الدرس في ترجمة الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستهل المحاضر ترجمة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن عمر بن مرعي العدني مبيناً أهمية العناية بتراجم العلماء، معتمداً بشكل رئيس على كتاب «العقد الذهبي» لتلميذه الشيخ سالم بن الخضر المنذري. يذكر اسمه ونسبه ونشأته الحضرمية الأصل العدنية المنشأ تأسيساً للسيرة الذاتية.
وُلد الشيخ في عدن عام 1391هـ في أسرة متدينة، وحفظ القرآن الكريم قبل السادسة عشرة وأتقن متوناً علمية عدة كعمدة الأحكام وبلوغ المرام وألفية العراقي وابن مالك. ترك الدراسة النظامية رفضاً للاختلاط بتوجيه والده، وتفرغ لطلب العلم في المساجد على يد طلاب الشيخ مقبل الوادعي فبرز مبكراً.
انتقل الشيخ إلى تعز ثم دماج عام 1408هـ للدراسة على يد الشيخ مقبل الوادعي ولازمه حتى وفاته عام 1422هـ، ثم بقي يدرّس ويرشد الطلاب في فترة الفتن وكانت دروسه عامرة يحضرها الكبار والصغار. تزوج بثلاث نساء ورُزق بخمسة عشر ولداً جامعاً بين الدعوة والأسرة.
يواصل المتحدث ترجمة الشيخ متناولاً صفاته الخلقية ومؤلفاته ومشايخه، وثناء العلماء عليه وطلابه، ويختتم بدعاء له بالرحمة والمغفرة والجنة. يشكل هذا المحور ختاماً شاملاً لسيرة العلامة أبي عبد الله عبد الرحمن بن عمر بن مرعي.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه. أما بعد، فانتهينا في الدرس الماضي من الكلام مع اختصار شديد من ترجمة عالم كبير من علماء المسلمين. فمن هو يا إخوان؟ العبيد، من هو العالم الذي تكلمنا عن ترجمته في الدرس الماضي والذي قبله؟ هو الشيخ العلامة... نسيت. لا بأس، ما زلنا عند العبيد. عندك يا إخوان؟ عبيد بن سالم. أيوة، أنا سمعت. لكن ما رأيك؟ أخبرهم: من ستر مسلماً ستره الله. أخبرهم: قد أخذنا بعده رجلان، أخذنا بعده رجلين. ما شاء الله، عبد الله بن أحمد. عندك من يقول اللحيدان؟ ابن غديان، ما شاء الله، أحسنت. لكن أخذنا عالماً بعده. أين محمد زكي؟ محمد، آه نعم، تفضل يا إخوان. محمد، إخوان العبيد يقول اللحيدان، وإخوان عبد الله بن أحمد... آه، ابن ياسين المهري يقول: آه، ابن غديان. وماذا تقول أنت؟ الشيخ البسام. نعم، أنت تجيب أو تبلغ عنه. آه، تبلغ عنه. طيب، أحسنتم. كان الحديث حول الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن البسام رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وتراجم يا إخوان، لو تتبع الواحد أحوال أصحابها لغرق ذلك مجالس عديدة. فهم مدارس وهم جامعات، يتلقى منها طلاب العلم خاصة والمسلمون على وجه العموم الدروس النافعة، الفوائد العظيمة، الصفات الكريمة، الأخلاق الحسنة. فَمِنْ حقنا يا إخوان أن نهتم بتراجم هؤلاء. وقد مر معنا أن الشيخ ابن... أو أن الشيخ البسام له مؤلف نفيس بعنوان «علماء نجد خلال ثمانية قرون»، هذا ترجم لهؤلاء العلماء وذكر من أخبارهم وسيرهم ما ذكر. وكذلك العلماء يا إخوان، الذهبي ألف «سير أعلام النبلاء» من أحسن ما ألف في هذا الباب، وهكذا غيره كالحافظ ابن حجر وغيرهم من المحدثين المؤرخين، فأثروا المكتبة الإسلامية بهذه الكتب التي فيها من تراجم أولئك الأعلام الشيء الكثير. حديثنا في هذا المجلس يا إخوان حول عالم من علماء هذه البلاد اليمانية، ألا وهو فضيلة شيخنا العلامة الراحل الشيخ أبو عبد الله