الدرس في شرح فتح المجيد 99، ألقاها
يبدأ الشرح بتوضيح معاني بعض الأحاديث النبوية الهامة مثل حديث تدور رحى الإسلام وحديث خاتم النبيين. يشمل ذلك تفسير العلماء لهذه الأحاديث وردهم على الشبهات.
يناقش هذا الفصل معنى أن النبي محمد هو خاتم النبيين ويفند ادعاءات النبوة بعد رسول الله، مشيراً إلى نزول عيسى بن مريم في آخر الزمان حاكماً بشريعة محمد.
يتناول هذا الجزء شرح معنى الطائفة المنصورة وهل هم مقتصرون على أهل الحديث أم يشملون طوائف أخرى من المؤمنين، مع توضيح معنى أهل الحديث وتفسير أقوال العلماء في ذلك.
يفسر هذا الفصل معنى "تبارك" في القرآن الكريم، مشيراً إلى تفسير السلف لها وتعظيم الله تعالى وكمال بركته، ويستشهد بتفسير ابن عباس لها.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: قوله وإنه سيكون في أمتي كذبون ثلاثون كلهم يدعي أنه نبي، قال القرطبي: فقد جاء عددهم معينا في حديث حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون في أمتي كذابون دجالون سبعة وعشرون منهم أربع نسوة» أخرجه أبو نعيم، وقال: هذا حديث غريب انتهى. وحديث ثوبان أصح من هذا، فهو كما ذكر. ثم بقي أن ننبه على بعض ما مضى معنا في الدرس الماضي، ما علقنا على حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين» الحديث. وهذا الحديث رواه أحمد وأبو داود وغيرهما بإسناد صحيح، وانظر «الصحيحة» للعلامة الألباني برقم ستة وسبعين وتسعمائة. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى توجيهات لهذا الحديث، أي في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين»، تدور رحى الإسلام، أي شبه الإسلام بدوران ماذا؟ الرحى. الرحى هي تلك الحجر التي كان يستخدمها النساء لطحن الحب والذرة ونحوهما. ويقولون: كلما كانت دورتها تامة كاملة كانت جيدة. وعلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تدور رحى الإسلام» قال: يدل على أنها تدور دورة وهي على سلامة وعلى صحة. وفيه كناية على أن الإسلام يبقى على السلامة في هذه الحقبة الزمانية لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين. وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في هذا المعنى، فذهب بعضهم إلى أن هذا من زمن الهجرة، أن هذا من أول الهجرة إلى عام ثلاثين، إلى عام خمس وثلاثين، أو قال: «تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين». قال العلماء رحمهم الله تعالى: أن هذه الفترات وقعت فيها ما وقع في الإسلام، في عام خمس وثلاثين كما ذكر بعضهم أنه وقع قتل عثمان. وفي سنة ست وثلاثين وقعت موقعة الجمل. وفي عام سبع وثلاثين وقعت موقعة صفين، موقعة صفين. ومنهم من ذكر أمرا آخر، ومنهم من ذكر أمرا آخر، فقال: هذا باعتبار البعثة، هذا باعتبار البعثة. فالنبي صلى الله عليه وسلم من يوم بعثته إلى زمان وفاته إلى أن مات صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان أكمل عشرين سنة، عشر سنين في مكة وعشر سنين في المدينة. ثم بعد ذلك زمن خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه سنتين ونصف. ثم بعد ذلك زمن عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه نحو ذلك ست سنين وشيء أو ثمان سنين وشيء، المهم أكملت المدة أو أكملت المدة إلى ثلاثين. قالوا: وعلى هذا الزمان صار الإسلام كان يدور على ماذا؟ على خلافة النبوة. وعلى خلافة النبوة. وكان الإسلام على ما هو عليه، لم يحصل فيه الفتنة ما حصل بعد ذلك، أي بعد موت عثمان، بعد موت عمر رضي الله عنه وأرضاه. وكما جاء في حديث حذيفة حينما سأله عمر عن الفتنة، فقال حذيفة لعمر: «إن بينك وبينها بابا» قال: «أيكسر ذلك الباب أم يهدم؟» قال: «بل يهدم». أو قال: «نعم». قال: «أيكسر ذلك الباب أم يفتح؟» فقال: «بل يكسر». فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: «إذن لا يغلق بعد ذلك أبدا». ففي إشارة إلى أن الفتن ظهرت بعد موت عمر رضي الله عنه وأرضاه. لذا ذكر من ذكر من العلماء أنها أن بعد زمن عمر جاء عثمان رضي الله عنه وأرضاه وحكم لمدة ست سنين، ثم بعد الست سنين وقع الخلاف والنزاع في خلافته لمدة أيضا ست سنين، حتى كان آخر أمره أن قتل عثمان رضي الله عنه وأرضاه. ثم بعد ذلك تولى علي، ثم قتل علي رضي الله عنه وأرضاه. وقد جرت في هذه الفترة