الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 47، ألقاها
يشرح هذا الفصل موقف أهل السنة والجماعة من قبول الأعمال وتفاضل الإيمان بين الناس، مؤكداً أن قبول الأعمال بيد الله وحده وأن الإيمان يزيد وينقص.
يشرح هذا الفصل أن أهل السنة والجماعة وسط بين الفرق الضالة في مسائل الإيمان والأسماء والصفات، حيث يعتقدون أن الإيمان يزيد وينقص ويثبتون لله الأسماء والصفات من غير تمثيل ولا تعطيل.
يتناول هذا الفصل اختلاف الفرق الإسلامية في مسألة الإيمان ويبرئ أهل السنة والجماعة من الإرجاء، مؤكداً اتفاق الأئمة على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، توقفنا في درسنا الماضي في كتاب «عقيدة السلف أصحاب الحديث» عند ذكر أثر ابن المبارك رضي الله عنه ورحمه الله، الذي فيه أنه حينما قدم الري قام إليه رجل من العباد، عليه علامة الخوارج، فقال له -أي ذلك الرجل العابد- قال لابن المبارك: يا أبا عبد الرحمن، ما تقول فيمن يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ أي: ما تقول فيه، هل هو من أهل الإيمان أو ليس هو من أهل الإيمان؟ فقال ابن المبارك رحمه الله: لا أخرجه من الإيمان. فقال: يا أبا عبد الرحمن، على كبر السن صرت مرجئًا! فقال: لا تقبلني المرجئة؛ المرجئة تقول: حسناتنا مقبولة وسيئاتنا مغفورة. أي: هذا من مذهب المرجئة أنهم إذا عملوا الحسنة جزموا بأن الله جل وعلا قبلها، وكذلك لو عمل الإنسان منهم الذنب جزموا بأن الله جل وعلا يغفر له ذلك الذنب، وهذا بناء على قاعدتهم المعروفة المشهورة: «لا يضر مع الإيمان معصية»، لا يضر مع الإيمان معصية؛ فالإيمان عندهم ثابت، لا تضره المعاصي، ثابت إيمان كامل كإيمان جبريل وميكائيل عليهم السلام. قالوا: ولو علمت أني قبلت مني حسنة لشهدت أني في الجنة. وهذا ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة أنهم لا يجزمون بعمل ما عملوه متقربين فيه إلى الله جل وعلا بأنه مقبول؛ لأن قبول الأعمال إلى الله جل وعلا، الله جل وعلا هو أعلم بما يقبل من الأعمال مما لا يقبل. وكما قال ابن المبارك رحمه الله: «ولو علمت أني قبلت مني حسنة لشهدت أني في الجنة». وهذا المعنى الذي ذكره ابن المبارك رحمه الله تعالى هو مأثور عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. جاء هذا المعنى عن علي بن أبي طالب، جاء هذا المعنى عن أبي ذر، جاء هذا المعنى عن طائفة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. يذكرون هذا المعنى عن ابن عمر، يقولون -أي يقول أحدهم-: لو أعلم أن الله جل وعلا تقبل مني حسنة، لفرحت -أو كما قال-. وذلك أن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، ورفض «إنما» من ألفاظ الحصر. فإذا قبول الأعمال والحسنات إلى الله جل وعلا. لذا جاء عند أبي داود وغيره، من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، بإسناد حسنه جماعة من العلماء، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله، أنها قالت: يا رسول الله، أرأيت قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، هل هم الذين يسرقون؟ هل هم الذين يشربون الخمر؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يا بنية، إنما أولئك قوم عملوا الطاعات، وخشوا أن لا يتقبلها الله جل وعلا منهم» -أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. وهؤلاء من هؤلاء المسارعين في الخيرات، والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، أنهم إلى ربهم راجعون، أولئك يسارعون في الخيرات؛ فمع مسارعتهم في الخيرات يتقربون إلى الله جل وعلا بالطاعات، ومع هذا يتمنون ويرجون من الله جل وعلا أن يتقبل منهم أعمالهم، لا يجزمون بأن الله جل وعلا قد قبل أعمالهم. هذا مذهب أهل السنة والجماعة. فقول ابن المبارك رحمه الله تعالى: «المرجئة تقول: حسناتنا مقبولة وسيئاتنا مغفورة»، يدل على ما تقدم من أن المرجئة يقولون: «لا يضر مع الإيمان معصية». وأيضًا يستفاد من قول ابن المبارك رحمه الله تعالى: «لا تقبلني المرجئة»، يستفاد منه أن أهل الأهواء لا يقبلون أهل السنة والجماعة؛ لأنهم يرونهم مخالفين لهم. لذا قال من قال من الأئمة رحمهم الله تعالى: «تجد الخارجي يصف أهل السنة بأنهم مرجئة». الخارجي يصف أهل السنة والجماعة بأنهم مرجئة. قال: «والمرجئة تصف أهل السنة والجماعة بأنهم خوارج». يعني: انظر إلى تناقض الخوارج في جهة، والمرجئة في جهة، وأهل السنة وسط. الخوارج يقول لأهل السنة والجماعة: أنتم مرجئة، المرجئة يقول لأهل السنة والجماعة: أنتم خوارج. وما ذاك إلا لأن أهل السنة والجماعة يخالفون كلا الطائفتين لما هم عليه من الباطل والزيغ والبعد عن الصراط المستقيم. فهل السنة والجماعة في باب الإيمان -كما تقدم- يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص؟ هؤلاء ما في عندهم حاجة اسمها زيادة ونقصان؛ الإيمان عندهم ثابت. لكن أهل السنة والجماعة عندهم الإيمان يزيد درجات وينقص، حتى لا يبقى منه شيء؛ ينقص وينقص وينقص حتى لا يبقى منه شيء. وهذا مخالف لكلا الطائفتين؛ مخالف للمرجئة لأن المرجئة يقولون: بأن الإيمان لا ينقص، وكذلك لا يزيد؛ لأن الإيمان ثابت. لذا قالوا: «لا يضر مع الإيمان معصية»، إذا فعل ما فعل من المعاصي فإيمانه كامل. الخوارج كذلك يقول: الإيمان لا يزيد ولا ينقص. فماذا قالوا؟ «لا ينفع مع الإيمان معصية»، بمعنى أن إنسانًا إذا وقع في المعصية -وجمهور الخوارج على أن المعصية الكبيرة- جمهور الخوارج على أن المراد بالمعصية التي تخرج من الملة عند الخوارج الكبائر. أما الصغائر فعندهم أنها لا تخرج من الملة، وعند بعضهم أن الكبائر والصغائر تخرج من الملة. والسنة وسط بين هؤلاء وهؤلاء. وكذلك في باب الأسماء والصفات، قال: وتقول الجهمية في أهل السنة والجماعة: أنهم مشبهة، أنهم مشبهة؛ لماذا؟ أن الجهمية معطلة، لا يثبتون لله جل وعلا شيء من الأسماء ولا من الصفات. في المقابل، المشبهة يقول لأهل السنة والجماعة: أنتم معطلة، أنتم جهمية معطلة. الجهمية تقول: بأن أهل السنة مشبهة، والمشبهة يقول: بأن أهل السنة والجماعة معطلة -أي جهمية- لماذا؟ لأنهم مخالفين لكلا الطائفتين. فهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات يثبتون لله جل وعلا ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، إثباتًا من غير تمثيل، مخالفة لمن؟ إثباتًا من غير تمثيل مخالفة لمن؟ للمشبهة. وينزهون الله جل وعلا عن النقائص والعيوب تنزيهًا من غير تعطيل، مخالفة لمن؟ للمعطلة الجهمية. فهم وسط بين هؤلاء وبين هؤلاء. قال رحمه الله تعالى: ثم ذكر ابن شوذب، عن محمد بن جحادة، عن سلمة بن كهيل، عن هزيل بن شرحبيل، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لو وزنا إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح»؛ أي لرجح إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض. وهذا الأثر صحيح إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، رواه أحمد في الفضائل وغيره. وفيه معنى ما تقدم ذكره من أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الناس في الإيمان متفاوتون. وهذا نص صريح من هذا الخليفة الراشد، من عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه. وقد تكلم فيه هذا الكلام على مسمع ومرأى ممن حضرهم من المهاجرين والأنصار، من غير ما نكير. وهذا يدل على ماذا؟ على إجماع السلف، إجماع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم على هذا المعنى من أن الإيمان يزيد وينقص. فعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يبين للأمة فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه على من سواه، فيقول هذا الكلام: «لو وزن إيمان أبي بكر، لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان جميع الأمة لرجح إيمان أبي بكر». لماذا؟ لقوة إيمانه ويقينه وصدقه وإخلاصه ومحبته وتعظيمه لله رب العالمين جل وعلا. فأبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه بعد الأنبياء والرسل، تأتي مرتبته بعد الأنبياء والرسل، الرسل والأنبياء، ثم بعدهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه في الإيمان. وهذا يدلنا على ماذا؟ على تفاضل الإيمان، وعلى أن الناس في الإيمان متفاضلون، متفاضلون باعتبار أصله، وباعتبار كماله، متفاوتون، متفاضلون تفاضلًا عظيمًا. قال رحمه الله: الإمام أبو عثمان الصابوني قال: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا الشيباني يقول: سمعت يحيى بن منصور القاضي يقول: سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: سمعت الحسين بن حرب، أخا أحمد بن حرب الزاهد، يقول: «أشهد أن دين أحمد بن حرب الذي يدين الله به: أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص». وهذا كذلك هو معنى ما تقدم ذكره من أن الأئمة رحمهم الله تعالى متفقون على هذا المعنى من أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الإيمان قول وعمل. فكل من قال: بأن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، فقد تبرأ من وصمة الإرجاء. كما ثبت هذا المعنى عن الإمام المبجل أحمد بن حنبل رحمه الله، إمام أحمد رحمه الله تعالى سئل: «بما يخرج الرجل عن وصمة الإرجاء؟» فقال رحمه الله تعالى: «من قال: إن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فقد تبرأ من وصمة الإرجاء». رواه عنه الخلال بإسناد صحيح، كما في «السنة» للخلال. وهذا يبين لنا مذهب أهل السنة والجماعة، والفيصل بين أهل السنة والجماعة في هذا الباب وبين غيرهم؛ فغير أهل السنة والجماعة لا يقولون: بأن الإيمان قول وعمل وأنه يزيد وينقص. ما أحد يقول: بأن الإيمان يزيد وينقص، بل الإيمان عندهم كتلة واحدة، إما أن يبقى جميعه، أن يبقى جميعه، وإما أن يذهب جميعه، فلا يبقى البعض ويذهب البعض كما تقول أهل السنة والجماعة. أهل السنة والجماعة يقولون: بأن الإيمان ربما ذهب بعضه وبقي بعضه. أما غيرهم يقول: لا، إما أن يبقى الجميع، وإما أن يذهب الجميع. لذا اختلفوا بسبب ذلك كما تقدم على فرقتين: الخوارج والمعتزلة معهم، والمرجئة في الشق الآخر. وهل السنة والجماعة وسط بين هؤلاء وهؤلاء كما تقدم؟ والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.