شرح عقيدة السلف للصابوني 18

الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 18، ألقاها

بداية القصة وتحذير وهب بن منبه

يبدأ المقطع بقصة الجعد بن درهم الذي سأل وهب بن منبه عن صفات الله تعالى، حيث حذر وهب الجعد من سوء عاقبة سؤاله. الجعد يعتبر مؤسس بدعة الجهمية.

التحذير من الخوض في صفات الله

وهب بن منبه يحذر الجعد من الخوض في صفات الله بغير علم، مشددًا على أن باب الأسماء والصفات توقيفي ولا يجوز وصف الله بما لم يصفه به نفسه أو رسوله.

مقتل الجعد بن درهم واستدلال الأئمة

يروي المقطع قصة مقتل الجعد بن درهم على يد خالد القسري، ويبين استدلال الأئمة بهذه القصة على جواز قتل رؤوس المبتدعة إذا لم ينزجروا إلا بذلك.

ختام بالتمجيد والاستغفار

المقطع ينتهي بالتمجيد لله والاستغفار والتوبة إليه، ويتضمن الثناء على الله واعتراف العبد بذنبه وطلب المغفرة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان أصابون رحمه الله: قال الزهري، إمام الأئمة، وغيره من العلماء، وغيره من علماء الأمة -رضي الله عنه وعنهم- وقع سقط ظاهر -رضي الله عنه وعنهم- على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. وتقدم معنا الكلام على هذا الأثر، وأنه رواه البخاري رحمه الله تعالى معلقًا، وإسناده صحيح إلى الإمام الزهري رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: وروى يونس بن عبد الصمد بن معقل عن أبيه أن الجعد بن درهم قدم على وهب بن منبه يسأله عن صفات الله تعالى، فقال: ويلك يا جعد، أنقص المسألة، إني لأظنك من الهالكين. يا جعد، لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يدًا وعينًا ووجهًا لما قلنا ذلك، فاتق الله. ثم لم يلبث جعدٌ أن قُتِل وصُلب. أولًا، هذا الأثر من طريق يونس بن عبد الصمد بن معقل، إسناده حسن. يونس بن عبد الصمد بن معقل روى عنه الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره. والإمام أحمد رحمه الله تعالى قاعدته أن لا يكتُب عن رجل إلا إذا كان مرضيًا عنده، فدل ذلك على أن يونس بن عبد الصمد أقل أحواله أن يكون حسن الحديث. وأبوه عبد الصمد بن معقل صدوق، وقد سمع من وهب بن منبه رحمه الله. ووهب بن منبه من أئمة التابعين رحمه الله تعالى. وقوله: أن الجعد بن درهم، الجعد بن درهم هو رأس الجهمية وأصل بدعتهم. مؤسس بدعة الجهمية ومحدث بدعة الجهمية هو الجعد بن درهم، وذلك أنه أول من تكلم في هذا الأمر، لكن لم يلبث أن قتل. وقد أخذ عنه هذه الفكرة الخبيثة وهذا المعتقد الدسيس عن الإسلام الجهم بن صفوان، وشهره ونشره، وصارت الجهمية تنسب إليه؛ لأنه هو الذي شهره وأذاعه، وإلا فمؤسس هذا المعتقد الخبيث هو الجعد بن درهم. وقوله: أن الجعد بن درهم قدم على وهب بن منبه يسأله عن صفات الله تعالى. وهل كان قدومه لأجل الاستعلام والاستخبار والاستفادة، أم لأجل المجادلة والتعنت؟ الأمر ظاهر من أنه سؤال متعنت يريد إظهار ما عنده من رأي ومن فكر حادث. لذا قال له وهب بن منبه رحمه الله تعالى: ويلك يا جعد، أنقص المسألة، إلى آخر ما ذكره له. وقوله: يسأل عن صفات الله، معناه أنه يسأل عن كيفية صفات الله وعن ما هي صفات الله تبارك وتعالى. إذا أنه سأل عن صفات الله جل وعلا سؤال مستعلم مستفهم، طالبًا للعلم. لما أجابه وهب بهذا الجواب، ولكن كان سؤاله وكلامه على ما هي الصفات وعن كيفية الصفات، وما يستلزم من إثبات الصفات في نظر الجعد ما يستلزم من إثبات الصفات على أو في نظر الجهم. لذا زجره وهب بن منبه رحمه الله تعالى، فقال: ويلك يا جعد، أنقص المسألة، أي: لا تتكلم في هذه المسائل التي لم يأت فيها دليل من كتاب الله تبارك وتعالى، ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولم يتكلم بها أحد ممن سبق من الصحابة الكرام وإمة التابعين لهم بإحسان -رضي الله عنهم وأرضاهم-. ثم قال: إني لأظنك من الهالكين يا جعد، وهذه من