مخالفات الزيارات الحولية

مخالفات الزيارات الحولية

المحاضرة بعنوان مخالفات الزيارات الحولية، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الجمعة 16 محرم 1447هـ الموافق 11 يوليو 2025م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

استهلال الدرس بنعمة الإسلام والتوحيد ودعوة النبي للسرية والجهر

يستهل المتحدث بالثناء على نعمة الإسلام والتوحيد، مستعرضاً مسيرة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم من السرية إلى الجهر بتوحيد الله ومحاربة الشرك. ويختتم بتحذير النبي في مرض موته من اتخاذ القبور مساجد كما فعلت الأمم السابقة، ودعائه ألا يُتخذ قبره وثناً يعبد.

تحذير النبي ﷺ من تعظيم قبره واتخاذ القبور مساجد

يوضح المقطع تحذير النبي ﷺ الشديد من اتخاذ قبره أو قبور الصالحين مساجد أو أعياداً، مؤكداً على إخلاص العبادة لله وحده. كما يذكر أمره بتسوية القبور وعدم رفعها، وسنة الصحابة في هدم القبور المشرفة، مبيناً أن قبره الشريف كان مسنماً منخفضاً نحو شبر فقط.

إجماع العلماء على تحريم البناء على القبور ومخالفات الزيارات

نقل العلماء إجماعاً على تحريم الإسراج على القبور واتخاذها مساجد ووجوب إزالتها، مبينين أن الزيارات القبورية - خاصة الحولية - تشتمل على مخالفات عظيمة. أبرز هذه المخالفات مظاهر الشرك كدعاء الموتى والاستغاثة بهم والتمسح بأضرحتهم، والغلو في مدحهم خلافاً لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

