الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 15، ألقاها
يشرح المقطع شروط لا إله إلا الله المذكورة في الكتاب والسنة مثل العلم واليقين والإخلاص والصدق والمحبة والقبول. يُبين أهمية هذه الشروط في تحقيق نفع هذه الكلمة للعبد.
يشرح المقطع شروط لا إله إلا الله مثل القبول والإنقياد والكفر بالطاغوت، ويبين أن من لم يأتِ بهذه الشروط لا تنفعه لا إله إلا الله، وأن الناس متفاوتون في تحقيق هذه الشروط.
يشرح الشيخ أهمية تحقيق التوحيد وشرط الإسلام لقبول العبادات، ويبين أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ولكن لا يقبل منهم إلا بعد الإسلام، ويؤكد على أهمية التدرج في الدعوة وبدءها بتعليم التوحيد.
يناقش المقطع أهمية الصلاة والزكاة وارتباطهما بالأركان الإسلامية الأخرى، ويحذر من الظلم وأخذ الأموال بغير حق، ويتطرق إلى مسألة تارك الصلاة والزكاة وآراء الفقهاء حول تكفيرهما.
المقطع يختم بالصلاة على النبي وآله وصحابته، ويتضمن الدعاء بالاستغفار والتوبة، ويُظهر الخشوع والتقوى في نهاية النص.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد. قال العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى جميعا- قال: وتقدم أن لا إله إلا الله قد قيدت بالكتاب والسنة بقيود ثقال، وكما تقدم، وأن أشرنا أن لا إله إلا الله ليس هو عبارة ولا يعمل كذلك بمقتضاها، وما دلت عليه هذه الكلمة من المعاني العظام. لذا يقول الشارح عبد الرحمن بن حسن -رحمه الله- بأن لا إله إلا الله قد قيدت بالكتاب والسنة، إذن نعلم من هذا أن هذه القيود التي ذكرت في لا إله إلا الله إنما هي من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فليست هي من كيس أحد من الناس، لا حجة بقوله، بل هو من كتاب الله جل وعلا أو من سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما مضى معنا شيء من ذلك عند الكلام على لا إذا أتى بالقيود والشروط التي لا تنفع لا إله إلا الله إلا بها. لذا يقول -رحمه الله- منها: وقوله -رحمه الله تعالى- منها، ها هنا "من" ها هنا بيانية، أي ليست على سبيل التبعيد، ليست المذكورات الثمانية والشروط الثمانية هي بعض القيود، وإنما هي القيود التي من أتى بها فقد أتى بقيود لا إله إلا الله، وبشروط لا إله إلا الله، وبه أو بها تكون لا إله إلا الله نافعة للعبد. فقوله منها: العلم، والعلم ضده الجهل، فلا ينفع إنسانا أن يقول لا إله إلا الله وهو جاهل بلا إله إلا الله، وهو جاهل بمعناها، كما هو حال كثير من المنتسبين إلى الإسلام ممن يقول لا إله إلا الله بلسانه، ولا يعلم معنى لا إله إلا الله، بل كما مر معنا أن أهل الكتاب كانوا يقولون لا إله إلا الله، ولكنهم لا يعلمون معناها، أو أنهم يعلمون معناها ولكنهم لا يعملون بمقتضاها، فلم تنفعهم لا إله إلا الله. بل أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذا حين بعثه إلى اليمن بأن يكون أول ما يدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وهذا إن دل على شيء دل على أن لا إله إلا الله لم تنفع أولئك، مع أنهم موصوفون بأنهم من أهل العلم، إنك تأتي قوما أهل كتاب -أي أهل علم- ولكن علمهم قاصر، فلم يعلموا من علمهم أعظم العلم وأكبر العلم وأجل العلم، وهو العلم بمعنى لا إله إلا الله، والعمل بمقتضى ذلك العلم. والعمل بمقتضى ذلك العلم، فإذا لا إله إلا الله لا بد لها من هذا الشرط: العلم، لذا قال الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾، فاعلم أنه لا إله إلا الله، أي يجب أن يعلم الإنسان معنى لا إله إلا الله، وما دلت عليه لا إله إلا الله، وما يلزم من قول القائل لا إله إلا الله، وما هو مقتضى لا إله إلا الله. وكثير من الناس ممن ينطق بلا إله إلا الله بلسانه لا يعلم هذه الحقيقة ولا هذا المعنى، فوقع في الشرك ووقع في الجهالات وهو يحسب أنه يحسن صنعا. قال -رحمه الله تعالى- واليقين، وهو المنافي لشك، لا بد أن يقول الإنسان لا إله إلا الله، إن نطق بلا إله إلا الله أن يكون على يقين؛ لأن من كان شاكا في هذا المعنى لم تنفعه لا إله إلا الله، من قال بلسانه لا إله إلا الله وهو يشك أنه لا إله إلا الله، يقول: قد يكون مع الله إلها آخر، فمثل هذا لا تنفعه لا إله إلا الله؛ لأنه قالها من غير يقين، لم يكن متيقنا بها، بل كان شاكا مرتابا، ومثل هذا كذلك لا تنفعه لا إله إلا الله. وهؤلاء أقرب ما يكون في حال هؤلاء حال المنافقين، فكثير من المنافقين ممن نطق بلا إله إلا الله كان شاكا مرتابا في حقيقة لا إله إلا الله، فلم تنفعهم لا إله إلا الله؛ لأنهم لم يقولوها عن يقين، لم يكونوا متيقنين بهذا المعنى الذي دلت عليه لا إله إلا الله، وهو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وأن أحدا لا يستحق العبادة إلا الله جل وعلا. قوله -رحمه الله تعالى- والإخلاص، كذلك المنافي للشرك، الإخلاص والمنافي للشرك لا بد أن يقولها أن يقول لا إله إلا الله مخلصا لله جل وعلا، فلا يقول لا إله إلا الله وهو يشرك بالله جل وعلا معه غيره، هذا لا تنفعه لا إله إلا الله، ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾، ﴿قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له ديني﴾، والآيات في ذلك كثيرة. فلا بد من الإخلاص، ومن لم يأت بالإخلاص بأن قال لا إله إلا الله بلسانه، وأشرك مع الله جل وعلا غيره، وعبد غير الله جل وعلا، ولم يجعل العبادة خالصة لله وحده لا شريك له، فإنه لم يأت بلا إله إلا الله بقيودها وشروطها، فلم تنفعه لا إله إلا الله. وكذلك الصدق، أن يكون كذلك صادقا بهذه في نطقه وقوله بلا إله إلا الله، بمعنى أن من قال لا إله إلا الله بألسنتهم، وقلوبهم مكذبة لذلك، كحال المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، هؤلاء لم ينفعهم لا إله إلا الله؛ لأنهم مكذبون لهذا الأمر ولهذا المعنى ولهذه الحقيقة التي يجب على كل إنسان تصديقها، ولا نجاة لأحد إلا بذلك. قالوا: المحبة، أي كذلك المحبة المنافية للبغض، المحبة المنافية للبغض لا بد لإنسان إذا قال لا إله إلا الله أن يكون محبا لهذه الكلمة، أن يكون محبا لما دلت عليه، فليس مبغضا لها بأن يعلم ويتيقن ويصدق ويحب أن يقول لا إله إلا الله، وتطمئن نفسه بذلك، بخلاف من قال لا إله إلا الله وهو باغض لذلك، فمثل هؤلاء لا تنفعهم كذلك لا إله إلا الله؛ لأن هؤلاء كذلك حقيقتهم أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم؛ لأنهم يبغضون أن يقولوا لا إله إلا الله، وهذا كحال كذلك كثير من