الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 17، ألقاها
يتناول الفرق بين أهل السنة وأهل البدع في التعامل مع النصوص الدينية، حيث يرفض أهل البدع الظواهر ويحاولون تأويلها بينما يتبع أهل السنة النصوص ويحذرون من الابتداع. التأويل له معنيان عند العلماء، الأول بمعنى حقيقة الشيء وبيانه.
يناقش مفهوم التأويل في القرآن الكريم ويقسمه إلى ثلاثة أقسام: التأويل الشرعي، والتأويل بمعنى التفسير، والتأويل بإخراج اللفظ عن ظاهره بقرينة. كما يتناول أنواع التأويل الصحيح والفاسد.
يؤكد على ضرورة اتباع أوامر الرسول واجتناب ما نهى عنه، ويشدد على أهمية التسليم بما جاء به الرسول واعتقاد ظواهر النصوص في حق الله تعالى. يجب على المسلمين التسليم والايمان بظواهر النصوص.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم ما بعد؛ مضى معنا في الدرس الماضي أن الفقرة التي قرأناها في الدرس الماضي فيها شيء من السَقَب، كما سيأتي بيان ذلك بإذن الله تبارك وتعالى. قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله: «والفرق بين أهل السنة وأهل البدع أنهم -قلنا: الضمير يعود على أهل البدع بهذا السياق الموجود بين أيدينا- أنهم إذا سمعوا خبرًا في صفات الرب ردوه أصلًا ولم يقبلوه، أو يسلموا للظاهر. هذا كما سمعتم؛ إما أن يردوه أصلًا ورأسًا، كما هو حال الجهمية نفات الصفات، المعطلة تعطيلًا محضًا للباري جل وعلا عن صفاته. وإما أن يتأولوا الظاهر، وأن الظاهر غير مراد. فهم يردوه أصلًا ولم يقبلوه، أو يسلموا للظاهر -أيضًا- لم يسلموا للظاهر الذي هو الظاهر النص؛ لأن ربنا تبارك وتعالى خاطبنا بما نعقل، وبيَّن في كتابه الكريم بيانًا واضحًا جليًا. فلم يكن الله تبارك وتعالى شرعه ودينه، ولا شيء من ذلك إلى عقول الناس، بل بيَّنه ربنا تبارك وتعالى بيانًا واضحًا جليًا في كتابه، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فالناس عليهم الاتباع والحذر من الابتداع». قال رحمه الله: «ولم يقبلوه أو يسلموا للظاهر، ثم تأولوه بتأويل يقصدون به رفع الخبر من أصله. ما مقصده من التأويل الذي حقيقته التحريف؟ تأويل المبتدعة حقيقته تحريف للكلم عن مواضعه؛ لأنه إخراج للفظ عن مراد قائله، عن مراد الله تبارك وتعالى، أو عن مراد رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فهو تحريف؛ لأنه انحراف في لفظ الحديث، إما باعتبار لفظه أو باعتبار معناه. والتأويل يكون في المعنى». والعلماء رحمهم الله تعالى حينما يتكلمون على التأويل من حيث هو التأويل الشرعي، التأويل الشرعي يأتي لمعنيين؛ أي: لما يدل عليه الشرع من كتاب الله تبارك وتعالى، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، يأتي لمعنيين. الأول: بمعنى حقيقة الشيء، بمعنى حقيقة الشيء. من آل الشيء يأولون أولًا إذا رجع. ومنه قول الله تبارك وتعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ أي: حقيقته وبيانه. وكما في قول الله تبارك وتعالى عن يوسف عليه السلام: «أنه قال: يا أبتي هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقًا» أي: حقيقة تأويل رؤياه. ويقسمون هذا التأويل إلى قسمين كذلك؛ تأويل في الأخبار، وتأويل في الأوامر. التأويل في الأخبار: أن تقع، أو أن يقع الخبر المخبر به كما أخبر به عنه. إذا وقع؛ فقد وقع تأويله، كما في الآيات السابقة. وتأويل الأمر: بأن