المنبر وحجرة عائشة رضي الله تعالى عنها؟ ماذا يسمى يا أبا خالد؟ ما بين المنبر وما بين حجرة عائشة: الروضة، ما بين منبر وبيت روضة من رياض الجنة، روضة من رياض الجنة. قال: فيجيء الجائي، أي الذي لا يعرف أبا هريرة، قال: فيضع رجله على عنقي، يرى أن بي جنونًا، وما بي جنون، وما هو إلا الجوع، وما هو إلا الجوع. وهذا الحديث يا إخوان في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى. لاحظوا يا إخوان هنا أمرًا: الأمر الأول، كيف صبر أبو هريرة على الجوع وعلى المتاعب في سبيل طلب العلم؟ ولهذا طالب العلم يصبر على الجوع، ويصبر على الحر، ويصبر على البرد، ويصبر على الفقر، ويصبر على الأمراض، ويصبر على ذل التعلم، فمن لم يصبر على ذل التعلم كما قيل: تجرع كأس الجهل طول حياته. لكن الحال لا يدوم يا إخوان، أبو هريرة كان يغشى عليه من شدة الجوع، وفي آخر أمره فتح الله عليه وأصبح يلبس الملابس الفاخرة، ويمتخط في الكتان، أي في تلك الثياب الفاخرة، لربما كان في أيام طلب العلم لا يجد ما يسر به عورته، فيفتح الله على طالب العلم، لكن قد يدرك المتأني بعض حاجته، وقد يكون مع المستعجل الزلل، الذي يستعجل الثمر يا إخوان قد لا يتحصل عليها، وينظر طالب العلم إلى حال من سبقه في هذا الطريق، انظروا إلى العلماء كيف كان أول أمرهم في طلبهم للعلم وكيف أصبح حالهم اليوم، الدنيا تركض خلفهم وهم يدفعونها بأيديهم وأرجلهم لا يريدونها، يأخذ منها الكفاف، القصد الذي يكفي. الأمر الثاني وهو الشاهد من إيراد هذا الأثر في هذا الباب: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان هذا حال جماعة منهم، ولا سيما من يسمون بأصحاب الصفة. طيب، لماذا النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يطعمهم؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لربما عانى بعض ما يعانيه هؤلاء، كان لربما يربط الحجر أو الحجرين على بطنه الشريف من شدة الجوع، وهكذا كان عليه الصلاة والسلام، لربما يخرج في ساعة متأخرة من الليل لسبب الجوع، كما سيأتي معنا الكلام عن ذلك إن شاء الله تعالى. قال رحمه الله تعالى. قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، متى مر معنا جعفر بن سليمان الضبعي؟ متى مر معنا جعفر بن سليمان الضبعي؟ نعم يا ابن محمد، أمس، ما مناسبة ذكره؟ أحسنت. لما تكلمنا عن ترجمة عبد الرزاق بن همام الصنعاني وأنه كان به تشيع، فلما سئل عبد الرزاق: من أين دخل عليك التشيع؟ قال: قدم علينا جعفر بن سليمان الضبعي، قال: فأعجبنا هديه وسمته، فكان الضبعي هذا متشيعًا. قال: عن مالك بن دينار، ومالك بن دينار هذا هو أبو يحيى البصري الزاهد، وثقه النسائي واستشهد به البخاري، وهكذا ذكره مسلم في المتابعات في موضعين، والحافظ في التقريب قال عنه: صدوق عابد. قال: قال: «ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز قطو ولا لحم إلا على ضفف». ومعنى «إلا على ضفف» كما ذكروا: أي إذا نزل بهم الضيوف، فعندها يذوق الخبز مع اللحم، وذلك لضرورة الإيناس للضيف والمجابرة للضيوف. وذكر بعضهم أن المقصود بقوله «على ضفف» أي كثرة الأيدي على الطعام، وذلك من بركته، فالبركة يا إخوان تكون مع الاجتماع على الطعام، اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه، والبركة ملاحظة وموجودة في الاجتماع على الطعام، أما التفرق، كل واحد في صحن، كل واحد في وعاء، هنا تذهب لربما البركة بسبب هذا التفرق. ولهذا ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه زاد المعاد عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال: قال: «إذا جمع الطعام أربعًا فقد كمل: إذا ذكر اسم الله في أوله، هذه الأولى، والثانية: إذا حمد الله في آخره، هذه الثالثة، وكثرت عليه الأيدي، هذه الثالثة، كثرت الأيدي على الطعام، والرابعة: وكان من حل، أي كان من وجه حلال». قال مالك: سألت رجلًا من أهل البادية: ما الضفف؟ قال: أن يتناول مع الناس، أن يتناول أي الطعام مع الناس. وهذا ماذا يسمى في علم الحديث؟ مالك بن دينار قال: «ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم» إلى آخره، ماذا يسمى يا خان علي؟ مالك بن دينار تابعي، ماذا يسمى؟ مرسل. فما هو المرسل؟ فما هو المرسل يا أبا مريم؟ أحسنت: ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم. نعم يا أبا... ابن دينار، ما أضافه التابعي إلى... طيب، أحسنت، لكن هو الأول: ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يا أبا... تزيد شيئًا مما سمعه من غيره لكي يخرج ما سمعه التابعي من النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن بعضهم قد يلتقي بالنبي صلى الله عليه وسلم حال كفره فيسمع منه ثم يسلم، وبعدها لا يرى ولا يلتقي النبي صلى الله عليه وسلم، فهو تابعي وسمع منه مباشرة. ماذا قال البيقوني في المرسل؟ ماذا قال البيقوني في المرسل؟ نعم: «ومرسل منه الصحابي سقط، وقل: غريب ما روى راوٍ فقط»، إلا أن هذا مما أستدرك على البيقوني رحمه الله تعالى. طيب، تهينا من هذا الباب، ويأتي معنا أبواب أخرى في مجالس لاحقة إن شاء الله تعالى، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.