عبد الرحمن بن عمر بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. ومن حق هؤلاء العلماء علينا أن نذكر تراجمهم، وأن نذكر محاسنهم، وأن نترحم عليهم وندعو لهم المولى تبارك وتعالى. فقد يكون هذا عبارة عن شيء قليل من البر بأمثال هؤلاء العلماء. فالعلماء يا إخوان بمثابة الآباء، بمثابة الآباء. فإن كان الآباء يهتمون بالتربية الحسية، فهؤلاء العلماء يهتمون بالتربية المعنوية، التربية المعنوية. والشيخ عبد الرحمن بن عمر بن مرعي العدني رحمه الله تعالى عالم من علماء هذه البلاد، وفقيه من فقهائها، وكم نفع الله به نفعاً عظيماً. وكل من عاشره وجالسه عرف فضيلة هذا العالم، وهكذا رسوخه في العلم مع اتباع للسنة وتمسك بها، مع خلق عظيم وصفات كريمة كان عليها هذا الشيخ. ويُلخص هذا وغيره في كلمة، ألا وهي: أن كل من رآه أو جالسه أو سمع منه أحبه، أحبه، كما سيأتي معنا إن شاء الله عز وجل في هذه المجالس التي نتحدث فيها حول ترجمته. وماذا سيكون الحديث حول ترجمة الشيخ عبد الرحمن؟ والاعتماد كثيراً على ما كتب عنه رحمه الله تعالى، ولا سيما كتاب «العقد الذهبي في ترجمة العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني» رحمه الله تعالى، وهو كتاب لأحد طلاب الشيخ، وهو أخونا المبارك الشيخ سالم بن الخضر بن أحمد المنذري حفظه الله تعالى. فأولاً نبدأ باسمه ونسبه ونشأته رحمه الله تعالى. أما اسمه فهو: أبو عبد الله عبد الرحمن بن عمر بن مرعي بن مردوف بن بريك من فصيلة آل سالم بن عمر الحضرمي العدني. أصلهم في حضرموت، وماذا انتقلوا إلى عدن واستقروا بها. وآل بن بريك أصولهم من يافع، لكن لهم تاريخ عريق في بلادي حضرموت، في بلادي حضرموت، فحكموا في هذه البلاد مناطق عديدة. وُلد الشيخ عبد الرحمن رحمه الله تعالى في التاسع من شهر رمضان المبارك عام ألف وثلاثمائة وواحد وتسعين من الهجرة، الموافق الثامن والعشرين من شهر أكتوبر عام ألف وتسعمائة وواحد وسبعين من الميلاد، وذلك بعد مولد أخيه الأكبر الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بسنتين إلا قليلاً. الشيخ عبد الله حفظه الله تعالى أكبر من أخيه الشيخ عبد الرحمن بما يقرب من سنتين. وكان ولادة الشيخ عبد الرحمن في مدينة عدن في منطقة المنصورة، في بيت أبيه، في بيت أبيه. والشيخ عبد الرحمن رحمه الله تعالى نشأ نشأة تدين، حيث كان أبوه الوالد عمر بن مرعي حفظه الله تعالى لا زال حياً يرزق، وأتعه الله بالصحة والعافية، كان في غاية من التدين. أبواه في غاية من التدين، فكان يحثانه وإخوانه على المحافظة على الصلوات، وهكذا أيضاً على الدراسة في المساجد منذ أيام حكم الحزب الاشتراكي اليمني قبل الوحدة. والشيخ رحمه الله تعالى كان من المحافظين على الصلوات، وهكذا أيضاً كان حريصاً على قراءة القرآن، وهكذا على الدراسة في الحلقات وغيرها مما يتلقى فيه العلم الشرعي. قال شيخنا عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله تعالى عن أخيه الشيخ عبد الرحمن رحمه الله: «اجتهد الشيخ عبد الرحمن رحمه الله في حفظ القرآن وفي حفظ متون العلم صغيراً، ولم يكن كغيره ممن كان في سنه، فقد كان منشغلاً بتحصيل العلم وهو في بداية شبابه. فما وصل خمسة عشر عاماً وبضعة أشهر إلا وقد أكمل حفظ القرآن، خمسة عشر سنة ومعها بضعة أشهر إلا وقد أكمل حفظ القرآن، وحفظ معه كذلك عدة متون. فلم يبلغ ستة عشر عاماً إلا وقد حفظ «عمدة الأحكام» و«بلوغ المرام» و«رياض الصالحين»، وشرع في «اللؤلؤ والمرجان». وهكذا بدأ في ألفية السيوطي، يعني ألفية السيوطي في علم الحديث المصطلح. قال: ثم توقف أي عن حفظها، لأنه نصح بأن في ألفية العراقي، أي في المصطلح، ما لم يكن في ألفية السيوطي. ألفية العراقي أقوى وأمتن، فحفظ ألفية العراقي وأتمها، وأتم ألفية ابن مالك، ألفية ابن مالك في علم النحو. قال: وبدأ يكتب في ذلك الزمان وهو ابن تسعة عشر عاماً، وأعرف له بعض الكتب التي بدأ يكتب فيها، وشرع في شرح «الدراري»، أي «الدراري المضية» للعلامة الشوكاني اليماني، قال: وهو ابن عشرين عاماً، وكان شرحه من أحسن الشروح على صغر سنه، رحمه الله رحمة واسعة. فنفع الله به نفعاً عظيماً، فصار مع صغر سنه متميزاً، حتى أحبه الشيخ مقبل رحمه الله، رحمه الله». انتهى كلام شيخنا العلامة عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله تعالى. وهكذا قرأ الشيخ عبد الرحمن الكثير من كتب أهل العلم، وحفظ الكثير من كتب العلم غير الأشعار والمغازي، رحمه الله رحمة واسعة. الشيخ رحمه الله تعالى كان في أول أمره يدرس في المدارس النظامية، وبعد ذلك ترك الدراسة في المدارس النظامية. ما هو السبب؟ السبب أنهم في أيام الامتحانات خلطوا البنات مع الأولاد، اختلاط بنات مع أولاد، يختبرون جميعاً. فرجع الشيخ إلى البيت، فقال له أبوه لما رجع: «فالمدرسة فيها اختلاط، لا يجوز، المدرسة فيها اختلاط، لا يجوز». فتركها يا إخوان لله عز وجل. ومن ترك شيئاً لله، ماذا يا أبا طاهر؟ أحسنت: من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، عوضه الله خيراً منه. وذكر شيخنا العلامة عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله تعالى، ذكر عن أخيه الشيخ عبد الرحمن رحمه الله، قال: «كان أول طلب علم الشيخ عبد الرحمن رحمه الله في سن الرابعة عشرة من عمره، توجه إلى المساجد يتعلم القرآن، ثم وفقه الله لحلق السنة. وكان بعض طلاب شيخنا مقبل رحمه الله قد جاء إلى مدينة عدن ودرس بعض الإخوة، ثم رجع إلى شيخنا مقبل، فكان طلابه ممن أخذ عنهم شيئاً من العلم، فكان طلابه ممن أخذ عنهم... أي الشيخ عبد الرحمن أخذ عنهم شيئاً من العلم. قال: وكنت معه، وكانت هناك دروس في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي مصطلح الحديث كالباعث والكفاية في علم الرواية، ودروس أخرى، وكان هذا كالانطلاقة والقوة لطريق العلم». قال شيخنا عبد الله: «فسبقت الشيخ عبد الرحمن رحمه الله إلى الشيخ مقبل رحمه الله بخمسة عشر يوماً، سبقه إلى دار الحديث بدماج عند شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى بخمسة عشر يوماً. قال: ثم تبعني رحمه الله بعد خمسة عشر يوماً». وهنا بدأت رحلة الشيخ رحمه الله تعالى في طلب العلم. فرحلته في طلب العلم أنه رحل رحمه الله تعالى أول ما رحل إلى تعز، إلى أحد قلاع الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله تعالى، وكان ذلك عام ألف وأربعمائة وثمانية من الهجرة، فكان معه الشيخ عبد الله أيضاً، وطلب العلم هناك مدة يسيرة، ثم انتقل إلى دار الحديث بدماج إلى الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في نفس العام. ومن ذلك الوقت يا إخوان، من ألف