يُعمل بذلك الأمر. ومنه قول عائشة رضي الله عنها وأرضاها: «قالت: لما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ قالت: فكان النبي صلى الله عليه وسلم يُكثر من أن يقول: سبحان الله بحمده، اللهم اغفر لي. قالت: يتأول القرآن» -يتأول القرآن- فهذا من باب تأويل الأمر. هذا القسم الأول من التأويل الشرعي. والقسم الثاني: التأويل الذي هو بمعنى التفسير، بمعنى التفسير وتبين المعنى. ومنه قول الأئمة كابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره وتأويل قول الله تبارك وتعالى كذا وكذا؛ أي: تفسيره. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما -كما في مسند أحمد، وأصلهم في الصحيحين-: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن عباس: اللهم علمه التأويل، اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل»؛ أي: وعلمه التفسير واستبيان معنى القرآن. هذان القسمان دل عليهما الكتاب والسنة. وثم قسم ثالث ذكره الأصوليون: وهو إخراج اللفظ عن ظاهره بقرينة. إخراج اللفظ عن ظاهره بقرينة. ثم إن الناس في القرينة على ثلاثة أقسام. القسم الأول: من يخرج اللفظ عن ظاهره بقرينة صحيحة. وهذا التأويل تأويل صحيح؛ لماذا؟ لأنه أخرج اللفظ عن ظاهره بقرينة صحيحة. هذا تأويل صحيح وتأويل معتبر. الثاني: أن يخرج اللفظ بقرينة يظنها صحيحة وليست بصحيحة في نفس الأمر. وهذا يسميه الأصوليون تأويلًا فاسدًا؛ لأن القرينة التي خرج اللفظ بها عن ظاهره قرينة فاسدة ضعيفة ليست بصحيحة. فإخراج اللفظ عن ظاهره ليس بصحيح. وهذا النوع استعمله أكثر ما يستعمل الأشاعرة في باب صفات الله تبارك وتعالى، وقبلهم المعتزلة، وأحيانًا الجهمية. القسم الثالث: إخراج اللفظ عن ظاهره من غير قرينة أصلًا. وهذا ما يسميه العلماء لعبًا؛ أي: لعبًا بكتاب الله تبارك وتعالى؛ إذ إنه يفسر كلام الله تبارك وتعالى بهوى نفسه لعبًا وهزوا من غير ما برهان. لذا كان هذا الصنف ممن يتلاعب بكتاب الله تبارك وتعالى، وصفه العلماء بأنه كافر بالله العظيم؛ لأنه متلاعب بكتاب الله تبارك وتعالى. والله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. وهذا النوع هو كتأويل الجهمية والرافضة. الجهمية -كما سمعتم ومر معنا- يأتي القائل فيقول لهم: إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾. يقول: لا يسمع ولا يبصر؛ لا يسمع ولا يبصر. يقول: ليس المراد السمع والبصر؛ عليك أن تفهم. ماذا يعني؟ معناه غير ذلك. ما عندهم شيء؛ بل ربما لعبوا، وحرفوا الكلمة عن مواضعها بإبدال كلمة مكان كلمة في القرآن. كما ثبت عن بعضهم أنه كان يقرأ ويحث على قراءة قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ الآية. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ قال: هو السميع العليم. لماذا؟ كأنه يقول: القرآن يجوز تغيير لفظ مكان لفظ؛ ليس بمعصوم. ومنه يتطرق إلى ماذا؟ إلى رد القرآن؛ لأنه يجوز أن يقدم أو أن تستبدل كلمة بكلمة. فهذا من العبث واللعب بكتاب الله جل وعلا. ومنه أيضًا -كما سمعتم- تأويل الرافضة. الرافضة يأتون إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. قول: البقرة هي عائشة رضي الله عنها وأرضاها. هذا لعب بالقرآن؛ هذا لعب بالقرآن. فالحاصل أن هذا التأويل فاسد، أو قل: لعب. يسميه العلماء تأويلًا، أو يسمونه لعبًا. وصاحبه -كما تقدم- حكمه. فأهل الأهواء يستخدمون كثيرًا النوع الثاني، يستخدمون كثيرًا النوع الثاني. قال: «ثم تأولوا بتأويل يقصدون به رفع الخبر من أصله»؛ أي: رد الخبر من أصله؛ لأجل أن لا يثبتوا منهم صفات لله رب العالمين جل جلاله. قالوا: أو قال: «وإعمال حيل عقولهم وآرائهم فيه»؛ أي: يحاولون، يشغلون عقولهم من أجل رد ظواهر القرآن. حيل ومراوغات ومخادعات؛ كل ذلك لأجل رد ظاهر القرآن الذي أمرنا ربنا تبارك وتعالى بالأخذ به. هذا من شؤم البدعة على أصحابها؛ أنهم لا يقبلون كتاب الله جل وعلا إمامًا يأتمون به فيما يتقربون به إلى الله جل وعلا. قوله رحمه الله: «ويعلمون حقًا يقينًا أن ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ما قاله». منها هنا في سقط؛ ذكرنا أن هناك سقط؛ هذه العبارة تشعر أن هناك كلامًا سقط؛ لأن قوله: «ويعلمون» الواو هنا عطف. وإذا كانت عطف تكون تابعة لما قبلها. فيكون قوله: «ويعلمون حقًا» لو أعملناه على السياق يكون هذا من قول من؟ من قول أهل الأهواء. لكن كما سمعتم هنا سقط. والظاهر أن هذا السقط تقديره: «والله أعلى وأعلم بأن يقال: وأما أهل السنة، أو وأما أهل الحديث، وأما السلف الصالح؛ فإنهم يؤمنون بكتاب الله جل وعلا، ويعتقدون الظواهر صدقًا. ويعلمون حقًا يقينًا» إلى آخره. «ويعلمون حقًا يقينًا أن ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ما قاله»؛ أي: على ظاهره؛ لأنه أعلم الناس بربه جل وعلا. قال: «إذ هو كان أعرف الناس بالرب جل جلاله من غيره، ولم يقل فيه إلا حقًا وصدقًا ووحيًا». قال الله عز وجل: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. فإذن يجب الأخذ بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة، واعتقاد ما جاء به صلى الله عليه وسلم من ظواهر النصوص في حق ربه جل وعلا على ظاهرها اللائق بالله جل وعلا. انطلاقًا من قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قال الزهري إمام الأئمة، وغيره من علماء الأمة رضي الله عنهم: «على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم». على الله البيان؛ بيَّن ربنا تبارك وتعالى بيانًا واضحًا جليًا. يريد الله ليبيِّن لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم. والله يريد أن يتوب عليكم. وربنا تبارك وتعالى كذلك وصف كتابه بأنه مبين: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. ووصف نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه مبين عن ربه جل وعلا: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. لتبين للناس. توضح، تجل للناس ما نزل إليهم. فكما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيَّن للناس ما يحتاجون في باب الأمر والنهي، كذلك بيَّن لهم بيانًا واضحًا جليًا فيما يحتاجونه في باب الإيمان. ومن أعظم ذلك باب الإيمان بالله تبارك وتعالى جل جلاله سبحانه وتعالى. فمن الله البيان، ومن الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ: ﴿إِنَّا عَلَيْنَا الْبَلَاغُ﴾. وعلينا التسليم: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على طاعة الرسول فيما أمر ونهى بالامتثال، وفيما أخبر بالإيمان والتصديق. ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾. فهذا تقرير إجمال لهذه الفقرة. نكتفي بهذا القدر. ننتهي الوقت إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.