الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 35، ألقاها
يبدأ الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بشرح باب من كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب، يتعلق بالآية الكريمة ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. يُبين أن هذا الباب يدل على أن الملائكة لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا يستحقون العبادة.
يتناول المقطع تفنيد ادعاءات المشركين بأن آلهتهم تملك الشفاعة عند الله، موضحًا أن الشفاعة ملك لله وحده ولا يستطيع أحد أن يشفع إلا بإذنه. يُبين أن الملائكة وغيرهم من المخلوقات لا يملكون شيئًا من الشفاعة.
يشرح المقطع مفهوم الشفاعة وأنواعها، ويبين أن الشفاعة التي تطلب من غير الله تعتبر شركا، بينما الشفاعة بإذن الله جائزة. يُظهر أن الله هو المالك الوحيد للشفاعة ويؤكد على أهمية الإخلاص في العبادة.
المقطع يشير إلى خاتمة أو نهاية جزء من الحديث أو النص، يتضمن تسبيح الله والاستغفار والتوبة إليه. يُظهر المقطع تقوى وخشوع المتحدث وتأكيده على التوبة والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه "قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين": قال قوله -أي قول إمام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى- في كتابه "التوحيد"، باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. والكلام على هذا الباب كالكلام على الباب الذي سبقه، وهو أن الشيخ، رحمه الله تعالى، بواب بهذا الباب في كتاب التوحيد بعد ما تقدم ذكره من الأبواب؛ ليبين البراهين والحجج الصارعة الواضحة البينة على أنه لا يستحق أحد العبادة إلا الله جل وعلا. وأن كل من عبد سوى الله جل وعلا، ولو كان نبيا مرسلا أو كان ملكا مقربا، فإنهم لا يغنون لذلك العبد من الله شيئا، وأن عبادتهم من الشرك بالله جل وعلا، ولو كان المعبود ملكا مقربا أو نبيا مرسلا، فضلا عن غيرهم من المخلوقات، سواء كانوا من الأولياء أو كانوا من ممن هو دونهم من عصاة المسلمين ممن يقال فيه بأنه ولي. وقد يكون من أفسق الناس، كما أشرنا في دروس مضت إلى البدوي الذي يعبد في مصر، وله ضريح مشهور مشهود، قد ذكر في ترجمته ما قد تقدم ذكره من أنه حضر يوم الجمعة والخطيب يخطب، فأدخل وجهه في جيبه -أي في ثوبه- وأخرج عضوه وجعل يبول في المسجد والناس ينظرون، ومكث على هذه الحال حتى قضى الخطيب خطبته، وصل المصلون، وعلى تلك الحالة حتى الجمعة لا يصليها، بل ويبول في المسجد، وحاله وحال المجانين، لذا كانوا يسمونه بالمجذوب. ومع هذا يعبد من دون الله جل وعلا، هل ينفعهم من الله شيئا؟ هو ما أغنى عن نفسه، ما أذهب عن نفسه ما به من الجنون، فضلا عن أن يشفى الضر عن غيره. فالحاصل من هذا أن هذا الباب فيه البراهين والحجج الدالة على أنه لا يستحق العبادة أحدا، ولو كان ملكا مقربا. وإذا كانت الملائكة، وهم من هم من عباد الله جل وعلا المقربون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وصفهم الله جل وعلا بأنهم أقوياء، وأنهم أولوا أجنحة مثنى وثلاث ورباع، ووصفهم الله جل وعلا بصفات عظيمة، ومع هذا لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، فضلا عن غيرهم، بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول، وهم من خشيته مشفقون. فإذا كان الملائكة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكرم خلق الله جل وعلا على الله، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا يملكون لغيرهم أيضا نفعا ولا ضرا، فكيف يعبدون؟ وإذا كان هؤلاء المكرمون عند الله لا يغنون عن أنفسهم ولا عن غيرهم من الله شيئا، فكيف بمن سواهم، ومن هو دونهم من غيرهم؟ من باب أولى أنهم لا يستحقون العبادة، ولا يستحقون كذلك التقرب إليهم، ولا أن يكونوا وسائط وشفعاء عند الله جل وعلا. فالحاصل من هذا أن هذا الباب بواب عليه الشيخ، رحمه الله تعالى، كتبويبه على الباب قبله، إلا أن الباب قبله كان خاصا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدخل فيه كذلك كل صالح من البشر. وفي هذا الباب فيه البراهين والأدلة على أن الملائكة كذلك، وهم عباد من عباد الله جل وعلا المقربين إليه، ومع هذا لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، وأنهم كذلك لا يستحقون أن يعبدوا مع الله جل وعلا. وفيه نعلم ما يتكرر معنا بكثرة: أنه لا يستحق العبادة أحد سوى الله جل وعلا، ولو كان نبيا مرسلا، ولو كان ملكا مقربا. وهذان البابان اللذان مر معنا -الأول ونحن اليوم في الثاني- يدلان على هذا المعنى، كما سيأتي لهذا مزيد بيان في كلام الشارح، رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: قوله ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي زال عنها الفزع. ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي زال عنها الفزع، قاله ابن عباس وغيره. وذلك مستفاد من الآية من ظاهر الآية؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، وعن تفيد المجاوزة. ومعنى الآية كما ذكر: حتى إذا جاوز وأزال الله جل وعلا الخوف والفزع عن قلوبهم. والفزع كما سيأتي معنا هو خوف طارئ، غشيان يغشى القلب طارئ، فيسمى فزعا. فإذا استمر سمي خوفا. إذا استمر يسمى خوفا. فقول الله جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي حتى إذا أزال عنهم الفزع. أزال عنهم الفزع من أين استفدناه؟ قلنا: من ظاهر الآية؛ لأن عن من معانيها المجاوزة. وقوله: قاله ابن عباس وغيره، الإسناد إلى ابن عباس في إضاعة قال: ذكره قال تعالى هذه الآية في سياق قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. أي أن الشيخ، رحمه الله تعالى، حينما استدل بهذه الآية على هذا الباب: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يقول الشارح، رحمه الله تعالى: أول الآية أو الآية السابقة على هذه الآية تبين المراد والمقصود. وذلك لأن الله جل وعلا قال في الآية التي قبلها: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُمْ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. إذن سباق الآية -أي ما سبق الآية من الآية السابقة- يدل على المعنى؛ لأن الله جل وعلا يقول فيها: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي يقول للمشركين الذين دعوا غير الله جل وعلا وعبدوا غير الله جل وعلا. ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي هؤلاء المدعوون، ولو كانوا ملائكة مكرمين، ولو كانوا أنبياء مرسلين، الكل لا يملك مثقال ذرة، فضلا أن يدعى بأن ينجيه من النار أو أن يدخله الجنة أو أن يرزقه الولد أو المدد أو غير ذلك مما يفعله المشركون مع آلهتهم حينما يطلبون منهم المدد والولد والنصر والإغاثة إلى غير ذلك من الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله جل وعلا. فالله جل وعلا قطع آمال هؤلاء، وبين أن أولئك المدعوين من دون الله جل وعلا، ولو كانوا ملائكة مقربين، ولو كانوا ملائكة مقربين كما في هذه الآيات: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. قال: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُمْ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾. قال: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي عن قلوب الملائكة. وهذا فيه دليل على أن أولئك كانوا يطلبون من الملائكة الشفاعة عند الله، يطلبون من الملائكة أن تكون واسطة بينهم وبين الله جل وعلا، أن تشفع لهم عند الله جل وعلا. وأن الله جل وعلا أخبر بأن الملائكة وغيرهم من خلق الله جل وعلا لا يستطيعون الشفاعة، ولا يملكون الشفاعة، وأن الشفاعة ملك لله جل وعلا وحده لا شريك له، كما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا�ا﴾. وكما في هذه الآية: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾. وكما قال الله جل وعلا: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾. إلى غير ذلك من الآيات. وهذا يدلنا على أن الشفاعة ملك لله جل وعلا، وأن أحدا من خلق الله جل وعلا لا يملك شيئا من الشفاعة، ولا يستطيع أن يشفع لأحد من الخلق إلا بإذن الله جل وعلا، وبرضى من الله جل وعلا. فإذا كان أمر كذلك، الملائكة وغير الملائكة، ومن دونهم لا يملكون شيئا من الشفاعة، فلماذا يعبدون؟ فلماذا يعبدون؟ وهذا إن دل على شيء، دل على سفه عقول أولئك المشركين؛ إذ أنهم تركوا من بيده الخير كله، من بيده الأمر كله، وبيده الشفاعة، وبيده الفضل، وبيده الإكرام، وبيده الملك، وهو الله جل وعلا. وعلقوا قلوبهم بغير الله جل وعلا، من مخلوقات الله جل وعلا، الذين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا يستطيعون نصر أنفسهم، ولا هم ينصرون. ويدل كذلك على انقلاب فطرهم، وتلوثها، حتى صاروا لا يرون بعين البصر، ولا عين البصيرة، الحق الواضح المبين. قال رحمه الله تعالى: وقال ابن جرير: قال بعضهم: الذين فزع عن قلوبهم الملائكة. قالوا: وإنما فزع عن قلوبهم من غشية تصيبهم عند سماع كلام الله عز وجل بالوحي. وكما ذكر من ذكر من العلماء: أن هذا الفزع الذي يحصل للملائكة من سماع كلام الله جل وعلا يدل على أمور، من هذه الأمور: يدل على عظمة كلام الرب جل وعلا، ويدل أيضا على تعظيم الملائكة لكلام الرب جل وعلا. ويدل أيضا على أن المخلوق: كلما كان بالله أعرف، كان منه أخوف. فالملائكة: لكمال علمهم بربهم جل وعلا، وإيمانهم بربهم جل وعلا، وقربهم من الله جل وعلا، وتعظيمهم لله جل وعلا، كانوا إذا سمعوا كلام الله جل وعلا حصل لهم هذا الأمر. وهذا كما سمعتم يدل على عظيم عبادة الملائكة لربهم جل وعلا، وعلمهم به. قال رحمه الله تعالى: قال ابن كثير: وهو الحق الذي لا مرية فيه. أي أنهم الملائكة الذين فزعوا عن قلوبهم، قال لصحة الأحاديث فيه والآثار. وقال أبو حيان: قال: تظاهرة الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ إنما هي في الملائكة إذا سمعت الوحي إلى جبريل، وأمر الله تعالى به. سمعت كجر سلسلة الحديد على الصفوان، فتفزع عند ذلك تعظيما وهيبة، تعظيما لربها جل وعلا، وهيبة له جل وعلا. قالوا: بهذا المعنى من ذكر الملائكة. قالوا: من هذا المعنى ذكر أو قال: وبهذا المعنى -أي من ذكر الملائكة- في صدر الآيات تتسق هذه الآية على الأولى. ومن لم يشعر أن ملائكة مشار إليهم من أول قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ لم تتصل هذه الآية بما قبلها. بمعنى أن الآيات يبين بعضها بعضا، ويوضح بعضها بعضا، ويفسر بعضها بعضا. فمن أعظم ما تفسر به الآية، أو تفسر به الآية: سباق هذه الآية وسياقها. فالسابق لها واللاحق لها يبين معناها. وأعظم ما يفسر به كلام الله جل وعلا هو كلامه جل وعلا. قال: وهذه الآية تقطع عروق الشرك بأمور أربعة: الأول: أنهم لا يملكون مثقال ذرة مع الله. والذي لا يملك مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض لا ينفع ولا يضر، فهو تعالى هو الذي يملكهم ويدبرهم، هو الذي يملكهم ويدبرهم ويتصرف فيهم وحده. هذا هو الأمر الأول. فيه كما ذكر، رحمه الله تعالى: تقطيع عروق الشرك وعلائق الشرك، وأنه لا يستحق أحد العبادة إلا الله جل وعلا وحده لا شريك له؛ لماذا؟ لأن المدعو من دون الله جل وعلا، ولو كان ملكا مقربا، بل كل من دعي من دون الله جل وعلا، فإنه لا يملك مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، كما في الآية: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. والذين اسم موصول يدل على ماذا؟ يدل على أنه يدخل فيه كل من دعي من دون الله جل وعلا، سواء كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا أو وليا من الأولياء أو حجرا أو شجرا أو شمسا أو قمرا. لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. وهذه الحقيقة التي يجب أن يؤمن بها كل مؤمن. قال رحمه الله تعالى: الثاني: قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ أي في السماوات والأرض. أي: وما لهم شرك مثقال ذرة من السماوات والأرض. أولئك المدعوون الذين يدعون من دون الله جل وعلا بأن يرزقهم، بأن ينصرهم، بأن يغنيهم، إلى غير ذلك من الأمور، لا يملكون مثقال ذرة، لا يملكون مثقال ذرة لا في السماوات ولا في الأرض؛ لماذا؟ لأن الأمر كله لله وحده لا شريك له. الثالث: قولهم: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾. والظهير: المعين، وكذلك النصير. فليس لله معين من خلقه، بل هو الذي يعينهم على ما ينفعهم، ويدفع عنهم ما يضرهم؛ لكمال غناه عنهم، وضرورتهم إلى ربهم فيما قل وكثر من أمور دنياهم وأخراهم. وهذا هو الأمر الثالث: أن كل ما سوى الله، الله جل وعلا غني عنه، وهو فقير إلى الله، وهو محتاج إلى الله جل وعلا وحده لا شريك له. وهذا يدلنا على أن كل من دعي من دون الله جل وعلا لا يملك شفاعة، ولا يملك من أمر الله جل وعلا شيئا، بل هو كغيره فقير إلى الله جل وعلا فقرا ذاتيا، وهو محتاج إلى الله جل وعلا احتياجا ذاتيا؛ لأن الله جل وعلا هو الغني، وما سواه فإنه فقير: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. الله جل وعلا هو الرزاق، هو الذي يرزق، وهو الذي يعطي، وهو الذي يكرم من شاء بفضله جل وعلا وحده لا شريك له. وهو الذي يمنع من شاء بحكمة منه وعدل جل وعلا؛ لأن أفعال رب جل وعلا دائرة بين الفضل والعدل، وكلها صادرة عن كمال العلم والحكمة. فهو جل وعلا أعلم وأحكم بمن يستحق الفضل والإكرام، ومن لا يستحق. هو أعلم بخلقه. ألا يعلم من خلق؟ وهو اللطيف الخبير. الله أعلم حيث يجعل رسالته. الله يصفه من الملائكة رسلا، ومن الناس. الله أعلم جل وعلا يؤتي يؤتي الحكمة من يشاء. ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا. الفضل بيد الله جل وعلا، يؤتيه من شاء، بما شاء، كيف شاء جل وعلا. فإذا كل ما سوى الله جل وعلا محتاج إلى الله، فقير إلى الله جل وعلا، لا حول له ولا قوة إلا بالله رب العالمين جل وعلا. فكيف بعد هذا يدعى غير الله جل وعلا، ويطلب من غير الله جل وعلا أمرا لا يستطيعه، ولا يقدره، ولا يقدر عليه إلا الله جل وعلا؟ الرابع: قوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾. فلا يشفع عنده أحد إلا إذا أذن له، كما قال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾. وأخبر تعالى أن من اتخذ شفيعا من دونه حرم شفاعة الشفعاء؛ لماذا؟ حرم شفاعة الشفعاء؛ لأنه طلب الشفاعة من غير الله جل وعلا. والشفاعة ملك لمن؟ ملك لله جل وعلا. ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. فكون الإنسان يطلب هذه الشفاعة -أي بأن يتقرب إلى ذلك المشفوع إليه- بأنواع من القرب حتى يشفع له ذلك المشفوع إلى الله جل وعلا، هذا هو عين الشرك. ذلك هو عين الشرك: أن يطلب الشفاعة من غير الله جل وعلا، ولا يطلب الشفاعة إلا بعد ماذا؟ بعد أن يتقرب إليه بأنواع من القرب والعبادات. كما قال الله جل وعلا عن أولئك المشركين: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. هذه هي الشفاعة الشركية. هذه هي الشفاعة الشركية. أما الشفاعة كما سيأتي معنا في أمور يقدر عليها المخلوق، فهذه جائزة. هذه جائزة كما يأتي بإذن الله جل وعلا: أن شفاعة على قسمين: منها الجائزة، بل مستحبة، ومنها الممنوعة الشركية. سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا عما قريب في الباب الذي يلي هذا الباب، بإذن الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال: لأن اتخاذ الشفعاء شرك؛ لقوله تعالى في حقهم: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال: والمشرك منفية الشفاعة في حقه، كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. وقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾. وذلك أن متخذ الشفيع لا بد أن يرغب إليه ويدعوه -يعني أنظر إلى العلة التي لأجلها صارت تلك الشفاعة شركا بالله جل وعلا-. قال: وذلك أن متخذ الشفيع لا بد أن يرغب إليه ويدعوه، ويرجوه ويخافه ويحبه لما يؤمله منه. وهذه من أنواع العبادة التي لا يصرف منها شيء لغير الله. وذلك هو الشرك الذي ينفي الإخلاص. وذلك هو الشرك الذي ينفي الإخلاص. فإذن هذه تكون من الشفاعة الشركية؛ لما يحصل في قلب الشافع أو طالب الشفاعة من غيره من التأله لذلك الغير، والتعبد لذلك الغير، واعتقاد أن ذلك الغير له قدرة ومكانة توجب على الله جل وعلا أن يقبل شفاعته، أن يقبل شفاعته. فيعتقد في ذلك الوسيط الشفيع أنه له قدرة، أنه له شيئا من ملك النافع أو دفع الضر. ويقول: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. إذا أنكر الله جل وعلا هذا الأمر بقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَتُنَبِئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي هذا الشيء لا يعلمه الله. وما لم يكن معلوما عند الله جل وعلا، فهل له حقيقة؟ ليس له حقيقة؛ لأنه ليس هو شفيع حقيقة؛ لأن الشفاعة ملك لمن؟ لله جل وعلا وحده لا شريك له، يأذن فيها لمن شاء، بما شاء، كيف شاء سبحانه وتعالى. وقد جعل لها شروطا كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا في الكلام عليها في بابها. نكتفي بهذا القدر. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.