تكريم الإسلام لجميع مراحل عمر الإنسان

تكريم الإسلام لجميع مراحل عمر الإنسان

المحاضرة بعنوان تكريم الإسلام لجميع مراحل عمر الإنسان، والتي كانت بمسجد المنصور بالمنصورة الجديدة بالشحر - يوم الجمعة 24 ذو الحجة 1446هـ الموافق 20 يونيو 2025م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

مظاهر تكريم الله للإنسان ونعمه عليه

يتناول المقطع مظاهر تكريم الله لبني آدم بخلقه بيده وجعله خليفة ومنحه العقل والسمع والبصر. كما يستعرض نعم الله بالرعاية من الجنين إلى البلوغ وإنزال الكتب وإرسال الرسل وتسخير الكون، محذراً من كفران النعم واستخدام العقل في غير طاعة الله.

مراحل العمر في الإسلام وحقوق الطفولة

يستعرض المقطع المراحل الثلاث لحياة الإنسان (الطفولة، الشباب، الشيخوخة) في ضوء الآيات القرآنية، مؤكداً حقوق الأطفال في الرعاية والتربية الصالحة كما فعل الأنبياء. ويركز على مرحلة الشباب كنعمة عظيمة وأمانة يجب اغتنامها في طاعة الله قبل فوات الأوان.

أهمية تربية الشباب وحمايتهم ومكانة كبار السن

يؤكد المقطع على خطورة مرحلة الشباب وضرورة تربيتهم على الإيمان والقرآن كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، محذراً من مخاطر القنوات الفضائية والإنترنت في إفساد عقائدهم وأخلاقهم. ويبرز مكانة كبار السن الذين طال عمرهم وحسن عملهم في الدين، مشدداً على وجوب النصح بالرفق واللين.

التفريغ النصي الكامل

اشتركوا في القناة. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، عباد الله، بادئ ذي بدء وقبل كل شيء نحمد الله تبارك وتعالى على نعمه الكثيرة وآلائه العظيمة التي لا نستطيع لها حصرًا. ومن هذه النعم أن وفقنا لمجالس العلم وحلق الذكر التي يحبها ربنا عز وجل، وهكذا يحب أهلها. هذه المجالس التي تعتبر غذاءً للروح، وهكذا غذاءً للقلوب. فكما أن الأجساد لا تستغني عن الغذاء لكي تحيا وتنمو، كذلكم أيضًا يا إخوان: القلوب والأرواح لا بد أن تتغذى لكي تصح، وهكذا لكي تقوى، وهكذا لكي تعين على طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وجزى الله خيرًا من كان سببًا في هذا الخير وإقامة مثل هذه المجالس: أخونا المبارك إمام المسجد أبو سالم، حفظه الله تعالى، مشكورًا على اهتمامه وسعيه وحرصه، وهكذا حسن ظنه وترحيبه. وهكذا إخوانه معه في هذا المسجد: أخونا أبو أحمد، وهكذا من معهم. جزى الله خيرًا الجميع خير الجزاء، وجزى الله من حضر واستمع أيضًا خير الجزاء. ونسأل ربنا العظيم الكريم الذي جمعنا في هذا المسجد وفي هذا المجلس أن يجمعنا في دار كرامته وعلياء جنته إخوانًا على سرر متقابلين. أيها الأحبة في الله، أحببت أن يكون حديثي معكم في هذه الليلة وفي هذا المجلس حول موضوع هام جدًا. هذا الموضوع، يا إخوان، هو تكريم الإسلام لمراحل عمر الإنسان. هذا الإنسان الذي خلقه ربنا تبارك وتعالى، كرمه وميزه وفضله على غيره. قال ربنا عز وجل: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. لاحظ هذا المظهر العظيم من مظاهر تكريم الرب تبارك وتعالى لهذا الإنسان. وهكذا ربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾. لاحظ ما جعله كبعض البهائم التي تستر عورتها ذنب أو ذيل، أو كبعض الحيوان الذي تستر عورته من الريش وغير ذلك. وإنما ﴿أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. الذكر، يا إخوان، مطلوب، والاعتبار، وهكذا التفكر في هذا الإنعام والتكريم يعتبر من الأمور التي أمر بها ربنا تبارك وتعالى. وهكذا ربنا عز وجل يقول في كتابه العزيز: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. استدل بها العلماء على وجوب ستر العورة، وهكذا يدخل في هذا أن يتجمل، وأن يحسن المسلم لباسه إذا أراد المسجد. ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. يعلمون عظمة هذا الخير وهذه النعم التي يكرمهم بها ربنا تبارك وتعالى. ومن مظاهر تكريم الله عز وجل لهذا الإنسان مظاهر وأمور عظيمة وعديدة، أتطرق على سبيل الإيجاز والاختصار لبعضها، لعل الله عز وجل أن ينفعنا بما نقول أو نسمع. أولًا: لاحظوا كيف أن الله تبارك وتعالى خلق أبانا آدم، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته. هذا يا إخوان تكريم من الله عز وجل لأصل هذا الإنسان وهو أبونا آدم عليه الصلاة والسلام، وهذا إن دل على شيء دل على مكانة آدم وذريته العظيمة عند الله تبارك وتعالى. أيضًا من هذه المظاهر التي هي مظاهر لتكريم الله عز وجل لهذا الإنسان: أن جعله خليفة في الأرض، لم يجعل غيره يقوم بهذا الأمر، وإنما شرف هذا الإنسان. ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. من هذا الخليفة؟ هذا آدم وذريته من بعده. وهذا ماذا يدل؟ يدل على أن المسؤولية التي جعلها الله عز وجل على آدم وعلى ذريته من بعده هذه مسؤولية عظيمة، يترتب على ذلك أن من قام بها فله الكرامة، له الجزاء الأوفر والأعظم عند الله عز وجل، وأن من لم يقم بها فعليه الغرامة. قال ربنا عز وجل في كتابه العزيز: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾. لاحظوا عظمة هذه المخلوقات: سماوات سبع، وأرضون سبع، وهكذا الجبال الراسيات. عرض الله عليهن أن يحملن هذه الأمانة، فقال: ﴿فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾. هل هذه معصية لله عز وجل؟ الجواب: ليست معصية. لماذا؟ لأن الله تعالى خيرهن بين أن يحملنها أو لا يحملنها، فماذا اخترن؟ اخترن عدم تحمل هذه الأمانة. ﴿فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾، خفن ألا يقمن بها، لأنه كما سبق يترتب على حمل هذه الأمانة الكرامة والجزاء عند الله عز وجل، ويترتب على الإخلال بهذه الأمانة الغرامة والمحاسبة، وأن يجازى العبد على إساءته، كما قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾. ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾، أي آدم وذريته. أخلوق ضعيف يا إخوان، وعبد فقير، تحمل هذه الأمانة؟ ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. هذا هو الأصل في الإنسان: أنه ظلو، مبالغ في الظلم، وهكذا جهول. ولهذا لا ينفك هذا الإنسان عن هذين الوصفين إلا بأمرين اثنين: الأمر الأول هو العدل، فيتخلص به من الظلم، والأمر الآخر هو العلم، الذي يرفع به الجهل عن نفسه وهكذا عن غيره. فإذا لم يهتم بأمر العدل ولم يهتم بأمر العلم بقي على أصله وهو الظلم، وهكذا أيضًا الجهل. أيضًا من مظاهر تكريم الله لهذا الإنسان: وهب له عقلًا. لماذا وهب له عقلًا؟ لكي يميز بين ما ينفعه وما يضره، لكي يفرق بين الحق والباطل والهدى والضلال. قال ربنا عز وجل في كتابه العزيز: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. ما هما النجدان؟ طريق الخير وطريق الشر. قال ربنا عز وجل: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾. الله عز وجل جعل له سمعًا وبصرًا وعقلًا لكي يميز به بين الحق والباطل. فيوم أن يترك طريق الحق ويسلك طريق الباطل، يترك الإسلام ويختار الإلحاد، يترك التوحيد ويختار الشرك، هذا يكون حاله كحال من قال الله فيهم: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾. لاحظ: هذا لم ينتفع بعقله. يوجد اليوم يا إخوان من عندهم من العقول، لكن ليس عندهم من الفهوم؛ عندهم من الذكاء لكن حرموا الزكاء. تجده لربما يخترع الأجهزة الإلكترونية، وعندهم مفاعل ومختبرات الذرة، وهكذا ما يتعلق بالأمور النووية، قد يصنع طائرة، باخرة، سيارة، إلى غير ذلك. لكن حنانيك! ما هي إلا فترة، وأخرج من جيبه صنمًا ووضعه على الطاولة، وجعل يتمتم، لا يتمتم، يعبد صنمًا. بل بعضهم ممن ذكر وصفه يعبد فأرًا. يوجد في الهند وغيرها معابد تعبد فيها الفئران. أين عقول هؤلاء؟ بل يعبد الشيطان، وتعبد الفروج، وتعبد غيرها مما لا يضر ولا ينفع. لاحظ أن العقل الذي أكرم الله به الإنسان لكي يتوصل إلى معرفة الله عز وجل وما يقربه من الله تبارك وتعالى، فإن لم يقع ذلك، فخرج وابتعد عن هذا التكريم، إلى أن يكون في منزلة البهائم التي لا تعقل، بل البهيمة أحسن حالًا وأهدى سبيلًا. وهكذا أيضًا من مظاهر هذا التكريم: أن الله عز وجل حين أن خلق هذا الإنسان خلقه في أجمل صورة وأحسن منظر، وتكفل برزقه وهو لا يزال جنينًا في بطن أمه. لاحظوا الجنين يا إخوان: كيف يصل له الغذاء، وهكذا السقاء. ثم إذا خرج من هذه الدنيا - أقصد: خرج إلى هذه الدنيا - تكفل الله عز وجل به، لم يتركه هملًا. الله عز وجل لم يخلقنا هملًا، ولن يتركنا سدى، وإنما أرسل رسلًا وأنزل كتبًا، ووظيفة هؤلاء الرسل هداية الناس، لأن لا يكون للناس حجة على الله بعد الرسل. بعد الرسل أنزل كتبًا، وهذه الكتب يا إخوان من فوائدها حفظ الدعوة التي جاء بها الرسل. كم سنة منذ أن مات نبينا صلى الله عليه وسلم؟ ما يزيد على أربعة عشر قرنًا من الزمان، لكن دعوته باقية، ودينه باقٍ، وسنته باقية. ومن أسباب حفظ دعوته هو الكتاب، القرآن العزيز، الذي أنزله الله تعالى عليه، وهكذا جعله في الناس، ولا يرفعه إلا إذا حانت القيامة، وهكذا الساعة التي يكون بها خراب العالم ونهاية هذه الدنيا. إذا هذا من تكريم الله عز وجل لهذا الإنسان. وهكذا من مظاهر هذا التكريم: أن الله عز وجل شرع العبادات، وشرع المعاملات، جعل من الأخلاق والسلوك وغيرها مما تنتظم به حياة الناس: يعرف العبد حق ربه عز وجل، يعرف حق الوالدين، حق الأرحام، حق الزوجة والأولاد، يعرف حق الأقارب والجيران، حق الراعي والرعية، إلى غير ذلكم مما يكون سببًا في تنظيم حياتهم، وأن يكونوا في حياتهم أقرب إلى الله تبارك وتعالى. وهكذا من مظاهر تكريم الله لهذا الإنسان: أن سخر له ما في هذا الكون. ما في هذا الكون يا إخوان من سماوات وأرض، وجبال وبحار وأنهار، ورياح وأشجار وغيرها، جعلها الله لهذا الخليفة الذي استخلفه في هذه الأرض. كما قال ربنا عز وجل: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾. الضمير يعود لمن؟ يعود للإنسان. ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وهكذا ربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾. نحن نركب البحر يا إخوان، لكن القليل منا من يتفكر في كيف سخر الله لهذا الإنسان هذا الفلك. أخرج إلى ساحل البحر، خذ معك مسمارًا صغيرًا وألقه في البحر، ماذا سيصنع؟ سينزل إلى أسفل. اليوم باخرة تزن مئات الأطنان، إن لم يكن الألوف، ثقيلة جدًا، كبيرة، ولما توضع على الماء فإنها تطفو. هذه آية يا إخوان، هذه آية من آيات الله عز وجل سخرها ربنا تبارك وتعالى لهذا الإنسان. ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾. وهنا يقول: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾. هذه الأنهار الجارية، من الذي حفرها لكي تجري المياه عليها؟ إخواننا المصريون في منتصف القرن الميلادي الماضي، لما أرادوا أن يحفروا قناة السويس، قناة تربط البحر الأحمر الذي كان يسمى ببحر القلزم بالبحر الأبيض المتوسط، كم سنين جلسوا يحفرون؟ وكم هي الأيدي التي عملت؟ كم مات من الناس أثناء الحفر؟ كثير يا إخوان، كثير، مع أنها قناة. طيب، نهر النيل، من حفره لهم؟ وهذه دجلة والفرات، من حفرها وأجراها؟ وهكذا غيرها من أنهار الدنيا. الله عز وجل يقول: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾. ثم قال سبحانه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾. آيات عظيمة يا إخوان: شمس تطلع وتستوي ثم تغرب، يطلع القمر في اتجاه عكسي، وهكذا ثم يغرب. كل ذلك يا إخوان تسخير من الله تبارك وتعالى لهذا الإنسان الذي خلقه وأمده بهذه النعم. قال ربنا تبارك وتعالى بعد هذا كله: ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾. بعد هذه النعم كلها وغيرها كثير، قال: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۚ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. رجع إلى أصله: متى؟ إذا لم يشكر هذه النعم، ولم يستعملها فيما يقرب إلى الله عز وجل، فإنه ظلو لنفسه، وهكذا كفور، أي جحود لهذه النعم. أيها الأحبة في الله، مظاهر تكريم الله عز وجل لهذا الإنسان كثيرة وعظيمة، وليست مقتصرة في مرحلة من المراحل، وإنما هي في جميع مراحل هذا الإنسان. الله تبارك وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾. هذه النطفة، أو هذه العلقة، هذه المضغة، أول ما تكون قطعة من اللحم، ثم تتخلق، يظهر الرأس وتخرج الأطراف، تبدو العينان، فالأنف والفم والشفتان، إلى غيرها. ولهذا الجنين يا إخوان، الجنين في الأشهر الأولى لا يستطيع الأطباء أن يحددوا: أذكر هو أم أنثى؟ لماذا؟ لأنه لم يتخلق، قطعة من اللحم. بعضهم يخمن لكي لا يقال: هذا الطبيب ما يعرف. أحيانًا يخمن، البعض يقول: ذكر، وينتظر أهله ذكرًا، فيولد فيأتي أنثى، أو يقع العكس. لكن متى ما تخلق وظهرت أعضاؤه التناسلية وغيرها، هنا يظهر لهم: أذكر هو أم أنثى؟ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى. إذن: ﴿ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾. غالبًا يكون تسعة أشهر. إذا مضت وانقضت، فعندها ماذا؟ ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى * ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾. يخرج طفلًا صغيرًا، قد يكون ذكرًا أو أنثى. ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾. يبدأ أولًا يحبو، ثم يمشي، ثم يقوى ويكبر، فإذا به شاب قوي. ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾. قال ربنا عز وجل: ﴿وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ - إلى أرذل العمر - ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ أو ﴿بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾. وهنا لفت يا إخوان: حين أن ذكر ربنا عز وجل قوله: ﴿وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى﴾، أي وهو شاب قوي. ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾، يعيش مليًا ويبلغ من العمر عتيًا، يعيش السبعين والثمانين، بل ولربما التسعين. هنا ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾: خرف، يعود إلى حالته الأولى طفلًا في تفكيره، وهكذا في عقله، يلبس الحفاظة مرة أخرى، وهكذا ينظف ما به من الأوساخ والنجاسات، قد يحمل إلى الحمام لكي يغسل، ويقوم أهله بإلباسه الثياب. والكثير يا إخوان هم الذين يموتون في سن الشباب. وإذا أردت أن تعلم حقيقة ذلك، فأحصِ واعدد واحسب عدد كبار السن الشيوخ: أهم أكثر عددًا أم الشباب؟ الجواب: الشباب. الجواب: الشباب. إذن: ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾. قال الله عز وجل: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ﴾. هذه المرحلة الأولى هي مرحلة الضعف، مرحلة الطفولة. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾. قوة: هذه مرحلة الشباب. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾. هذه مرحلة الشيخوخة. ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾. أيها الأحبة في الله، أول مرحلة معنا، أول مرحلة معنا من مراحل عمر هذا الإنسان، بعد أن يكتمل خلقه في بطن أمه فيخرج إلى هذه الدنيا بشرًا سويًا، هذه مرحلة الطفولة، هي مرحلة الضعف. الله تبارك وتعالى أكرم هذا الإنسان وهو ضعيف، فأوصى به خيرًا. يوصيكم الله في أولادكم. أمر بحسن تغذيته وكسوته، وهكذا تربيته وتأديبه وتعليمه. قال ربنا عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، كما في تفسير الطبري وغيره: «أدبوهم وعلموهم». أدب وتعليم يحصل بهما النجاح من نار تلظى، لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وإن لولدك عليك حقًا». هذا الولد الصغير له على أهله ووالديه حقوق عظيمة، حقوق عظيمة. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث»: ما هي؟ قال: «صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له». هذا الولد الصالح من أين يأتي؟ هل يأتي من المصانع والمعامل والمختبرات؟ الجواب: لا. هذا الولد الصالح رزقه الله أبوين كانا حريصين على تربيته، وعلى تأديبه، وعلى تعليمه. ولهذا يا إخوان، الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كانوا يهتمون بصلاح الأبناء. فهذا أبو الأنبياء وإمام الحنفاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لم يرزق من الأولاد إلا بعد أن كبر سنه، بعد أن كبر سنه، ومع هذا لم ييأس، قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. ليس أي ولد، وإنما ولدٌ صالح. ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾. وهو إسماعيل أو إسحاق، إسماعيل أو إسحاق، إسماعيل. ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، أي أصبح الغلام الصغير هذا بدأ يشب وينفع والده. ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾. إبراهيم نبي، ورؤية الأنبياء وحي، ورؤية الأنبياء حق. ﴿إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾. لاحظ يا إخوان، لاحظوا الولد الصالح: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. ولد صالح يا إخوان. زكريا بلغ من السن عتيًا، ضعف عظمه، وشاب شعره، ومع هذا، كما قال الله عز وجل عنه، بعد أن كفله مريم، وكانت آية، ماذا؟ وكانت مريم أخت زوجة زكريا. ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. هناك دعا زكريا ربه، من ربه الذي يرزق من يشاء بغير حساب، ماذا يريد؟ قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾. يحيى يا إخوان، نبي من أنبياء الله. وهكذا غيره كثير مما يتعلق بالعناية بالأطفال والأولاد، والحرص على إصلاحهم، وعلى حسن تربيتهم. وإلا يا إخوان، كم من الأبناء من يهمل آباءهم، من يهمل آباءهم وأمهاتهم تربيتهم، فيتركونهم للشوارع. والله يا إخوان، أحيانًا تنظر إلى بعض الأولاد في الشوارع وهم في حالة مزرية، في حالة مزرية، يجرون ويتضاربون ويؤذون ويخربون، ويفتقدون الرعاية. هؤلاء يا إخوان، أين أهاليهم؟ أليس أهلهم مسؤولين عنهم؟ الجواب: بلى. ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾. يسأل الواحد منهم: أدام. فهذا مما يدل على تكريم الإسلام، وهكذا ربنا تبارك وتعالى لهذا الإنسان، هذا الإنسان وهو لا يزال طفلًا صغيرًا. نكمل إن شاء الله عز وجل بعد الاستراحة. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، ومن والاه. أما بعد: وهكذا تكريم الإسلام لمراحل عمر هذا الإنسان تستمر مرحلة بعد أخرى. فبعد أن كان طفلًا صبيًا ومخلوقًا ضعيفًا، فإنه يكبر ويقوى ويبلغ أشده فيكون شابًا. وفي مرحلة الشباب نجد أن الإسلام أكرم هذا الشباب، الشباب جعله الإسلام نعمة يجب أن تحفظ وتشكر، وهكذا جعله أمانة يجب أن تحفظ ويجب أن تستغل حق الاستغلال. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في حديث ابن عباس: «اغتنم خمسًا قبل خمس»، وذكر منها: «شبابك قبل هرمك». شبابك قبل هرمك. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول، كما في حديث أبي برزة ونحوه عن ابن مسعود، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع»، وذكر منها: «وعن شبابه فيما أبلاه». الشباب يا إخوان، مرحلة عمرية وفترة زمنية يعيشها هذا الإنسان، لكن سرعانا ما تنقضي، وسرعانا ما تنتهي، ويعقبها الشيب والضعف والعجز والهرم، ينهي هذا الشباب. ينهي هذا الشباب. البعض لربما يضيع شبابه مع جلسات القات، يضيع شبابه مع الأفلام والمسلسلات، يضيع شبابه مع الأصدقاء الفاسدين والشِلل، حتى إذا ضاع الشباب، عندها أحس بالضعف، إذا أراد أن يقوم وجد ثقلًا، إذا أراد أن يفعل أو يعمل أو يمارس أشياء وجد عجزًا. هنا يا إخوان يندم المفرطون، فيكون حال أحدهم كما قال الأول: بَكَيْتُ عَلَى الشَّبَابِ بِدَمْعِ عَيْنِي فَلَمْ يُفِدِ الْبُكَاءُ وَلَنْ يُحِيبَا أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا فَأُخْبِرَهُ بِمَا فَعَلَ بِي الْمَشِيبُ وماذا سيفعل لك لو جاء، وأنا له أن يأتي؟ الشباب يا إخوان يجب أن يستثمر، ويجب أن يستغل. لاحظوا كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على الشباب، وهذه تربية الشباب وتوجيه الشباب. قال مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه، وحديثه في البخاري وغيره: «أتينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون، قال: فمكثنا عنده عشرين ليلة، حتى رأى أننا قد اشتقنا إلى أهلنا، قال: ارجعوا إلى أهلكم، فعلموهم ومروهم. قال: فإذا حضرت الصلاة، فأذن أحدكم، وليؤمكم أكبركم، وصلوا كما رأيتموني أصلي». تربية يا إخوان للشباب، وصبر على تعليمهم وعلى توجيههم. جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، وحديثه عند ابن ماجه وغيره، قال جندب: «أتينا رسول الله، أو كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة». يعني حزاورة الشباب: أول ما يقوى أحدهم ويجتد. هنا يا إخوان مرحلة خطيرة جدًا بالنسبة للشباب: سن العاشرة، والحادي عشر، والخامسة عشر، والسابعة عشر. هذه مرحلة خطيرة جدًا من مراحل الشباب. إن أحسن استغلاله وتربيته، ما بعدها أسهل. يبلغ الخمسة والعشرين، فما بعدها هنا ممكن تجعله يعتمد على نفسه، فيواجه الشبهات والشهوات، قوي، يستطيع أن يدفعها بالعلم النافع، وهكذا بالتدين الذي نشأ عليه. قال: «كنا فتيان حزاورة، قال: فتعلمنا الإيمان قبل القرآن، قال: ثم تعلمنا القرآن، فازددنا بالقرآن إيمانًا، قال: فازددنا بالقرآن إيمانًا». وهذه تربية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهؤلاء الشباب. لهؤلاء الشباب: ديننا يدعونا إلى رعاية الشباب. ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾. في قصة أصحاب الكهف الذين فروا بدينهم وحافظوا على توحيدهم، فانظر إلى النتيجة وإلى الثمرة. الشباب، يا إخوان، هم حماة العرين، حراس العقيدة. الشباب هم الأيدي البناء والسواعد القوية التي تبني الأمم والمجتمعات. بهم الأمجاد تصل، وتتحصل على السيادة، بسبب هؤلاء الشباب. لكن متى؟ إذا صلحوا. وأما إذا فسد الشباب، فحدث ولا حرج عما يصيب الأمة من ضعف ووهن، وهكذا انتكاسة. إذا فسد الشباب، تغيرت مناهجهم، وفسدت عقائدهم، وهكذا ضعفت القيم والأخلاق عندهم، هنا يأتي الأمة ما يأتي من الشرور، وهكذا من الضعف والفساد. وأعداؤنا أدركوا حقيقة ذلك، أدركوا أن قوتنا في صلاح شبابنا، وأن ضعفنا وعجزنا وانهيارنا بفساد شبابنا. عندها قاموا بتوجيه سهامهم المسمومة إلى نحور وصدور شباب الأمة. فكم سقط من سقط من شبابنا صريعًا قتيلًا، وكم منهم يعاني، يسقط ويقوم. نسأل الله العافية والسلامة. اليوم يا إخوان، هذه القنوات الفضائية، تسعى إلى إصلاح الشباب أم إفسادهم؟ أسألكم سؤالًا: القنوات الفضائية، أهي تصلح أم تفسد؟ لا يتنازع اثنان على أنها تفسد. أفسدت قيم الشباب، وأضعفت عقائد الشباب وأفسدتها. هذه الشبكات العنكبوتية، شبكة الإنترنت، أهي مصلحة للشباب أم أنها مفسدة للشباب؟ نعم، لا نختلف أن فيها شيئًا من الخير، لكن كم من الشباب يا إخوان فسد بسبب ما في هذه الشبكات ومواقع الإنترنت؟ أصبح بعضهم يا إخوان يدعو إلى الإلحاد، يشكك في القرآن الكريم، ويشتم نبينا الأمين صلى الله عليه وسلم، ويسخر من مجتمعات المسلمين. من أين أتوا بهذه المعتقدات وهذه الأفكار إلا عبر المواقع والشبكات؟ وهكذا في القنوات: فيها يعلم السحر، وفيها يعلم الإلحاد، وفيها يعلم الفحش والخلاعة والميوعة وغيرها. فنسأل الله أن يعين الشباب. أمر يا إخوان على شباب الأمة، لربما لم يسبق لها نظير، فلهذا يحتاج الشباب إلى ماذا؟ يحتاج إلى نصحنا، إلى إرشادنا، إلى أن نمد لهم يد المساعدة. بعض الآباء ما يتفطن لهذه المسألة، وبعض المعلمين لا ينتبه لهذه المعضلة. الشباب يا إخوان، يكفيهم ما فيهم من حرب من قبل أعداء الإسلام. إذن يحتاج أننا نرغبهم، وأننا نشجعهم، وأننا نتلطف معهم. لا تنفر ابنك، ولا تنفر طالبًا أتى لكي يدرس عندك. وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا». هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يوجه. البعض قد يرى أحد الشباب على خطأ، يدخن، أو فجأة لقيه مخزن، طيب، أو على غيرها من الأحوال التي هي غير مرضية. ما هو الحل يا إخوان؟ نشهر بهذا الشاب، ونجعله حديث المجالس وفاكهتها؟ الجواب: لا. الله عز وجل أمرنا أن نتلطف: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. لو رأيت شابًا يدخن، وشددت عليه: يا ضايع، يا ضايع، أهلك ما ربوك، ما هو جوابه؟ بماذا سيجيب عليك؟ مهما كبر سنك، ومهما عظم قدرك عنده، إن احترمك سيقول: امشِ في طريقك، أحسن لك. البعض سيقول: مالك دخل، أبعثك الله علي رقيبًا، أم كنت علي حسيبًا؟ لكن كلمة طيبة يا إخوان: «الله يبارك فيك يا بني، إيش هذا، أنت من أسرة طيبة، أنت إنسان محترم، وهذا لا يليق بك». كلمات طيبة تؤثر في قلبه، فيتأسف ويعتذر، وقد يعدك أنه لا يعود، أنه لا يعود. أكد يا إخوان ينبغي أن يتعامل مع الشباب. المرحلة الثالثة، وبها ننهي - وإلا يا إخوان فما من مرحلة إلا وتحتاج إلى مجالس لأهميتها، لكن حسبنا إشارات وكلمات مختصرات - المرحلة الثالثة هي مرحلة كبار السن. إذا أصبح هرمًا، أصبح شيخًا كبيرًا. كبار السن يا إخوان، هؤلاء لهم منزلة عظيمة في ديننا. يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عبد الله بن بسر، يسأل: من خير الناس؟ فيقول: «من طال عمره وحسن عمله». من طال عمره وحسن عمله. له سبعون سنة يصلي، ثمانون سنة على الإسلام، أليس له قدر يا إخوان؟ أليس له مكان في دين الله عز وجل؟ تجد المصحف بين يديه، ومع كبار سنه محافظ على العمل الصالح، ينافسون الشباب. بعض كبار السن ينافس الشباب، بل عنده همة أعظم من همة الشباب: يصوم الاثنين والخميس والأيام البيض، يقوم الليل، يختم القرآن في ثلاثة أيام، مواظب على الأذكار. أين نحن الشباب من هذا؟ كبار السن يا إخوان، لهم مكان عظيم في ديننا. ولهذا كبير السن يا إخوان مبتلى ومعرض للأمراض: تجده عنده ضغط، عنده سكر، قد يصاب بجلطة،