وأربعمائة وثمانية، والشيخ رحمه الله تعالى ملازم لشيخه العلامة المحدث الوادعي رحمه الله تعالى إلى أن مات. وموته، أي موت الشيخ مقبل، كما مر معنا في عام ألف وأربعمائة واثنين وعشرين من الهجرة. ومكث الشيخ في دماج بعد وفاة الشيخ مقبل، بقي، بقي في دماج، وكان في بقائه تثبيتا لإخوانه طلاب العلم في المركز، ولا سيما مع هيجان الفتن في ذلكم الزمن. فكان الشيخ عبد الرحمن معلماً وموجهاً ومرشداً بعد موت الشيخ مقبل رحمه الله تعالى، بعد موت الشيخ مقبل رحمه الله تعالى. وهكذا كان مساعداً للقائم على التدريس على كرسي الشيخ مقبل رحمه الله تعالى بعد وفاته، كان مساعداً. وكان الشيخ عبد الرحمن يبذل جهوداً عظيمة، ويا لله يا إخوان، كم ترى البشرى في الوجوه والابتسامات من قبل الطلاب إذا صعد الشيخ عبد الرحمن على الكرسي، إذا صعد الشيخ عبد الرحمن على الكرسي، كل واحد ينظر إلى زميله مبتسماً ومبتهجاً، المسجد فرح مسرور بذلك. وما هي إلا فوائد يا إخوان، ومساء العلمية، وهكذا ذلك المجلس المليء بالعلم النافع، ماذا يلقيه الشيخ عبد الرحمن رحمه الله تعالى. وكان في دماج الشيخ عبد الرحمن درسه يحضره كبار الطلاب في المركز، كبار الطلاب، وهكذا صغار الطلاب. كانت حلقته عامرة عظيمة، كأنها درس عام، بل البعض قد يتخلف عن الدرس العام لكن لا يترك درس الشيخ عبد الرحمن لما فيه من الفائدة، لما فيه من الفائدة. فالطلاب في أيام الشيخ عبد الرحمن معظمهم عالة على شيخنا عبد الرحمن رحمه الله تعالى، ولا سيما فيما يتعلق بمسائل الفقهية وغيرها، فقد درس في الفقه، وهكذا درس في غيره. وسيأتي معنا أيضاً يا إخوان شيء مما يتعلق بحياته رحمه الله تعالى في دماج، مركز شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى. الشيخ عبد الرحمن يا إخوان تزوج بثلاث نسوة. الأولى: زوجته الأولى أم عبد الله حفظها الله تعالى، كان زواجه منها عام إحدى عشرة وأربعمائة وألف من الهجرة، وقد رزق منها تسعة من الأولاد: اثنان ذكور وسبع إناث. وماذا تزوج بزوجته الثانية أم محمد حفظها الله تعالى عام أربع وعشرين وأربعمائة وألف من الهجرة، ورزقه الله تعالى منها ثلاثة: اثنان من الذكور وبنت واحدة. وزوجته الأخيرة الثالثة هي أم أحمد حفظها الله تعالى، وكان زواجه بها أو منها عام ثلاثة وثلاثين وأربعمائة وألف من الهجرة، ورزقه الله تعالى منها ثلاثة: ذكراً وبنتين. السؤال يا إخوان: كم عدد أولاد الشيخ عبد الرحمن؟ آه، عندك يا أبا صالح؟ خمسة عشر، ما شاء الله، قوي في الحساب. تسعة زائد ثلاثة زائد ثلاثة يساوي خمسة عشر. أخونا أبو صالح، نعم، أحسنت، جزاك الله خيراً، وزوجك الله والسامعين أجمعين. طيب، إذا نقفها هنا مع هذه الدعوة الطيبة، ونسأل الله الإعانة. فهذه الدعوة قد تصد مشاكل، لكن ونسأل الله الإعانة فيما توخينا من الإبانة. يأتي معنا يا إخوان الكلام، الكلام حول ما يتعلق بتتمة ترجمة شيخنا العلامة الراحل أبي عبد الله عبد الرحمن بن عمر بن مرعي رحمه الله تعالى، حول صفاته الخلقية، وهكذا أيضاً ما يتعلق بكتبه ومشايخه، وهكذا ثناء العلماء عليه وكبار طلابه، وغيرها من الأمور المتعلقة بترجمته رحمه الله تعالى. أسأل المولى عز وجل أن يرحم شيخنا، وأن يغفر له، وأن يسكنه الفردوس الأعلى، وأن يجمعنا به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.