شرح فتح المجيد 97

الدرس في شرح فتح المجيد 97، ألقاها

علاقة الآية الأولى بالباب وبيان الشرك بأهل الكتاب

ناقش المقطع علاقة الآية الأولى بالباب وبيان وقوع أهل الكتاب في الشرك مع علمهم بالله تعالى، وأن الموافقة الظاهرية للمشركين لا تنفع مع اعتقاد بطلان ما هم عليه. كما أشار إلى خطر المجاملة على المشركين.

تفسير آية شر مكانا وأضل سبيلا ومعنى الطاغوت

يشرح النص تفسير آية من سورة المائدة، حيث يتحدث عن اليهود الذين لعنهم الله وغضب عليهم ومسخ بعضهم، وعن معنى عبد الطاغوت وتفسير قراءات مختلفة للآية، ويبين أن هؤلاء اليهود هم شر مكانا وأضل عن سواء السبيل.

اتباع الأمة لسنة اليهود والنصارى وفساد العلماء والعباد

يشرح المقطع الحديث النبوي الذي يتنبأ باتباع الأمة لسنة اليهود والنصارى، ويبين معنى الطاغوت وعلاقته بالشرك، ويوضح أن فساد العلماء يشبه اليهود وفساد العباد يشبه النصارى.

تتمة الكلام عن اتباع سنن اليهود والنصارى

المقطع يشرح حديثا نبويا يتحدث عن اتباع سنن اليهود والنصارى، ويوضح معنى استفهام الصحابي عن الفريقين اللذين يتبعان سننهم، ويبين أن الأمة الإسلامية لا تجتمع على ضلالة بفضل رحمة الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى، قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿قل هل نبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل﴾. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن وعلى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم ما بعد، فقبل الدخول في الكلام على الآية الثانية التي استدل بها الشيخ رحمه الله، ننبه على أمر، وهو: ما علاقة الآية الأولى وهي قول الله جل وعلا: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ بالباب؟ والجواب أن علاقة الآية بالباب تتضح، أو قد يقال: أنها من وجهين. الوجه الأول: لأن الشيخ رحمه الله تعالى أراد أن يبين أن مما وقع فيه أهل الكتاب هذا الأمر، أنهم آمنوا بالجبت والطاغوت، مع أنهم أهل الكتاب، ومع أنهم يعرفون الشرك، وأن هذا من الشرك، وكانوا يبغضون المشركين، ويبغضون عبادة الأوثان، ومع هذا وقعوا في الشرك، وذلك بالموافقة لهم ظاهرا، أي: بالموافقة للمشركين ظاهرا، في قول الله جل وعلا: ﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾، ومعنى أنهم يصدقون به ظاهرا، مع أن بواطنهم يكفرون بذلك، ويعتقدون بطلانه. فدل هذا على أن من وافق المشركين ظاهرا، وأقرهم، وصدقهم ظاهرا، مع اعتقاد بطلان ما هم عليه من الشرك، فهذا لا ينفعه، بل يكون ممن عبد الجبت والطاغوت، وعبد الأوثان. ومن هنا تظهر المناسبة للآية تحت هذا الباب، ومنه أيضا إشارة إلى أن من هذه الأمة من يقول: أنا أقر بأن الحق مع أهل التوحيد، الداعين إلى التوحيد، ولكنه يوافق المشركين من القبورية ونحوهم ظاهرا، من باب المجاملة والمداهنة، مع اعتقاد بطلان ما هم عليه من الدين، فلا يكون هذا كذلك داخلا في معنى الذين يؤمنون بالجبت والطاغوت؛ لأنه حصلت منه موافقة ظاهرة، وإن كان باطنه يعتقد بطلان ما هم عليه. وفي هذا إشارة، ولمحة لطيفة من الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، إلى من كان يقر المشركين من القبورية ونحوهم في زمان الشيخ رحمه الله تعالى، وإن كان باطنا يقر ببطلان ما هم عليه. فكأن الشيخ رحمه الله تعالى يقول: أيها المتصنع لهم، المداهن لهم، فإنك وقعت فيما وقعوا فيه؛ فإن الموافقة في مثل هذا، الموافقة ظاهرا، لها معنى تؤثر في إيمان العبد، وفي إسلامه، وتنقضه، لظاهر هذه الآية. والمعنى الثاني: أن الشيخ رحمه الله تعالى أراد أن يبين أن أهل الكتاب، وهم أهل الكتاب، كذلك وقعوا في هذا الأمر، أي: في الشرك بالله جل وعلا، مع أن عندهم علم، وقد أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم، كما في أدلة الباب، أنه ستتبع هذه الأمة الأمم قبلها، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه. قال رحمه الله تعالى: قال الشارح رحمه الله تعالى: يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿قل يا محمد هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا وهم أنتم﴾، أيها المتصفون بهذه الصفات المفسرة بقوله: ﴿من لعنه الله﴾، أي: أبعده من رحمته، ﴿وغضب عليه﴾، أي: غضبا لا يرضى بعده أبدا، ﴿وجعل منهم القردة والخنازير﴾. وقد قال الثوري عن علقمة بن مرثد، عن المغيرة بن عبد الله، عن المعرور بن سويد، أن ابن مسعود قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير: أهي مما مسخ الله؟ فقال: «إن الله لم يهلك قوما، أو قال: لم يمسخ قوما، فيجعل لهم نسلا ولا عاقبة، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك». قال البغوي في تفسيره: ﴿قل يا محمد هل أنبئكم أخبركم بشر من ذلك﴾، يعني قولهم: «لم نر أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم، ولا دينا شرا من دينكم»، فذكر الجواب، بلغض الابتداء، لقوله تعالى: كقوله تعالى: ﴿قل أفنبئكم بشر من ذلك النار﴾، وقوله: ﴿مثوبة ثوابا﴾، وقراءة نصب على التفسير، عند الله، ﴿من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير﴾، فالقردة أصحاب السبت، والخنازير كفار مائدة عيسى. قال: وأن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أن المسخين كلاهما من أصحاب السبت، وشبابهم مسخوا قردة، ومشايخهم مسخوا خنازير. قال رحمه الله تعالى: رحمه الله تعالى: ﴿وعبد الطاغوت﴾، أي: وجعل منهم من عبد الطاغوت، أي: طاع الشيطان فيما سول له. وقرأ ابن مسعود: ﴿وعبدوا الطاغوت﴾، بضم العين، وجر التاء، وقرأ حمزة: ﴿وعبد الطاغوت﴾، بضم الباء، وجر التاء. قال: وأما قراءة من قرأ: ﴿وعبد الطاغوت﴾، فإنه عطفه على بناء الماضي الذي في الصلة، وهو قوله: ﴿لعنه الله﴾، أي: لعنه الله، والتقدير: وعبد الطاغوت. قال: وأفرد الضمير في ﴿عبدا﴾، وإن كان المعنى فيه الكثرة؛ لأن الكلام محمول على لفظه دون معناه، وفاعله ضمير من، كما أن فاعل الأمثلة المعطوف عليها ضمير من. قال شيخ الإسلام: في قوله: ﴿وعبد الطاغوت﴾، الصواب أنه معطوف على ما قبله من الأفعال، أي: ﴿من لعنه وغضب عليه ومن جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت﴾. قال: والأفعال المتقدمة، الفاعل فيها اسم الله تعالى، مظهرا ومضمرا، وهنا الفاعل اسم من، اسم من عبد الطاغوت، وهو الضمير في ﴿عبدا﴾، ولم يعد سبحانه من؛ لأنه جعل هذه الأفعال صفة لصنف واحد، وهم اليهود. قال رحمه الله تعالى: قوله: ﴿أولئك شر مكانا مما تظنون به وأضل عن سواء السبيل﴾، وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة، كقوله: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرة وأحسن مقيلا﴾، قاله العماد بن كثير في تفسيره، وهو ظاهر. قال: والمناسبة من ذكر الشيخ رحمه الله تعالى هذه الآية ها هنا، أن الله جل وعلا يقول: ﴿قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت﴾، والطاغوت: كما تقدم معنا في أوائل الدروس، بكلام العلامة ابن القيم: أنه كل ما تجاوز به العبد حده، من معبود، أو متبوع، أو مطاع. قال: فالحاصل أن قوله: ﴿وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل﴾، وهذه السياقات كلها، كما مر معنا، أنها كلها في حق من؟ في حق اليهود. قال: فمناسبة هذه الآية للباب: هو أن الشيخ رحمه الله تعالى يريد أن يقرر أن اليهود هم من أهل الكتاب، مع هذا وقع منهم ما وقع من الشرك بالله جل وعلا، لقوله: ﴿وعبد الطاغوت﴾، وفي الآية الأولى: ﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾، مع ما سيأتي معنا من أن هذه الأمة ستتبع الأمم السالفة، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه. قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن أبي سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟». قوله رحمه الله تعالى: «أخرجاه»، أي: أن البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى أخرجا هذا الحديث. قال الشيخ رحمه الله تعالى: فهذا سياق مسلم، قوله: «سنن»، فتح المهملة، أي: طريق من كان قبلكم. قال: قوله: «حذو القذة بالقذة»، بنصب «حذو» على المصدر، والقذة بضم القاف، وواحدة القذان، وهو ريش السهم، أي: لتتبعن طريقهم في كل ما فعلوه، وتشبهوهم في ذلك، كما تشبه قذة السهم القذة الأخرى. قال رحمه الله تعالى: وقد وقع كما أخبر، وهو علم من أعلام النبوة، قوله: «حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، وفي حديث آخر: «حتى لو كان فيهم من يأتي أمه على نية، لكان في أمتي من يفعل ذلك». قال: أراد صلى الله عليه وسلم أن أمته لا تدع شيئا مما كان يفعله اليهود والنصارى إلا فعلته، كله لا تترك منه شيئا. قال سفيان بن عيينة: «من فسد من علمائنا ذي شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ذي شبه من النصارى». قال: اليهود كان سبب غضب الله جل وعلا عليهم: أنهم أهل علم، وليسوا ممن يعمل بعلمهم. قال: والنصارى أهل ضلال، أهل عبادة بغير علم، أهل عبادة بغير علم؛ لذا قال سفيان بن عيينة: «من فسد من علمائنا»، كان عالما، ولكنه لا يعمل بذلك العلم، ففيه شبه من اليهود؛ لماذا؟ لأنهم لا يعملون بعلمهم. قال: «ومن فسد من عبادنا»، ففيه شبه من النصارى؛ لماذا؟ لأن النصارى أهل عبادة من غير علم، فكذلك من فسد من العباد، عبد الله بالبدع والضلال، ففيه شبه من النصارى. قال: قلت: فما أكثر الفريقين، لكن من رحمة الله تعالى ونعمته: أن جعل هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، كما في حديث ثوبان الآتي قريبا. قوله: قال: «يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟»، برفع اليهود، قبر مبتدأ محذوف، أي: أهم اليهود والنصارى الذين نتبع سننهم؟ ويجوز النصر بفعل محذوف، تقديره: تعنون، قوله: «قال: فمن؟»، استفهام إنكار، أي: فمن هم غير أولئك؟

شاركنا على