تفريط المصلين في الصلوات والجماعات أثناء زيارات القبور

يشير المقطع إلى أن زيارات القبور تتحول غالباً إلى مواطن للتفريط في الصلوات والجماعات، حيث ينشغل الزوار بالحديث واللهو والتجارة. وبذلك تصبح هذه الزيارات سبباً للغفلة ونسيان الآخرة بدلاً من كونها تذكيراً بها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين. أما بعد: أيها الأحبة في الله، نحمد الله عز وجل الذي أنعم علينا بنعم كثيرة وآلاء عظيمة لا نستطيع لها حصراً. ومن نعمة الله عز وجل علينا - وهي تعتبر من أجل هذه النعم - نعمة الإسلام، وأن هدانا إلى التوحيد والإيمان. فلولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا. فنحمده عز وجل، ونسأله المزيد من فضله، والثبات على دينه، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. ثم جزى الله خيراً الشيخين الفاضلين على ما قدم. سمعتم في مقدمة أخينا المبارك الشيخ أبي العباس - حفظه الله تعالى - خيراً وفائدة. وهكذا في كلمة أخينا المبارك الشيخ أبي معاذ - حفظه الله تعالى -: شبهات والرد عليها وكشفها. وهذا من الأمور التي يحتاجها المسلم ولا يستغني عنها. أيها الأحبة في الله، كما يعلم الجميع أن الله تبارك وتعالى أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، دعا إلى التوحيد والإيمان. وكانت دعوته عليه الصلاة والسلام في أول أمرها بمكة هي دعوة سرية، ثم أنزل عليه صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾. فصعد على جبل الصفا فنادى: «يا صباحاه»، فعمى وخص، فاجتمع الناس حوله. فقال عليه الصلاة والسلام: «أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا». وهنا انقسم الناس إلى فريقين: إلى عدو وصديق، إلى مبغض ومحب. فاستمر عليه الصلاة والسلام في هذه الدعوة إلى التوحيد والإخلاص لله عز وجل، ومحاربة الشرك بألوانه وأشكاله، وسد الطرق التي توصل إلى الشرك بالله عز وجل، إلى أن هاجر من مكة إلى المدينة. وبقي في المدينة عشر سنين، لا زال يدعو إلى التوحيد والإخلاص، ويحارب الشرك بأنواعه وصوره. وهكذا لا زال حريصاً على حماية جناب التوحيد، وسد الطرق التي توصل إلى خلافه من الشرك والخرافات والبدع والضلالات، إلى أن توفاه الله عز وجل وهو على ذلك، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله. وحين أن دنى أوان وفاته عليه الصلاة والسلام، كان حريصاً على أن يغرس في قلوب أصحابه العناية بالتوحيد، والتحذير من الشرك بألوانه وصوره. فهذه أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها تقول كما في الصحيحين: «لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم أي الموت، جعلت على وجهه خميصة خرقة، فإذا اغتم كشفها، فقال وهو على ذلك الحال: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً». ولهذا كما سمعتم كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد». اللهم لا تجعل قبري وقبره أعظم قبر على هذه البسيطة، ليس هناك قبر أعظم من قبره، لا قبر فلان ولا علان، ومع هذا كان يقول: «اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد». «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قبور أنبيائهم مساجد». وهكذا لما ذكرت أم سلمة وأم حبيبة كنيسة رأتاها في أرض الحبشة عند النصارى هناك، وذكرت ما فيها من تصاوير، وكان عليه الصلاة والسلام في مرضه الذي مات فيه، كان عليه الصلاة والسلام يقول: «أولئك الذين إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح، بنوا على قبره مسجداً، ثم صوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله، أولئك شرار الخلق عند الله». إلى آخر أنفاسه وآخر أيامه التي عاشها في هذه الدنيا، وهو عليه الصلاة والسلام يؤكد ما دعا إليه قبل من إقامة التوحيد، وهكذا نشره في أوساط الناس، ودعوة القريب والبعيد إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله، وأنه لا يدخل الجنة إلا من كان لله موحداً، ومن حرم التوحيد فقد حرم الخير كله. ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾. وكان عليه الصلاة والسلام ينهى أن يتخذ قبره عيداً، أي يحتفل، وهكذا يجتمع الناس حوله لإقامة طقوس وشعائر وغيرها من الأمور، كان ينهى عن ذلك. قال: «لا تجعلوا قبري عيداً، ولا تجعلوا بيوتكم مقابر، ولا تتخذوا قبري عيداً». فإذا كان نهى عن ذلك مع قبره عليه الصلاة والسلام، فغيره من القبور من باب أولى أن يترك. وهكذا يجتنب هذا معه هذه الزيارات الحولية التي تقام هنا وهناك، مما عمت به البلوى اليوم، فقل أن تجد بلداً ومصراً إلا ووجد فيه منها قبوراً مبنية وقباباً مشيدة. هذه فتنة على الحاضر، وعلى البادي الذي يفد، أول ما يدخل إلى المقبرة فيجد من هذه القبور المبنية والمجصصة والمزينة والمرتفعة إلى غير ذلك. هنا تقع الفتنة، فلربما اعتقد في هذا الصلاح، وهكذا اعتقد النفع والضر وغير ذلك. ولهذا جاء في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال له: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته». قيل: سويته بالأرض، وقيل: سويته بما حوله. فهذه سنة يا إخوان: عدم رفع القبور إلا نحواً من شبر أو أقل، لأجل أن يعرف أن هذا قبر فلا يمتهن. وهكذا كان الصحابة ينهون عن رفع القبور، ويأمرون بتسويتها. وهكذا كان قبر النبي صلى الله عليه وسلم ليس مرتفعاً، كان مسنماً وعليه من الحصباء، وقدره بعضهم بالارتفاع نحواً من شبر. وهكذا قبر صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله. حي على الصلاة، حي على الصلاة. حي على الفلاح، حي على الفلاح. الله أكبر، الله أكبر. لا إله إلا الله. وقد نقل غير واحد من أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، الإجماع على تحريم الإسراج على القبور، وهكذا اتخاذها مساجد، سواء ببناء المساجد عليها أو بينها، وأنه يجب ويتعين إزالتها. قال: «لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء». وكما تعلمون أن هذه الزيارات القبورية، ومنها الزيارات الحولية السنوية، تتضمن مجموعة من المخالفات، بل تشتمل على مخالفات كثيرة وعظيمة جداً، لا تخفى على كل ذي عينين، فضلاً عمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وهذه المخالفات لا تبشر بخير، هي نذير شر. فإن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾. وهكذا يقول سبحانه: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾، إذا سكت عن الباطل، إذا لم يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر، إذا لم يحذر من هذه المخالفات، فنخشى من العقوبة إذا نزلت أن تعم الجميع. لكن ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾. إذا وجد الخير، وجد النصح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله عز وجل، فهذا مما يقي ويحمي من هذه العقوبات. من أبرز هذه المخالفات الشرعية التي تقع في هذه الزيارات القبورية - من أبرزها على سبيل الاختصار والإيجاز -: أولاً: مظاهر الشرك. مظاهر الشرك من دعاء غير الله عز وجل. فيأتي من عنده مرض، أو من معه مريض ويريد الشفاء. يأتي من اشتدت به الظروف ويعاني أحوالاً معيشية قاسية، فيطلب تنفيس هذه الكروب وجلب الأرزاق، وهكذا غيرها، حدث ولا حرج، من الأمور التي تطلب، ولا سيما مع هذه الزيارات، من هؤلاء الأموات. وصدق ربنا إذ يقول: ﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ ﴾. صدق ربنا يا إخوان: ﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ ﴾. هؤلاء يقولون: بل لا يسمعون، بل ويجيبون من يدعوهم. ﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ﴾. فمظاهر الشرك كالدعاء لهم، أو دعاؤهم، وهكذا الاستغاثة بهم، وهكذا التمسح بهذه الأضرحة، وهكذا غيرها من المخالفات التي تقع في هذه الزيارات وغيرها. بل للأسف تعلق القلوب بها أمر كثير، وهكذا عظيم. فقد تعطلت مكينة في وسط البحر، فبدلاً من أن يقول أحدهم: يا الله، أما يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض، فيأتي أحدهم وينادي بأعلى صوته، ينادي من ينادي هؤلاء المقبورين من المخلوقين الفقراء الضعفة. وهكذا أيضاً من هذه المفاسد التي تقع في هذه الزيارات: الغلو في هؤلاء الأموات. النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا تطروني، أي لا تبالغوا في مدحي، لا ترفعوني فوق منزلتي. لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». أرأيتم الأدب منه عليه الصلاة والسلام مع ربه سبحانه وتعالى؟ ولهذا لما قيل له: «ما شاء الله وشئت»، أنكر على القائل، فقال له: «أجعلتني لله نداً؟ قل: ما شاء الله وحده». وهكذا لما قيل له عليه الصلاة والسلام: «يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا» إلى غير ذلك، قال: «قولوا بقولكم هذا، أو بعض قولكم، إنما أنا عبد، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله، عبد الله ورسوله». وهكذا أيضاً من هذه المخالفات التي تقع في هذه الزيارات: إضاعة الصلوات والتخلف عن الجماعات. أنا مررت مع إقامة الصلاة على الخطأ العام، وغيري أيضاً مر ورأى، وغيري رأى تلكم الجموع التي في الساحات، والناس تصلي، والكثير لا زال منشغلاً بالحديث واللهو والبيع والشراء وغير ذلك. إذا كانت زيارة للقبور، فلماذا شرعت الزيارة؟ أليست لكي تذكرنا بالآخرة؟ لكن هذه الزيارات ما تذكر بالآخرة، هذه تنسي الآخرة، هذه تورث الغفلة