المنافقين ممن يكره أن يقول لا إله إلا الله بلسانه عن غير محبة لهذه الكلمة ولما دلت عليه هذه الكلمة من المعاني العظيمة التي حقيقتها إخلاص الدين لله وحده لا شريك له. قال: والقبول، وهو المنافي للرد، القبول هو المنافي للرد، بمعنى أن يقول لا إله إلا الله فيقبل هذه الكلمة، وما دلت عليه هذه الكلمة من أمور ومقتضيات ولوازم إلى غير ذلك. ومعنى هذا أن من قال لا إله إلا الله ولم يقبل ما دلت عليه لا إله إلا الله، لم يقبل ما دلت عليه لا إله إلا الله من إخلاص الدين لله وحده لا شريك له، ونبذ واجتناب والبراءة من الشرك وأهله، من لم يقبل ذلك فإن لا إله إلا الله لا تنفعه؛ لأن ما أتى بالقبول التي به يكون النفع بلا إله إلا الله، بل رد ذلك، يقول لا إله إلا الله بلسانه وهو يعبد غير الله، وهو يوالي المشركين على دينهم، وما شابه ذلك، فبمثل هذا لا تنفعه لا إله إلا الله. قالوا: والإنقياد، الإنقياد وهو كذلك من الشروط، بأن ينقاد، فلا يتفلت عما جاءت به لا إله إلا الله، بل يكون منقادا لهذه الكلمة ولما دلت عليه هذه الكلمة من الأمور، ولازم هذا. ومعنى هذا أن من لم ينقض لهذه الكلمة ولما دلت عليه بأن لم يلتزم بما دلت عليه لا إله إلا الله من إخلاص الدين لله فيعبد غير الله، يدعو غير الله، يستغيث بغير الله، وما شابه ذلك، فهذا لم ينقض، فلا تنفعه أن يقول بلسانه لا إله إلا الله؛ لأنه ما أتى بشرطه الذي منه الإنقياد الذي منه الإنقياد، بل لم ينقض لهذه الكلمة، بل تمرد عنها وعن ما دلت عليه من معاني عظام. قال: والكفر بما يُعبد من دون الله، والكفر بما يُعبد من دون الله، أي هذه كذلك هذا الأمر من الشروط، بأن يكفر بما يُعبد، بما يُعبد من دون الله، وهذا معنى "لا إله"، أي لا معبود حق إلا الله، فيكفر بعبادة كل ما سوى الله، ويتبرأ من أهل تلك العبادة لغير الله جل وعلا، فيتبرأ من الشرك وأهله، كما قال الله جل وعلا: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾، إذا لا بد من كفر بالطاغوت، لا بد في لا إله إلا الله من الكفر بالطاغوت. فمن لم يكفر بالطاغوت فلم يؤمن بالله، كما هو رص هذه الآية، ﴿ومن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله﴾، ﴿ومن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾، وهو الإسلام، وهو التوحيد، ومن لم يأت بذلك فلم يستمسك بها، ولم يأت بها على وجهها. قد يقول قائل: مرة معنا في دروسنا التي مضت في "فتح المجيد" أن الشروط المذكورة سبعة دون ذكر الثامن، وهو الكفر بالطاغوت، فعلى ماذا يحمل هذا؟ والجواب: أن هذا كما قال من أهل العلم يحمل على أن الشروط المذكورة في كتاب "فتح المجيد" السبعة دون ذكر الثامن محمول على الاختصار؛ لأن الكفر بالطاغوت يدخل ضمن الشروط المذكورة، يدخل ضمن الشروط المذكورة، فيدخل ضمن الإخلاص، أي من شرط لا إله إلا الله الإخلاص، والإخلاص المنافي لإيش؟ للشرك، المنافي للشرك، فلابد من ماذا؟ من عدم الشرك والبراءة من أهله، وما ذكرها هنا على سبيل البسط، وما ذكرها هنا على سبيل البسط، وهذا أسلوب عربي وأسلوب شرعي، أسلوب عربي وأسلوب شرعي، أي تارة يقتصر ويقتصر على بعض الشروط أو الأنواع، وتارة يبسط فتذكر بقية الشروط والأنواع أو تذكر بكاملها في موضع آخر. قال: فإن اجتمعت هذه القيود لمن قالها نفعته هذه الكلمة، وإن لم تجتمع هذه لم تنفعه، أي بمعنى أن الإنسان لو أتى ببعضها ولم يأت بالبعض الآخر لم تنفعه لا إله إلا الله؛ لأنه ما أتى بشروطها كبقية أو كغيرها من شروط العبادات. فمثلا لو أن إنسانا أتى إلى الصلاة فاستقبل القبلة ولبس الثياب الطاهرة وتهيأ للصلاة وصلى وركع وسجد، ولكنه من غير طهارة ترك شرطا من شروط الصلاة، هل تنفعه تلك الصلاة؟ وهل تكون تلك الصلاة صحيحة نافعة؟ الجواب: لا. وكذلك لا إله إلا الله، من لم يأت بشرط من هذه الشروط لم يصح منه، ولا تنفعه لا إله إلا الله؛ لأنه ما أتى بشروطها وقيودها، ما أتى بشروطها وقيودها. قوله: والناس متفاوتون في العلم بها والعمل، بمعنى أن الناس في هذه الشروط متى تنفعهم هذه الكلمة باعتبار أصلها؟ أن يأتوا بأصل هذه الأشياء، أن يأتوا بأصل هذه الأشياء، أي أن يكون أصل في العبد الإنقياد، القبول، لكن قد يحصل منه ماذا؟ الهفوة والزلة، فيرتكب المعاصي، ويحصل منه من الذنوب إلى غير ذلك، مع أن أصل القبول موجود، أصل الإنقياد موجود، وغير ذلك من الأمور. لذا يقول الشيخ -رحمه الله- والناس متفاوتون في العلم بها، يعني مثلا لا إله إلا الله، هل الناس في العلم بلا إله إلا الله سواء؟ بل نخص ذلك، هل أهل التوحيد في العلم بلا إله إلا الله سواء؟ الجواب: أنهم متفاوتون، وهذا كغيرها من الأمور القلبية، أن الناس متفاوتون فيها، فتوحيد العلماء من أهل التوحيد فوق توحيد من دونهم؛ لأنهم يعلمون ما لا يعلمه من هو دونهم، وكذلك من كان أقرب إلى العلماء كان عندهم من العلم بلا إله إلا الله أعظم ممن هو دونه، وهكذا. إذن هذه الشروط وإن وجدت في أهل التوحيد إلا أنهم متفاوتون في تحقيق هذه الشروط، وفي كمالها، في تحقيق هذه الشروط، وفي ماذا؟ وفي كمالها، لذا يقول -رحمه الله- في العلم بها والعمل، كما مثلنا في العلم كما ذكرنا في شرط العلم، وفي العمل كما ذكرنا مثلا في شرط القبول. في شرط القبول: الأصل المؤمن أنه يقبل كل ما جاء عن الله جل وعلا وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، لكن بعض الناس لشهوة أو لزلة ربما تحصل منه الهفوة فيقع في المعاصي، فهذا يقع منه تقصير، نقص في ماذا؟ في هذا المعنى، من حيث العمل، مع أن قلبه مقر بما جاء عن الله جل وعلا وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، أنه مرتكب لحرام، مرتكب لمعصية، فهو بهذا العمل القلب يكون امتثلا لأمر القبول، وباعتبار ما وقع منه من التفريط والزلل بأن وقع منه بعض المعاصي، يكون وقع منه نقص في شرط القبول، نقص في شرط ماذا؟ في شرط القبول. نعطي مثالا آخر: والشيء كما يقال: يعني بالشيء يذكر، والنظير بنظيره يظهر، إنسان مثلا أتى إلى الصلاة توضأ وضوءا سريعا، مرة مرته مرع الأعضاء بوضوء سريع، وآخر توضأ فأسبغ الوضوء وأتم الوضوء وأكمل الوضوء، وتوضأ في الأعضاء التي هي ثلاثا، إلى آخره، وصلوا، هل هذان هل هذان قاما بالشرط؟ أم لا؟ قاما بشرط الصلاة التي هي الطهارة؟ أم لا؟ الجواب: نعم قاما، لكن هل هما سواء؟ الجواب: ليسوا سواء، من حيث العمل، ليسوا سواء من حيث ماذا؟ العمل، واضح، الذي هو فرع عن ماذا؟ عن العلم، واضح، جماعة ذلك لما قام في قلبه من العلم العظيم استكمل العمل، دونه لما كان دونه في العلم قام بما قام به من عمل. فالحاصل: أن الشرط قد يوجد أصله، ولكنهم يتفاوتون في ماذا؟ يتفاوتون في ذلك الشرط، لذا يقول الشيخ -رحمه الله- والناس متفاوتون في العلم بها والعمل، فمنهم من ينفعه قولها، ومنهم من لا ينفعه، كما لا يخفى. أي فمنهم من ينفعه قولها قد يحمل هذا الكلام: ينفعه قولها نفعا مطلقا، نفعا مطلقا، فيكون من أهل التوحيد الكامل الذي من حقق التوحيد دخل الجنة، كما جاء في الأحاديث التي مرت معنا في الباب السابق في باب "من حقق التوحيد دخل الجنة"، قوله هذا قد يحمل على هذا المعنى، وقوله: ومن لا ينفعه، ومنهم من لا ينفعه -كما لا يخفى- أي لا يكون من أهل الأمن التام، ولا من أهل تحقيق لا إله إلا الله الكامل، فهو معرض للعقوبة، معرض للعقوبة، هذا معنى هذا. ومعنى آخر قد يفهم من كلامه -رحمه الله- بأن قوله -رحمه الله- فمنهم من ينفعه قولها، أي أنه يكون من أهل التوحيد، ومنهم من لا ينفعه -كما لا يخفى- أي لا ينفعه قولها، أي لا إله إلا الله؛ لأنه لم يأت بشرطها، لم يأت بشرطها، أو لم يأت بشروطها، واضح. جماعة عملا، فقوله -رحمه الله- فمنهم من ينفعه قولها قد نقول: أن قوله فمنهم عائد على ماذا؟ على أقرب جملة، واضح، على أقرب جملة، وعلى هذا سيكون معنى الكمال، واضح، جماعة، يكون على معنى الكمال، أي من حقق التوحيد داخل الجنة، تكون نافعة له بدخول الجنة، دخولا أوليا بإذن الله رب العالمين جل وعلا، والآخر يكون معرضا، يكون معرضا لعقوبة الله جل وعلا، فيكون تحت مشيئة الله، يكون تحت مشيئة الله، هذا معنى. والمعنى الآخر كما سمعتم يكون فمنهم من تنفعه، أي ممن أتى بشروطها، ممن أتى بشروطها، ومنهم من لا تنفعه، ممن لم يأت بشروطها، وإن كان هذا الأخير هو الأظهر، وإن كان هذا الأخير هو الأظهر، على أن كلا الأمرين محتمل، كلا الأمرين محتمل، لكن من حيث الأقرب والأظهر أن مقصوده -رحمه الله تعالى- المعنى الثاني، لذا قال: ومنهم من لا ينفعه -كما لا يخفى- أي لا ينفعه قولها، قوله لا إله إلا الله؛ لماذا؟ لأنه لم يأت بشرط لا إله إلا الله. قوله -رحمه الله تعالى- فإنهم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فيه دليل على أن المشرك لا يطالب بفعل صلاة إلا إذا أسلم بتركه الشرك باطنا وظاهرا؛ لأن الإسلام شرط لصحة العبادة، كما قال النووي -رحمه الله- ما معناه: إنه يدل على أن المطالبة بالفرائض في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام، ولا يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها، ويزاد في عذاب في الآخرة، والصحيح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور بها والمنهي عنه، وهذا قول الأكثرين. انتهى كلامه -رحمه الله تعالى- والحاصل والخلاصة: أن قوله -رحمه الله تعالى- فيه دليل على أن المشرك لا يطالب بفعل الصلاة إلا إذا أسلم؛ لماذا؟ لأن مناط تكليف الإسلام، بمعنى أن من لم يكن مسلما فإنه لا ينفعه عمل، لا ينفعه عمل، لو صلى، لو زكى، لو فعل ما فعل، لا ينفعه ذلك. قال الله جل وعلا: ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ورسوله﴾، فكان المانع من قبول نفقاتهم أنهم كفروا بالله ورسوله، إذا لا بد من الإسلام، ثم بعد ذلك يأتي العمل، والإسلام بلا إله إلا الله يدخل الإنسان في الإسلام بقوله لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنهم أطاعوك لذلك فأعلمهم»، وهذا فيه كذلك إلى جانب ما تقدم التدرج في الدعوة، فيه التدرج في دعوة المدعوين، وفيه كذلك البدء بالأهم فالأهم، البدء في الدعوة بالأهم فالأهم. فلا يأتي إنسان يعلم الناس الزهد والرقائق والناس في شرك، والناس لا يعلمون معنى لا إله إلا الله، بل يبدأ أول ما يبدأ بدعوته بتعليم التوحيد، فإن كانوا أهل توحيد -بحمد الله رب العالمين- يعلمهم ما يحتاجونه، إن كانوا يحتاجون إلى معرفة الصلاة، علمهم إلى معرفة أحكام مثلا الطهارة، أحكام ما يحتاجون إلى معرفته، بدأ بهم بما يحتاجون إليه. قوله -رحمه الله تعالى- وهذا قول أكثر، أي أن قول الأكثرين على أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، بمعنى أنهم مأمورون بالصلاة، مأمورون بالزكاة، مأمورون بما أمرهم الله جل وعلا به، نهيون عما نهاهم الله جل وعلا، لكن لا يقبل منهم، لا يقبل منهم الأوامر التي أمرهم الله جل وعلا بها إلا بشرطها، وهو الإسلام، وهو الإسلام، هو لا إله إلا الله. قال -رحمه الله تعالى- قوله: «فإنهم أطاعوا لذلك فإنهم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تأخذ من أغنياء فترد على فقرائهم»، فيه أن الزكاة لا تنفع إلا من وحد الله، وصل الصلوات الخمس، وصل الصلوات الخمس بشروطها وأركانها وواجباتها، أي أن الصلاة لا بد أن يؤتى بها كما ذكر -رحمه الله تعالى- بشروطها وأركانها وواجباتها، لا تكون صلاة مختلة ليس فيها معنى من هذه المعاني. وتعرفون الأثر الذي رواه البخاري -رحمه الله تعالى- عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه وأرضاه- أنه رأى رجلا يصلي صلاة ينقر فيها نقرا -أي سريعا- فقال له حذيفة -رضي الله عنه وأرضاه-: «إذا صليت فاطمئن»، أو كما قال، ثم قال له: «أما إنك إذا مت على هذه الحال مت على غير الفطرة»، مت على غير الفطرة؛ لماذا؟ مت على غير الفطرة؛ لأنه لم يأت بأركان الصلاة. بل أعلى من ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه وأرضاه- في حديث المسيء في صلاته، حينما دخل فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فصلى ركعتين، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجع فصلي فإنك لم تصل»، وهكذا كرره عليه النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا، أشهد من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «ارجع فصلي فإنك لم تصل»؛ لماذا؟ لأنه لم يطمئن في صلاته. ومنها هنا نعلم خطر هذا الأمر، وخلل صلاة كثير من المسلمين، تجدوا إذا صلى نقر الصلاة نقرا، لا يطمئن في ركوعه ولا في سجوده، فمثل هذا يخشى عليهم من عدم قبول الصلاة، وعدم كونه من المصلين، عدم أن يخشى عليهم أن يكون من غير المصلين. وكما سمعتم أن حذيفة قال لذلك الرجل: «أما إنك إذا مت مت على غير الفطرة»، أي على غير الإسلام. قال -رحمه الله تعالى- والزكاة قرينة الصلاة في كتاب الله تعالى، ويدل على هذه الجملة قوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾، فمن أتى بهذه الأمور أتى ببقية الأركان؛ لقوة الداعي إلى ذلك؛ لأن ذلك يقتضي الإتيان بها لزوما. وهذا فيه إشارة لطيفة من