ما جرى من القتال بين المسلمين، وإن لله وإن إليه راجعون. قوله رحمه الله تعالى: قال القاضي عياض: «عد من تنبأ من زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الآن ممن اشتهر بذلك وعرف واتبعه جماعة على ضلالته فوقز هذا العدد فيهم». ومن طالع كتب الأخبار والتواريخ عرف صحة هذا. وقال الحافظ: «وقد ظهر مزاق ذلك بزمن النبي صلى الله عليه وسلم، هرق مسيلمة الكذاب باليمامة والأسود العنسي باليمن، وبخلافة أبي بكر طليحة بن خويلد في بني أسد بن خزيمة، وسجاح في بني تميم. وقتل الأسود قبل أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم، وقتل مسيلمة في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وتاب طليحة ومات على الإسلام في زمن عمر رضي الله عنه». ونقل أن المختار بن أبي عبيد الثقفي أظهر محبة أهل البيت ودعا الناس إلى طلب قتلة الحسين وتتبعهم، فقتل كثيرا ممن باشر ذلك وأعان عليه، فأحبه الناس. ثم ادعى النبوة وزعم أن جبريل عليه السلام يأتيه. ومنهم الحارث الكذاب خرج في خلافة عبد الملك بن مروان فقتل. وخرج في خلافة بن العباس جماعة. وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقا، فإنهم لا يحصون كثرة لكون غالبهم ينشأ عن جنون أو سوداء. وإنما المراد من قامت له شوكة وبدأ له شبهة كمن وصفنا. وقد أهلك الله تعالى ممن وقع منهم ذلك، وبقي منهم من يلحقه بأصحابه. وآخرهم الدجال الأكبر. قوله رحمه الله تعالى: «وأنا خاتم النبيين» قال الحسن: «خاتم الذي اختم به»، أي أنه آخر النبيين كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. ثم قال رحمه الله تعالى: قوله «وآخرهم الدجال الأكبر» ثبت في سنن ابن ماجه وغيره من حديث أبي أمامة أن الدجال الأكبر المسيح الدجال الأكبر حينما يخرج في آخر الزمان أولا، أول ما يبدأ بدعوته يدعي بأنه نبي. ثم بعد ذلك يدعي بأنه الله رب العالمين. قال رحمه الله تعالى: «وإنما ينزل عيسى بن مريم في آخر الزمان حاكما بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم»، مصليا إلى قبلته، وكونه داخل في هذه الأمة، بل هو أفضل هذه الأمة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لينزلن فيكم عيسى بن مريم حكما مقسطا، وليكثرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية» كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. والشاهد من هذا أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وأنا خاتم النبيين» معناه خاتمتهم، فلا نبي بعده صلى الله عليه وسلم. كما جاء في الصحيح أنه قال لعلي رضي الله عنه حينما أراد أن يخرج معهم في الغزو: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي». وكما قال الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. وخاتم النبيين أي أن الله جل وعلا ختم به النبوة وختم به الرسالة. ودلت على ذلك الأدلة، ونقل على ذلك إجماع المسلمين من أولهم إلى آخرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء. وأن من زعم أن ثم نبيا بعد نبينا صلى الله عليه وسلم أو ادعى النبوة بعد نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه يكون كافرا مرتدا. قوله «وإنما ينزل عيسى بن مريم» وهذا وكأن الشيخ رحمه الله تعالى قد يقول: قد يقول قائل: بأنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم كيف هذا؟ وأنتم تقولون: بل نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: بأن عيسى بن مريم سينزل قبل يوم القيامة. وإنه هو الذي يكسر الصليب وإنه هو الذي يقتل المسيح الدجال إلى غير ذلك مما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين. فما الجواب على هذا الإشكال؟ أجاب عنه الشيخ رحمه الله تعالى بقوله: «وإنما ينزل عيسى بن مريم في آخر الزمان حاكما بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم»، واضحة جماعة. حاكما لم يبعث بشريعة جديدة، بغير شريعة محمد، بل يبعث أو ينزل فيحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم. قال: مصليا إلى قبلته، إلى قبلة النبي صلى الله عليه وسلم. مع أنها قبلة الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم كانت إلى بيت المقدس. فهذا يدل على أنه من أتباع رسول الله، على أنه من أتباع رسول الله. لذا قال: «فهو كأحد أمته»، فهو كأحد أمة النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا جواب. وجواب آخر: أن عيسى بن مريم عليه السلام بعث قبل نبينا صلى الله عليه وسلم بخمسمائة سنة. واضح جماعة. عيسى بن مريم هل بعث بعد موت نبينا أم أنه هو نبي قبل أن يبعث نبينا بخمسمائة سنة؟ وإنما رفعه الله جل وعلا حينما أراد اليهود قتله. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾. قال الله جل وعلا: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾. فالله جل وعلا رفعه. وعيسى كان نبيا قبل نبينا صلى الله عليه وسلم. واضح جماعة. قوله رحمه الله تعالى: قال يزيد بن هارون وأحمد بن حنبل: «إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري منهم». وهؤلاء من أئمة الحديث والسنة والفقه رحمهم الله تعالى. فهم يقولون في هذه الطائفة المنصورة: من هي الطائفة المنصورة؟ قالا رحمهم الله تعالى: «إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري منهم». هذا قاله يزيد بن هارون. وقال أحمد بن حنبل كذلك على حدة. فهل معنى هذا أن الطائفة المنصورة والفرقة الناجية محصورة في أهل الحديث؟ الجواب: أن يقال: إن أريد بأهل الحديث من يطلب علم الحديث والمشغول بعلم الحديث، فيقال: بأن الطائفة المنصورة والفرقة الناجية ليست محصورة فيهم. واضح جماعة. وإن أريد بأهل الحديث أنهم المتمسكون بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المستنين بهديه صلى الله عليه وسلم، الذين لا يقدمون على هديه هديا وعلى قوله قولا، فنعم. فيكون أهل الحديث معناه المتبعون لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد يحمل كلام الإمام أحمد رحمه الله وكلام يزيد بن هارون أن أهل الحديث يدخلون في هذا الحديث دخولا أوليا. واضح جماعة. ولا مانع من دخول غيرهم. هذا إذا حملناه على المعنى الخاص. وإذا حملناه على المعنى العام يكون الأمر واضحا. قال رحمه الله تعالى: قال النووي: «يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع وبصير بالحرب وفقيه ومحدث ومفسر وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزاهد وعابد». ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد. فيجوز اجتماعهم في قطر واحد، وافتراقهم في أقطار الأرض. ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد، وأن يكونوا في بعض دون بعض منه. ويجوز خلال الأرض من بعضهم أولا فأول. إلا أن لا يبقى إلا زرقة واحدة ببلد واحد. فإذا انقرضوا جاء أمر الله. انتهى ملخصا مع زيادة فيه قاله الحافظ. قال رحمه الله تعالى: قوله «تبارك وتعالى» قال ابن القيم: «البركة نوعان، أحدهما بركة هي فعله، والفعل منها بارك، ويتعدى بنفسه تارة وبأداة على تارة، وبأداة في تارة». والمفعول منها مبارك، وهو ما جعل منها كذلك، فكان مباركا بجعله تعالى. قال رحمه الله تعالى: والنوع الثاني: «بركة تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة، والفعل منها تبارك». ولهذا لا يقال لغيره ذلك، ولا يصلح إلا له عز وجل. وهو سبحانه المبارك. وعبده ورسوله المبارك كما قال المسيح عليه السلام: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ﴾. فمن بارك الله فيه وعليه فهو المبارك. فأما صفته «تبارك» فمختصة به، كما أطلقها على نفسه في قوله: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فالحاصل من هذا أن لفظة «تبارك» بالفعل الماضي لا يجوز أن يوصف به غير الله جل وعلا. لأنه من الصفات الخاصة اللازمة لله، صفة خاصة بالله، وهو كذلك لازم لله جل وعلا. فهو كما ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «هو كتعالى وتقدس». تعالى لا يقال في غير الله تعالى، ولا يقال لغير الله «تقدس». كذلك لا يقال لغير الله أو لغير الله «تبارك». إلا لله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «أفلا تراها كيف اضطردت في القرآن جارية عليه مختصة به، لا تطلق على غيره». وجاءت على بناء المبالغة، «تعالى وتعاظم ونحوه». فجاء بناء «تبارك» على كمال العدد ونهايته. فكذلك «تبارك» دال على كمال بركته وعظمتها وسعتها. وهذا معنى قول من قال من السلف: «تبارك تعاظم». وقال ابن عباس: «جاء بكل بركة». والله أعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.