فراسته رحمه الله. ثم قال له: لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يدًا وعينًا ووجهًا لما قلنا ذلك. ومعنى ذلك أن إثبات الصفات بابه توقيفي على كتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ولو لم يأت الدليل من كتاب الله ولم سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، لما جاز لأحد أن يصف الله تبارك وتعالى بصفة من تلقاء نفسه؛ لأن ذلك تقولًا على الله تبارك وتعالى، لأن ذلك تقول على الله تبارك وتعالى بما لم يقوله الله تبارك وتعالى، ووصف الله تبارك وتعالى بما لم يصف به نفسه، ولا وصفه به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فيكون من القول على الله بغير علم. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وقال: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾. ما أحد يستطيع أن يصف الله تبارك وتعالى من تلقاء نفسه أبدًا؛ لماذا؟ لأن هذا من علم الغيب، من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله جل وعلا. فإذا أظهر ربنا تبارك وتعالى من ذلك الغيب بواسطة رسوله، وصفنا الله جل وعلا بما وصف به نفسه، أو بما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، فيكون ذلك من علم الغيب الذي أطلعنا الله تبارك وتعالى عليه. لذا قال له: لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يدًا وعينًا ووجهًا لما قلنا ذلك؛ لماذا؟ لأن الباب توقيفي، باب الأسماء والصفات توقيفي بإجماع أهل السنة والجماعة. قال له: فاتق الله. ثم لم يلبث جعد أن قتل وصلب. وسعت معنا من قتله. قال: وخطب خالد، وخطب خالد -خالد بن عبد الله القسري- وكان أميرًا على أهل البصرة. وخطب خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بالبصرة، فقال في آخر خطبته: «إن صرفوا إلى منازلكم وضحوا، بارك الله فيكم، وضحوا، بارك الله لكم في ضحاياكم، فإني مضحٍ اليوم بالجعد بن درهم، مضحٍ بالجعد بن درهم؛ إنه يقول: لم يتخذ الله إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، سبحانه وتعالى عما يقول الجعد علوًا كبيرًا». ونزل عن المنبر، فذبحه بيده، وأمر بصلبه. والأثر من حيث الإسناد لم يصح؛ لأن فيه بعض المجاهيل؛ لأنه من طريق عبد الرحمن بن محمد بن حبيب عن أبيه عن جده، وهو مجهول. وله طرق، لكن كلها لا يخلو شيء منها من كلام، مرجعه إلى هذه الطريق. لكن كما نبه من أهل العلم أن هذه القصة وهذه الرواية، وإن لم تصح من حيث الإسناد، إلا أن شهرتها أغنت عن النظر في إسنادها. شهرتها أغنت عن معرفة إسنادها من حيث القبول أو الرد؛ وذلك لأن كتب السنة مطبقة، كتب الأعلام والأئمة -رحمهم الله تعالى- مطبقة على ذكر أن سبب أو أن الجعد بن درهم ضحى به خالد القسري -رحمه الله- ضحى به. فهذا يدلنا على ثبوت هذه القصة من حيث اشتهارها وثبوتها عند الأئمة -رحمهم الله تعالى-. وكل من تكلم من الأئمة -رحمهم الله تعالى- في مقتل الجعد بن درهم ذكر أن قاتله، أن الذي قتله وذبحه هو خالد بن عبد الله القسري، أمير البصرة حينها. وقد استدل الأئمة -رحمهم الله تعالى- على جواز قتل رؤوس المبتدعة إذا لم ينزجروا إلا بذلك؛ لأنهم من رؤوس الفساد. والله تبارك وتعالى يقول: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. فهؤلاء فسادهم أشد من فساد من يقطع الطريق فيأخذ الأموال، أو يقتل من يقتل؛ لأن فساد هؤلاء على عقائد الناس، وهو أشد من فساد من يقطع الطريق فيسلب أموالهم أو يقتلهم؛ لأنه لا حياة بعد فقدان العقيدة. والله أعلى وأعلم. قال: ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل، ولا تكييف، بل يثبتون ما أثبته رسوله، ما أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله تعالى. هذه فقرة نؤخر الكلام عليها إلى الدرس اللاحق بإذن الله تبارك وتعالى. إلى هنا، سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على