المحاضرة بعنوان الحث على التعاون، ألقاها
شبه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين في توادهم وتراحمهم بجسد واحد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وأمر الله بالتعاون على البر والتقوى، مبيناً صوراً عملية لهذا التعاون كإعانة الصانع، تعليم الجاهل، وكف الأذى عن الناس، وكلها تُعد صدقات وأعمالاً محبوبة عند الله.
يبرز المقطع مكانة إعانة المسلمين ومساعدتهم كأحب الأعمال إلى الله، مستدلاً بأحاديث تؤكد أن أنفع الناس أحبهم إلى الله، وأن من فرج كربة مؤمن فرج الله عنه كربة يوم القيامة. كما يوضح أن الجزاء من جنس العمل، وأن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، داعياً إلى الحرص على مساعدة الضعفاء والمحتاجين.
يروي المقطع قصة رجل كان يداين الناس فكان يأمر غلمانه أن يتسامحوا مع المعسر، فغفر الله له بفضل تسامحه، ويستشهد بحديث النبوي في إنظار المعسر أو الوضع عنه. ثم ينبه على انتشار الطمع والجشع وترك مساعدة المحتاجين، داعياً المسلمين إلى التعاون وإعانة إخوانهم في حوائجهم رجاء مغفرة الله ونجاته من كرب يوم القيامة.
يختم المتحدث بتوجيه النصيحة لنفسه ولإخوانه بالحرص على الأعمال التي تجلب رحمة الله وعونه، وتقيهم عذابه يوم القيامة، مؤكداً على أن التعاون والتراحم من أعظم أسباب نيل الرحمة. ويختتم بالدعاء بالتوفيق والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فقد جاء في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. وهكذا أيضاً جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»، وشبك بين أصابعه صلى الله عليه وسلم. في هذين الحديثين، وهكذا ما كان في معناهما من الأحاديث، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة أمة الإسلام ينبغي أن تكون أمة واحدة فيما بينها من التراحم، وفيما بينها من التواد، وفيما بينها من التعاون. ربنا تبارك وتعالى يقول في محكم تنزيله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. واتقوا الله إن الله شديد العقاب. فالمؤمنون هم كالجسد الواحد، هم كالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. وهذا مثل عظيم يضربه النبي صلى الله عليه وسلم للتعاون والتواد الذي يكون بين أهل الإسلام. فهذا الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو من أعضائه فإن جميع هذا الجسد يتداعى ويتألم ويتوجع لوجع ذلك العضو، وذلك المصاب الذي أصاب هذا العضو. وهكذا أهل الإسلام، وهكذا أهل الإسلام. ولهذا سبق معنا قوله عز وجل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. إعانة المسلمين بعضهم لبعض يعتبر من العبادات العظيمة، وهكذا أيضاً يعتبر من الأعمال التي يحبها ربنا عز وجل ويرضاها لخلقه وعبيده، ويرضاها لخلقه وعبيده. ولهذا جاء في الصحيحين من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ أي الأعمال أفضل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بالله والجهاد في سبيله». الإيمان بالله والجهاد في سبيله. قلت: ثم أي الرقاب أفضل؟ قال: «أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمناً». قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: «تعين صانعاً، أو تصنع لأخرق». قال: «تعين صانعاً» يعني صاحب حرفة، أو من يعمل عملاً تعينه في عمله. قال: «أو تصنع لأخرق» يعني إنساناً جاهلاً أو أحمق لا يستطيع أن يصلح أمره وعمله، فتقيم أو فتقوم وتعلمه حرفته أو مهنة، تعلمه مثلاً النجارة، أو تعلمه الحدادة، أو تعلمه الزراعة حتى يتكسب من هذه المهنة. قال: «تعين صانعاً أو تصنع لأخرق». قال أبو ذر رضي الله تعالى عنه: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض ذلك العمل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تكف شرّك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك». تكف شرّك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك. وهكذا جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «على كل مسلم صدقة». على كل مسلم صدقة. فقالوا: يا نبي الله، فمن لم يجد؟ فمن لم يجد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فيعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق». فيعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق. قالوا: فإن لم يجد؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يعين ذا الحاجة الملهوف». يعين ذا الحاجة الملهوف. قالوا: فإن لم يجد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فليعمل بالمعروف، وليمسك عن الشر، فإنها صدقة له». فإنها له صدقة. انظروا يا عباد الله كيف جعل النبي صلى الله عليه وسلم القيام بإعانة الناس ومساعدتهم من أحب الأعمال إلى الله تبارك وتعالى، ومن أجل العبادات التي يتقرب أهل الإيمان بها إلى الله تبارك وتعالى. بل جاء في حديث ابن عمر عند الإمام الطبراني في معجمه الكبير، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في سلسلته الصحيحة وصحيح الجامع، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي العمل؟ أو أي الناس أحب إلى الله تعالى؟ وأي العمل أحب إلى الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس». أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس. «وأحب العمل إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم». وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم. «أو تفرج عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً». أو تطرد عنه جوعاً. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً». قال: يعني مسجد المدينة. «ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً». قال: يعني مسجد المدينة. «ومن كف غضبه، ستر الله عورته، ومن كظم غيظاً ولو شاء يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رجاء». «ومن مشى مع أخيه في حاجة له حتى تتهيأ، ثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام». ثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام. انظروا يا عباد الله ما في الإعانة لإخوانك المسلمين من فضل عظيم، ومكانة رفيعة في ديننا، ومكانة الرفيعة في ديننا. ولهذا يا عباد الله مما ينبغي علينا أن نعلمه: أن الجزاء من جنس العمل. أن الجزاء من جنس العمل. وأن من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته. كان الله في حاجته. ولهذا جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة». ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة. وهكذا جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه». ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه. انظروا يا عباد الله إلى هذا الفضل العظيم الذي يكرم به ربنا عز وجل من عباده، من كان مع إخوانه المسلمين، من كان مع إخوانه المسلمين. وهذا يجعل العبد دائماً وأبداً حريصاً على إعانة الضعيف، ومساعدة المحتاج، والرفق باليتيم والمسكين والفقير. فكل يعين أخاه بما يستطيعه من أسباب. وسلم وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث حذيفة بن اليمان عند البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى: «أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالاً، فقال له ربنا تبارك وتعالى: ماذا عملت في الدنيا؟ قال: ولا يكتمون الله حديثاً». ولا يكتمون الله حديثاً. فقال ذلكم العبد: يا رب، آتيتني مالك، فكنت أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز. وكان من خلقي الجواز. ومعنى الجواز: أي التسامح والتساهل. التسامح والتساهل. قال: «فكنت أتيسر على الموسر، وأنظر المعسر». الذي عنده ما يدفع، فهذا أو يسر له الحاجة التي بمئة مثلاً يعطيها إياه بثمانين، بتسعين. قال: «وأنظر المعسر الذي ليس عنده شيء، فهذا أنظره، أصبر عليه»، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾. فنظرة إلى ميسرة. قال: «فكنت أتيسر أو أتيسر على الموسر، وأنظر المعسر». فقال الله تعالى: «أنا أحق بذا منك». أنا أحق بذا منك. ثم قال ربنا تبارك وتعالى: «تجاوزوا عن عبدي». تجاوزوا عن عبدي. وهكذا جاء في مسلم عن أبي قتادة الأنصاري أنه طلب غريماً له، طلب غريماً له، يعني شخصاً عنده له مال. قال: فتوارى عنه، اختبأ منه، ثم وجده، ثم وجده. فقال ذلكم الرجل: إني معسر. قال ذلكم الرجل لأبي قتادة: إنني معسر. فقال له أبو قتادة: آهِ الله، يعني: يا الله، أنك معسر. قال: آهِ الله. قال: فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر، أو يضع عنه». من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، ليست كربة واحدة، بل من كرب يوم القيامة. قال: «فلينفس عن معسر، أو يضع عنه». سان المعسر: اصبر عليه، خفض له، أو تجاوز عنه، لعل الله عز وجل أن يتجاوز عنك. هذه المواضيع إخواني في الله اليوم بسبب ضيق المعيشة، وبسبب لربما غلاء الأسعار وارتفاعها، وقلة الأعمال، بسبب ما يعيشه الناس اليوم، لربما قَلَّ في قلوب كثير من المسلمين، غلب على بعضهم الطمع والجشع والحرص على جمع المال، وآخرون غلب على قلوبهم البخل، والشح، وهكذا الأنانية، ولا يهمه إلا نفسه، فلا يفعل للمسلمين شيئاً إلا بمقابل. تأتي إلى إدارة من الإدارات أو مؤسسة من المؤسسات، لربما لا يوقع الموظف إلا إذا دفع، ماذا؟ إذا دفع حق الشاهي، يسمى حق الشاهي، وبعضهم يسميه بماذا؟ يسميه بحق القاتل. وهكذا آخرون لا يعمل لك شيئاً إلا بمقابل. لربما تمر على شخص يقف في الشمس ينتظر السيارة، وأنت عندك سيارة أو عندك دراجة، ما يمنعك يا عبد الله أن تعين أخاك المسلم فتحمله على مركوبك، لعل الله عز وجل أن ينجيك من حر نار جهنم يوم القيامة. وهكذا لربما يمر البعض على أخيه يحمل دبة غاز على ظهره ثقيلة، ومن عفته أنه لا يريد أن يتنازل، فماذا يقول لأخيه؟ احمل هذا معي، يستحي. ما ضرك يا عبد الله أنك تحمل معه دبة الغاز، أو على ظهره كيس من الأرز أو الدقيق أو غير ذلك؟ والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. إخواني في الله، للأسف الشديد، كثير من أهل الإسلام لربما قَلَّ، ولربما ضعف في قلوبهم هذا الواجب، وهذا الأمر الذي ينبغي أن يكون عليه أهل الإسلام. اليوم أخوك يقف في الشمس، غداً أنت. اليوم أخوك يحمل دبة الغاز، غداً أنت. ولهذا ما أحوج المسلم إلى أن يكون له صديق يساعده. ولهذا أحسن بعض البلغاء حين قال: «صديق مساعد، عضد وساعد». صديق مساعد، عضد وساعد. ما بين المنكب إلى المرفق، والساعد ما بين المرفق إلى الرسغ. قالوا: صديق مساعد، عضد وساعد. فإعانة الإخوان ومساعدتهم هذا يعتبر من أحب الأعمال إلى الله تبارك وتعالى، وهذا باب طويل لا يسعه مثل هذا المقام، وإنما هذه إشارات ورموز. وهكذا ذكر لي أولاً، ثم لإخواني ثانياً، أن نهتم بهذه الجوانب، لعلها تكون سبباً في رحمة الله عز وجل لنا، ولعلها تكون سبباً في إعانة الله لنا، ولعلها تكون سبباً في أن ننجو من عذاب الله عز وجل يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين، والله تعالى أعلم.