العلامة عبد الرحمن بن حسن -رحمه الله- وكما ذكرنا مرارا أن هذا الكتاب ملئ بهذه الفوائد العظيمة، والنكات البديعة الخفية بهذه الأسلوب المختصر، الشيخ عبد الرحمن -رحمه الله تعالى- عبد الرحمن بن حسن أشار إلى مسألة وقع فيها الإشكال، إلى مسألة وقع فيها الإشكال في هذا الحديث، وهو لماذا النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن، وبعث معاذا إلى اليمن بعد أن استوفت الشرائع، اكتملت الشرائع، أي قد شرعت الصلاة والزكاة والصوم والحج، فلماذا النبي صلى الله عليه وسلم أمره بهذه الأوامر الثلاثة: لا إله إلا الله، الصلاة، الزكاة؟ لماذا لم يقل له: «فإنهم أطاعوا لك لذلك فإنهم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم أن يصوموا في كل شهر»، أو «في السنة شهر رمضان»، «فإنهم أطاعوا لك لذلك فأخبرهم أن الله جل وعلا افترض عليهم أن يحجوا في العام»، أو «في العمر مرة»، لماذا ما ذكر الصوم والحج؟ وقع إشكال في هذا الحديث، وغيره من الأحاديث التي جاء فيها ذكر بعض الأركان دون بعض. وأحسن الأجوبة عن هذا الحديث خاصة ما ذكره الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن -رحمه الله تعالى- ها هنا بقوله: بقوله: «فمن أتى بهذه الأمور» -أي بلا إله إلا الله والصلاة والزكاة- قال: «أتى ببقية الأركان»؛ لماذا؟ قال: «لقوة الداعي لذلك؛ لأن ذلك يقتضي الإتيان بها لزوما»، وهذا من أحسن التوجيهات لهذا الحديث، إن لم يكن أحسنها، إن لم يكن هذا التوجيه أحسنها. ومنه كما سمعتم من العلم ما في هذا الكتاب من فوائد منثورة، وتقييدات عظيمة محبورة. قال -رحمه الله تعالى- قال تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾، قال أنس: في الآية توبتهم خلع الأوثان وعبادتهم ربهم، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والحديث رواه ابن ماجة وغيره، وذكر المحقق عندنا بأنه ضعيف؛ لأنه من طريق أبي جعفر الرازي -أي عيسى بن ماهان- وهو كذلك من رواية عن ربيع بن أنس، ورواية عن ربيع بن أنس فيها ضعف، والطرق، فالحاصل أنه لا يصح. وعن ابن مسعود مرفوعا: «أمرت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن لم يزك فلا صلاة له»، وهذا أيضا ضعيف، أي رواية موقوفا، رواه الطبراني في "المعجم الكبير" وغيره، وفيه إسماعيل بن عمر البجلي، ضعيف. وقال ابن زيد: «أبى الله أن تقبل الصلاة إلا بالزكاة»، وابن زيد هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والأثر ذكره ابن كثير -رحمه الله تعالى- في تفسيره. والشاهد من هذه الآثار: أن الصلاة، أن الزكاة قرينة الصلاة في كتاب الله جل وعلا، وتعرفون ما جاء في قصة قتال الردة، وقال أبو بكر -رضي الله عنه وأرضاه-: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة»، «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة». ومسألة الصلاة، تعرفون في تارك الصلاة قولان لأهل العلم، شهيران، منهم من يكفر تارك الصلاة مطلقا، ومنهم من يفرق بين من تركها تهاونا وتكاسلا مع اعتقاد وجوبها، فيقول: أن من تركها تهاونا وتكاسلا فإنه لا يكفر، وعلى هذا قول الجمهور، والقول الآخر بأنه يكفر مطلقا، كما سمعتم هذا حكي عن جمهور الصحابة، بل نقله بعضهم إجماعا، نقله بعضهم إجماعا