شرح العقيدة الواسطية 8

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 8، ألقاها

مقدمة في العبودية لله تعالى

العبودية هي الحكمة من خلق الخلق، وتحقيقها هو كمال المخلوق، وتدور على قطبين: غاية الحب مع غاية الذل. العبادة تشمل كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال.

معنى الصلاة في اللغة والشرع

الصلاة في اللغة لها معانٍ متعددة، فقد تعني الدعاء عند بعض العلماء، بينما يرى آخرون أنها ليست مقصورة على الدعاء فقط. يختلف معنى الصلاة باختلاف من يقوم بها.

تفسير الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم

الصلاة على النبي تعني الحنو والعطف، ويختلف معناها باختلاف من يقوم بها، مثل الله والملائكة والمؤمنين. يُوضح الفرق بين الصلاة والدعاء في هذا السياق.

توضيح مسألة فقهية على ضوء كلام ابن القيم

يُوضح المقطع مسألة فقهية معينة كما ذكرها العلامة ابن القيم، ويزيل الإشكال فيها. يُبين أهمية فهم هذه المسألة بشكل صحيح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال رحمه الله تعالى: وإنما جمع له بين وصفين، رسالة العبودية، لأنهما أعلى ما يوصف به العبد. والعبادة هي الحكمة التي خلق الله الخلق لأجلها، كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. فكمال المخلوق في تحقيق تلك الغاية، وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته. ولهذا ذكر الله نبيه بلقب العبد في أسمى أحواله وأشرف مقاماته، كالإسراء به، وقيامه بالدعوة إلى الله، والإنحاء إليه، والتحدي بالذي أنزل عليه. ونبه بوصف العبودية أيضًا على الرد على أهل الغلو الذين قد يتجاوزون بالرسول صلى الله عليه وسلم قدره ويرفعونه إلى مرتبة الألوهية، كما يفعل ظلال الصوفية، قبحهم الله. وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، وإنما أنا عبد»، فقولوا: «عبد الله ورسوله». والمقصود أن هذه الشهادة تتضمن اعتراف العبد بكمال عبودية النبي صلى الله عليه وسلم لربه، وكمال رسالته، وأنه فاق جميع البشر في كل خصلة كمال. ولا تتم هذه الشهادة حتى يصدق العبد النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر به، ويطيع في كل ما أمر به، وينتهي عما نهى عنه. قال رحمه الله تعالى: وإنما جمع له بين صفتي الرسالة والعبودية لأنهما أعلى ما يوصف به العبد. فكما ذكرنا، أعلى مقامات العبد مع ربه عز وجل أن يكون عبدًا لله عز وجل كما أراد الله عز وجل منه في قوله: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. ومن علم مراد الله عز وجل ونظر في الغايات الحميدة والجليلة التي لأجلها خلق الله عز وجل الخليقة، حقق مراد الله عز وجل فكان عبدًا لله عز وجل كما أراد الله منه. والعبادة هي الحكمة التي خلق الله الخلق لأجلها، والعبادة كما تقدّم معنا مرارًا أن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضى من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وأنها تدور على قطبين: غاية الحب مع غاية الذل. وفي كلام العلامة ابن القيم السابق إشارة إلى هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: فكمال المخلوق في تحقيق تلك الغاية، وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته. ولهذا ذكر الله نبيه بلقب العبد في أسمى أحواله وأشرف مقاماته، كالإسراء به، كما في قوله سبحانه: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾. وقوله: وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية، أي كلما تقرب العبد من ربه عز وجل بأنواع العبادات محبة وتعظيمًا وإجلالًا وذلًا وخضوعًا لله عز وجل، كلما علت وارتفعت بقدر ذلك التقرب من ربه عز وجل. فكلما حقق هذه العبودية لله عز وجل، كلما علت ذلك العبد درجات. فبقدر تقربه من الله عز وجل بقدر ما يرفعه الله عز وجل بذلك التقرب. وقد أشار ربنا عز وجل في آيات كثيرة مشيرة إلى هذا المعنى، من أن السابقين إلى الله عز وجل والمشاركين إليه في درجات عليا، ومن دونهم دونهم. ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله. هذه طبقات الناس في سيرهم إلى الله عز وجل، منهم الظالم لنفسه المقصر في الواجبات والمقترف لبعض المحرمات، ومنهم المقتصد القائم بالواجبات والتارك للمحرمات، ولكنهم لم يضيفوا إلى الواجبات المستحبات، ولم يضيفوا كذلك إلى ترك المحرمات ترك المكروهات. فهو مقتصد في سيره إلى الله عز وجل. وقسم ثالث هو أعلى الدرجات وأعلى الرتب، المسارع في الخيرات، وهو الذي قام بالواجبات وأتبعها بالمستحبات، وترك المنهيات وأتبعها بترك كذلك المكروهات. ولكل منزلة، فبقدر التقرب من الله عز وجل والتعبد والتذلل لله عز وجل، كلما تكون عبادة أو تكون منزلة العبد من ربه عز وجل، فبتحقيق العبودية لله عز وجل يتحقق للعبد مقصوده، وكذلك يحقق ما أراد الله عز وجل منه. قال رحمه الله تعالى: والصلاة في اللغة الدعاء، وهذا هو المشهور عند أهل العلم. بل ذكر الإمام الأزهري في تهذيب اللغة أن هذا المعنى مجمع عليه بين أهل اللغة، بمعنى أن الصلاة في اللغة بمعنى الدعاء. واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾، أي إن دعاءك سكن لهم. ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وتلميذه ابن القيم رحمهم الله تعالى أجمعين لا يرضون هذا المعنى لغة. فيقولون إن الصلاة ليس معناها محصورًا على الدعاء، وإن كان يأتي من معانيها الدعاء، لكن ليس الدعاء هو التفسير التام لمعنى الصلاة. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب بدائع الفوائد: إن الصلاة ليست بمعنى الدعاء فقط، ورد هذا القول من عدة أوجه. منها أنه قال: إن الصلاة إذا قيل: صلى الله عليه وسلم، لا تقول: دعا عليه، بل تقول: دعا له. فهذا دل على الفرق بين الدعاء والصلاة. إذ لو كان الصلاة بمعنى الدعاء لصح جعل لفظة الدعاء مكان الصلاة واستقام المعنى. فلو قلنا: صلى الله عليه وسلم، أو اللهم صل على زيد، وأجعل مكان الصلاة الدعاء، كيف يكون الكلام؟ سيكون يعني: يا فلان ادع على زيد، كأننا نقول: يا فلان ادع على زيد، يا فلان صل على زيد، صل على محمد صلى الله عليه وسلم، ادع على محمد صلى الله عليه وسلم، لا يستقيم الكلام. قال: الدعاء إذا كان بالخير يتعدى باللام، تقول: دعوت له، وإذا كان بالشر يتعدى بعلى، المدعو عليه. وذكر أيضًا من الأوجه أن الدعاء يحتاج إلى داع ودعاء ومدعو، أما الصلاة فلا تحتاج إلى هذا المعنى، لأن الله عز وجل يصلي، من هو المدعو؟ هو الله سبحانه وتعالى. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: الصواب فيه أنه بمعنى الحنو والعطف، بمعنى الحنو والعطف المخصوص. قال: وهذا يدور معه الكلام حيث دار، سواء كان صلاة الله عز وجل أو كانت صلاة الملائكة أو كانت صلاة المؤمنين. بخلاف إذا قيل الدعاء، كما سيأتي هنا أنه بالنسبة لله عز وجل هو ثناء، وبالنسبة للملائكة هو ذكر كذا وكذا، وبالنسبة للمؤمنين هو كذا وكذا. لكن إذا جعل الصلاة بمعنى الحنو والعطف على ما ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، دار هذا اللفظ في جميع مواردة. قال رحمه الله تعالى: أصح ما قيل في صلاة الله على رسوله، وما ذكره البخاري في صحيحه عن أبي العالية، قال: صلاة الله على رسوله ثناءه عليه عند الملائكة. كذلك هذا من المعاني المذكورة في الصلاة. قال: المشهور أن الصلاة من الملائكة استغفار، كما في الحديث الصحيح: «والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه». ومن الإدميين التضرع والدعاء. إذا خلاصة هذا أنهم جعلوا الصلاة التي هي بمعنى الدعاء خاص بمن؟ بالآدميين. فدل هذا على أن الصلاة في مواردها يختلف من موضع إلى آخر. بخلاف إذا قيل: إن الصلاة بمعنى الحنو والعطف، سيكون في جميع مواردها. يقول الله عز وجل: يصلي على نبيه، معنى يحنو ويعطف على نبيه. الملائكة يصلون على النبي، أي يحنون ويعطفون على ماذا؟ على النبي. الآدميون يصلون على النبي، أي يحنون ويعطفون على ماذا؟ فيكون اللفظ مستخدمًا في جميع موارده، واللفظ إذا استخدم في جميع موارده دل على أنه هو اللفظ المطابق للمعنى. بخلاف ما إذا كان يستخدم ويصح في مقام ولا يصح ويستخدم في مقام آخر، دل على أنه ليس مطابقًا لمعنى. وهكذا الدعاء، الدعاء مستخدم في موضع دون موضع. كما ذكرنا لا ينبغي ما نستطيع أن نقول: إن الله وملائكته يصلون على النبي، إن الله يدعو، يدعو على من؟ ثم يدعو من؟ واضح هذا. بخلاف ما، إذا ذكر على ما ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، ينحّي الإشكال في هذه المسألة تمامًا. والله أعلم.

شاركنا على