عن الصحابة، والله تعالى أعلى وأعلم. والذي اختاره الشيخ الإسلام تقي الدين -رحمه الله تعالى- والعلة الأقرب: أن تارك الصلاة إن تركها واستتيب وعرض للسياط وأصر على ذلك إلى أن ضربت عنقه، فإنه يموت على هذه الحالة مرتدا، والله تعالى أعلى وأعلم، وهذا كذلك الذي رجعه من المعاصرين العلامة ابن العثيمين -رحمه الله- وأما بالنسبة للزكاة فكذلك وقع فيه خلاف بين الفقهاء، والذي عليه عامة الفقهاء بأن تارك الزكاة لا يكفر، وعن أحمد رواية بأنه يكفر، وعن أحمد رواية بأنه يكفر، والراجح قول جمهور؛ لما في صحيح مسلم حديث أبي هريرة في شأن مانع الزكاة، وفيه قال: «فتكوى به في نار جهنم»، «فيكوى بها في نار جهنم»، «فيكوى بها وجهه وجبينه وظهره»، قال: في آخر الحديث: «ثم يرى مصيره إما إلى الجنة وإما إلى النار»، «إما إلى الجنة وإما إلى النار»، وهذا فيه دلالة على أنه تحت مشيئة الله؛ لأنه قال: «إما إلى الجنة وإما إلى النار»، ومحل بحث هذه المسائل في كتب الفقه. قوله -رحمه الله تعالى- «فإنهم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم»، تحذيرا له من أن يتجاوز ما شرعه الله ورسوله في الزكاة، وهو أخذها من أوساط المال؛ لأن ذلك سبب لإخراجها بطيب نفس ونية صحيحة، وكل ما زاد على المشروع فلا خير فيه، وهذا أصل ينبغي التفطن له، أي في العبادات مطلقا، ما زاد على المشروع فإنه لا خير فيه. الزكاة النبي صلى الله عليه وسلم أمر باجتناب الكريمة، وكذلك لا يأخذ من الرديئة، والأصل أن يأخذ من الأوسط، أن يأخذ من الأوسط، لكن صاحب المال إن طابت نفسه فأخرج الكريمة فأخرج الكريمة بطيبة من نفسه قبل منه ذلك، وأجره على الله، وأجره على الله. فشاهد من هذا: أن من تجاوز في هذه العبادة أو تجاوز في العبادة الأخرى فإنه لا خير في التجاوز، مثلا يشرع مثل نافلة أو راتبة الظهر أربع ركعات، نقول: «سأصلي ثمان ركعات»، نقول: «خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم»، ولا خير بزيادة على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قوله: «واتق دعوة المظلوم»، يدل على أن العامل إذا زاد على المشروع صار ظالما لمن أخذ ذلك منه، ودعوة المظلوم مقبولة، ليس بينها وبين الله حجاب يمنع قبولها، كما في الحديث، كما هو نص الحديث: «إياك ودعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». قال: وفيه التحذير من الظلم مطلقا، سواء كان الظلم في حق الله جل وعلا، وهو أعظم الظلم، وهو الشرك بالله جل وعلا، كما قال الله جل وعلا عن لقمان: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾، وكذلك الظلم في حق النفس، أن يظلم الإنسان نفسه، وكذلك الظلم في حق الغير، أن يظلم الإنسان غيره، كلها محرمة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حذر في قوله: «واتق دعوة المظلوم»، في التحذير من ماذا؟ من ظلم الإنسان لغيره، وكذلك من ظلمه لنفسه. قال -رحمه الله- في التحذير من الظلم مطلقا، فعلى العامل أن يتحرى العدل فيما استعمل فيه، فلا يظلم بأخذ زيادة على الحق، ولا يحاب بترك شيء منه، فعليه أن يقصد العدل من الطرفين، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحابته أجمعين. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.