التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 68

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 68، ألقاها

الإرادة الإلهية وأنواعها

يتناول شرح الإرادة الإلهية وأنواعها، حيث تنقسم إلى إرادة شرعية وإرادة كونية، والمراد نوعان: مراد لنفسه ومراد لغيره. يوضح الفرق بين ما يريده الله لذاته وما يريده لغيره.

التمييز بين المراد لذاته والمراد لغيره

يشرح الفرق بين المراد لذاته والمراد لغيره، حيث يبين أن الله يريد بعض الأشياء لغيرها، مثل الكفر الذي هو مبغوض لذاته لكنه مراد لما يترتب عليه من مقاصد. هذا التمييز يوضح حكمة الله في إرادته.

حكمة خلق إبليس ودور الشر

يتناول حكمة خلق إبليس رغم كونه مادة للفساد، حيث يؤدي وجوده إلى ظهور قدرة الله ومحامد كثيرة. يوضح أن الشر في حقيقته يرجع إلى العدم وعدم الخير، وأن وجوده يحقق عبوديات متنوعة لله تعالى.

طبيعة النفس وحركة الإرادة

يشرح أن النفس خلقت متحركة، فإما أن تتحرك بالخير أو بالشر، وحركة النفس في ذاتها خير وتصبح شرا باعتبار إضافتها. يناقش أيضًا مسألة وجود الحكم بدون أسبابها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: فإن قيل كيف يريد الله أمرا ولا يرضاه ولا يحبه، وكيف يشاؤه ويكونه، وكيف تجتمع إرادته له وبغضه وكراهته؟ قيل: هذا السؤال هو الذي افترق الناس لأجله فرقا وتباينت الطرقهم وأقوالهم. فاعلم أن المراد نوعان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، من يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، ما زلنا في مسائل القضاء والقدر، ومسائل القضاء والقدر كما ذكر تعد من أقدم المسائل التي وقع فيها الخلاف، وزمنها كما مر معنا بدأ ظهوره في آخر زمن الصحابة، فهي ثالث البدع الكبرى، أول بدعة بدعة الخوارج، ثم بدعة الرفض، ثم بدعة القدر، ثم بدعة الإرجاء. فيقول الشيخ رحمه الله تعالى: وهذا الكلام منقول من كلام العلامة ابن القيم رحمه الله، يقول: فإن قيل كيف يريد الله أمرا؟ أي كيف يريد الله أمرا ولا يرضاه ولا يحبه؟ هذا سائل باعتبار إنسان مستشكل لهذه القضية ولهذه المسألة، كيف يجتمع الأمر والرضا؟ والأمر يعني كيف يجتمع الأمر الذي وجد ووقع مثل كفر الكافر ومعصية العاصي وما شابه ذلك مع كون الله جل وعلا لا يرضاه ولا يحبها ولا يأذن بها. وكيف يشاؤه ويكونه؟ أي إذا لم يكن يحبه ويرضاه ويأذن به، فلماذا يشاؤه ويكون أي يوجد ذلك الشيء على ما هو عليه؟ الجواب: نعم، هل يحبه الله جل وعلا أم لا؟ الجواب: لا. يأتي السؤال الثاني: كيف يكونه ويشاؤه ويوقده وهو لا يحبه ولا يرضاه؟ جماعة، هذا هو الإشكال الذي وقع فيه الناس، وبسببه صاروا كما قيل طرائق قددا مختلفين متنافرين متنازعين في هذا الباب. فيقول: وكيف يجمع إرادته له وبغضه وكراهته؟ كيف يجتمع الإرادة والبغض والكراهة؟ كيف يجتمع؟ قال: قيل: هذا السؤال والذي افترق الناس لأجله فرقا وتباينت الطرقهم وأقوالهم. ثم قال: فاعلم أن المراد نوعان، يعني بهذا الأمر وبهذا التقسيم وبهذا التفصيل وبهذا التبيين تتبين هذه المسألة وتنجلي بعد أن كانت خافية على كثير من الناس، فوقعوا بسببها فيما وقعوا. كما مر معنا وذكرنا في درس مضى أن القدرية نظر إلى القضاء والقدر بمنظر محبة والرضى والإذن، فقال: لا يكون في كونه إلا ما أحب، يقول: ما أراد يعني بمعنى ما أحب وأذن ورضي. لذا لما قيل لهم: كفر الكافر وفسق الفاسق ومعصية العاصي، قالوا: هذه وجدت بغير مشيئة الله. واضح جماعة، لماذا بغير مشيئة الله؟ لأن الله لا يحبها ولا يرضاها، القدرية صارت على هذا غلبت جانب الأمر وجانب إرادة الشرعية. في المقابل الجبرية غلبت جانب الإرادة الكونية، فقالت: كل ما وقع ووجد وحصل فقد شاءه الله، وما شاءه الله فقد أحبه، ما شاءه الله كل ما وقع فقد أحبه الله، لماذا؟ لأنه لا يكون في الكون شيء إلا بمشيئة الله. واضح جماعة، هؤلاء معهم شيء من الحق وزادوا فوقهم شيئا من الباطل، والآخر معهم شيء من الحق وزادوا فوقهم شيئا من الباطل، والحق بين هؤلاء وبين هؤلاء. وكيف يتبين هذا الحق؟ يتبين بمعرفة أمرين، الأمر الأول ما سيذكرها هنا، والأمر الثاني ما تقدم الإشارة إليه. فالأمر الأول هو أن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة شرعية يحبها الله ويرضاها، وقد تقع وقد لا تقع. وإرادة كونية هي بمعنى المشيئة، لا بد أن تقع، لكن قد يحبها الله وقد لا يحبها، بل قد يبغضها ربنا جل وعلا. وبها تنجلي المسألة، فيقال: كفر الكافر نقول: وقع بمشيئة الله وإرادة كونية، هل يحبه الله؟ نقول: لا يحبه الله. واضح جماعة، يأتي عندنا الجبري يقول: كيف الآن وقع بمشيئة الله؟ نقول: نعم، يقول: إذن يحبه الله، نقول: لا يحبه الله، والدليل على هذا قول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَكَرِهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾، وقال الله جل وعلا أيضا في الآية الأخرى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾. فكيف بعد هذا يقال بأن المعاصي محبوبة إلى الله؟ واضح جماعة، لا، إذن هو وقع بمشيئة الله وإرادته الكونية، ولكن الله لا يحبه، أي المعاصي والكفر والفسوق والعصيان. في المقابل الله جل وعلا هل يريد من العبادة الطاعات الإيمان الخير البر؟ الجواب: نعم، هل يقع؟ نقول: قد وقد. واضح جماعة، لا نقول: قد وقد انتهت القضية تماما كما دل على هذا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع سلف الأمة على هذا المعنى، بل والعقل الصحيح بل والفطرة السليمة تؤيد هذا. هذا هو الأمر الأول، وقد مضى. الأمر الثاني الذي يبين هذه المسألة ويجليها هو ما ذكرها هنا بقوله: فاعلم أن المراد نوعان، أن المراد نوعان. يعني أن قيل لنا: هل يعني أن قيل لنا كيف يريد الله أمرا ولا يرضاه ولا يحبه؟ كيف يجتمع هذا وذاك؟ يريده ولا يحبه يوجد ذلك الشيء مع أنه لا يأذن به؟ كيف هذا؟ قال: السنة جواب، الجواب سهل، نقول: يريده كونا ولا يريده شرعا، يوجده كونا ولا يأذن به شرعا. واضح جماعة، الأمر انتهى سهل، لكن عند هؤلاء لا يفهمون، فاحتاج أهل السنة والجماعة إلى مزيد بيان. فقال: فضل قال رحمه الله: فاعلم أن المراد نوعان: مراد لنفسه ومراد لغيره. فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته، وما فيه من الخير فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد. يقول رحمه الله: فاعلم أن الأمر نوعان، يعني في قوله: كيف يريد أمرا؟ كيف يريد أمرا ولا يرضاه؟ فالجواب: أن الأمر نوعان: الأمر نوعان: مراد لنفسه أي لذاته، ومراد لغيره. مراد لغيره، قال: فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته، وما فيه من الخير. إذن ما كان مرادا لنفسه فهو محبوب من جهتين: الجهة الأولى من حيث هو أي محبوبا أي كونه محبوبا لذاته، والجهة الأخرى أنه محبوب باعتبار ما ترتب وما وجد فيه من الخير. ما ترتب عليه من الخير وما وجد فيه من الخير، مثال ذلك الإيمان محبوب لذاته لله رب العالمين، ولما يترتب على الإيمان من الخير والمنافع هو كذلك محبوب إلى الله. الرسول صلى الله عليه وسلم محبوب إلى الله جل وعلا لذاته، ولما ترتب عليه كذلك ما وما يجد على يديه من الخير. وهكذا قل واضح جماعة، فهذا مراد لنفسه، مراد لنفسه، قال: فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد، مراد إرادة الغايات والمقاصد. الإيمان مراد إرادة غاية، وكذلك هو مقصد مقصد إلى رضوان الله جل وعلا وإلى طاعة الله وإلى محبة الله جل وعلا. فإذا هو محبوب لذاته ومحبوب كذلك لماذا؟ لغيره، وهو كذلك مراد إرادة الغايات ومراد إرادة المقاصد. قال رحمه الله: والمراد لغيره قد لا يكون مقصودا لما يريد، ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته، وإن كان وسيلة إلى مقصوده ومراده، فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته، مراد له من حيث قضاؤه وإيصاله إلى مراده. طيب قوله رحمه الله: قال: والمراد لغيره، المراد لغيره أي ليس مرادا لذاته ولكن مرادا لأمر آخر، مرادا لغيره أي لأمر آخر. يقول: قد لا يكون مقصودا لما يريد، قد لا يكون مقصودا لما يريد أي مثال ذلك الكفر ليس مقصودا لما يريد أي لا يقصده الله ولا يحبه الله ولا يريده الله إرادة شرعية. فكما قال: قد لا يكون مقصودا لما يريد، طيب قال: ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته، إلى ذات إلى ذاته إلى ذات ماذا؟ إلى ذات ذاك الأمر، مثال الكفر ليس فيه مصلحة لذاته. واضح جماعة، فهو كما قال: قد لا يكون مقصودا لما يريد، ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته أي إلى ذات الشيء إلى ذات الكافر إلى ذات الكفر، ليس مقصودا ولا محبوبا ولا مرادا بهذا الاعتبار. قال: لكن ماذا؟ قال: وإن كان وسيلة، وإن كان وسيلة إلى مقصوده ومراده، أي مقصودا كان وسيلة أي ذلك الشيء إلى مقصد لله رب العالمين أي إلى أمر يريده الله جل وعلا ويرضاه. كفر الكافر من حيث هو من حيث ذاته ليس مقصودا، واضح جماعة، ولكن المقصود ما يترتب على الكفر الكافر من أشياء أرادها الله جل وعلا بحكمته البالغة التي بهرت العقول. واضح جماعة، فهو مراد لا لذاته ولكن مراد لماذا؟ لغيره، مراد لغيره، لذا قال رحمه الله: قال: وإن كان وسيلة إلى مقصوده ومراده، قال: فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته، الكفر من حيث هو المعصي من حيث هو الفسق من حيث هو من حيث هو كذلك مكروه لله جل وعلا. قال: مراد له من حيث قضائه وإيصاله إلى مراده، مراد له من حيث قضائه أي من حيث أن الله جل وعلا قضاه فأوجده، فهو مراد لله جل وعلا كونا. واضح جماعة، قال: مراد له من حيث قضائه وإيصاله إلى مراده أي إلى الأمر الذي أراده. لأنه مقصود مراد لغيره لا لذاته. قال رحمه الله: فيجتمع فيه الأمران: بغضه وإرادته، ولا يتنافيان لاختلاف متعلقهما. طيب يقول رحمه الله: فيجتمع فيه الأمران: بغضه وإرادته، أي بغضه باعتبار أنه مبغوض إلى الله جل وعلا باعتبار ذاته، الكفر باعتبار ذاته مبغوض إلى الله جل وعلا. قال: فيجتمع فيه الأمران: بغضه وإرادته، فهو مبغوض، ولكن الله جل وعلا يريده. واضح جماعة، لماذا يريده؟ لما يترتب عليه من أمور ومقاصد عظيمة وجليلة أرادها الله، فهو مراد لغيره. واضح جماعة، لذا يقول رحمه الله تعالى: يقول ماذا؟ يقول: فيجتمع فيه الأمران: بغضه وإرادته، ولا يتنافيان لاختلاف متعلقهما، أي أن جهة البغض غير جهة المحبة. واضح جماعة، جهة البغض منفكة عن جهة المحبة، لذا تصور هذا الأمر أن تجتمع الإرادتان وأن يجتمع الأمران الكوني والشرعي. واضح جماعة، فهو مقصود لا لذاته ولكن لغيره، فهو باعتبار ذاته مبغوض، إبليس باعتبار ذاته محبوب إلى الله جل وعلا ليس بمحمود، ولمحبوب إلى الله جل وعلا، لكن الله جل وعلا أوجده وأوجده لماذا؟ هل لغير حكمة؟ يفعل الله جل وعلا شيئا لغير حكمة؟ أو يخلق شيئا عبثا؟ الجواب: لا، خلقه الله جل وعلا لحكمة عظيمة جليلة. فهو باعتبار هذه الحكمة الجليلة العظيمة محبوب إلى الله جل وعلا ومراد إلى الله. واضح جماعة، باعتبار الحكمة باعتبار ما أراده الله. فهو باعتبار مبغوض، باعتبار يكون مبغوضا إلى الله، وباعتبار آخر يكون محبوبا إلى الله، لماذا؟ لأنه يترتب عليه أمور عظيمة جليلة. سيأتي بإذن الله جل وعلا ذكر بعضها، سيأتي بإذن الله جل وعلا ذكر بعضها. الحاصل أنه يجتمع فيه الأمر: بغضه وإرادته، ولا يتنافيان لماذا؟ لاختلاف متعلقهما، هذا باعتبار الذات، البغض والمحبة باعتبار ما يترتب على إيجاد ذلك الشيء الذي هو شر في نفسه. واضح جماعة. قال رحمه الله: فيجتمع فيه الأمران: بغضه وإرادته، ولا يتنافيان لاختلاف متعلقهما، وهذا كالدواء الكريه إذا علم المتناول له أن فيه شفاءه، وقطع العض والمتآكل إذا علم أن في قطعه بقاء جسده، وكقطع المسافة الشاقة إذا علم أنها توصل إلى مراده ومحبوبه. بل العاقل يكتفي في إيثار هذا الفعل وإرادته بالظن الغالب، وإن خفيت عنه عاقبته، فكيف بمن لا يخفى عليه خافية؟ هو سبحانه يكره الشيء ولا ينافي ذلك إرادته لأجل غيره، وكونه سببا إلى أمر هو أحب إليه من فوته. طيب يقول رحمه الله: يقول: أن اجتماع الأمرين موجود معلوم عند الناس، وضرب لذلك أمثلة منها الدواء، قد يأتي الإنسان فيشرب الدواء المر الكريه المذاق، بل قد يكون المؤلم كالكي ونحوه، ومع هذا لأجل ما يترتب عليه من المصلحة العظمى والعليا يقدم أو يرتكب ذلك الشيء ويفعل ذلك الشيء المكره لماذا؟ لما يترتب على ذلك الشيء المكره بعده من محامد وأمور عظيمة ومقاصد جليلة. وضرب لذلك أمثلة كذلك في طول الطريق، رجل يقال له: تريد كذا وكذا من الأمر المحبوب المرغوب فيه، يقول: نعم، يقال له: بينك وبينه كذا وكذا من المسافات والمفاوز، فيقول: أذهب وأقطع المشاق وأفعل ما يفعل من الأتعاب حتى يصل إلى مراده. واضح جميع، ولو كان ماذا؟ كما قال: ولو كان ذلك الشيء مظنونا أي ظنا راجحا، يقدم على فعل المكروه لماذا؟ لما يترتب على ذلك الفعل من أمور عظيمة ومقاصد جليلة. هذا كما قيل في حق المخلوق الذي علمه محصور وظنه، فكيف بحق رب العالمين الذي لا تخفى عليه خافية، والذي هو أكرم الأكرمين وأحكم الحاكمين سبحانه وتعالى، والذي لا يفعل شيئا إلا لحكمة عظيمة جليلة علمها من علمها وجهلها من جهلها. قال رحمه الله: من ذلك أنه خلق إبليس الذي هو مادة لفساد الأديان والأعمال والاعتقادات والإرادات، وهو سبب لشقاوة كثير من العباد وعملهم بما يغضب الرب سبحانه تبارك وتعالى، وهو السائل في وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه، ومع هذا فهو وسيلة إلى محاب كثيرة للرب تعالى ترتبت على خلقه، وجودها أحب إليه العدمها. منها أنه يظهر للعباد قدرة الرب قدرة الرب تعالى على خلق المتضادات المتقابلات، فخلق هذه الذات التي أخبث الذوات وشرها وهي سبب كل شر في مقابلة ذات جبريل التي هي من أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها، من أشرف الذوات وأطهرها التي هي من أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها، وهي مادة كل خير، فتبارك خالق هذا وهذا. كما ظهرت قدرته في خلق الليل والنهار والدواء والداء والحياة والموت والحسن والقبيح والخير والشر، وذلك من أدل دليل على كمال قدرته وعزته وملكه وسلطانه، إنه خلق هذه المتضادات وقابل بعضها ببعض وجعلها محلا لتصرفه وتدبيره، فخلو الوجود عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته وكمال تصرفه وتدبير مملكته وتدبير ملكه. قال رحمه الله: ومنها ظهور آثار أسمائه القهرية مثل القهار والمنتقم والعدل والضار والشديد العقاب والسريع العقاب وذي البطش الشديد والخافض والمذل، فإن هذه الأسماء والأفعال كمال لا بد من وجود متعلقها، ولو كان الجن والإنس على طبيعة الملائكة لم يظهر أثر هذه الأسماء. قال رحمه الله: ومنها ظهور آثار أسمائه المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته وستره وتقاوزه عن حقه وعتقه لمن شاء من عبيده، فلولا خلق ما يكراه من أسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء لتعطلت هذه الحكم والفوائد. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون»، وهذا حديث كالنص في هذا المعنى، أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر الله لهم». قال رحمه الله: ومنها ظهور آثار أسمائه الحكمة والخبرة، فإنه الحكيم الخبير الذي يضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشيء في غير موضعه، ولا ينزله في غير منزلته التي يقتضيها كمال علمه وحكمته وخبرته. فهو أعلم حيث يجعل رسالاته وأعلم بمن يصلح لقبولها ويشكره على انتهائها إليه، وأعلم بمن لا يصلح لذلك. ولو قدر عدم الأسباب المذمومة لتعطلت حكم كثيرة ولفاتت مصالح عديدة، ولو عطلت تلك الأسباب لما فيها من الشر لتعطل الخير الذي هو أعظم من الشر الذي فيها تلك الأسباب. وهذا كالشمس والمطر والرياح التي فيها من المصالح ما هو أضعاف أضعاف ما يحصل بها من الشر. قال رحمه الله: ومنها حصول العبودية المتنوعة التي لو لا خلق إبليس لما حصلت، فإن عبودية الجهاد من أحب أنواع العبودية إليه سبحانه، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها من الموالات لله سبحانه وتعالى والمعادات فيه، وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية الصبر ومخالفة الهوى وإيثار محاب الله تعالى، وعبودية التوبة والاستغفار، وعبودية الاستعاذة بالله أن يجيره من عدوه ويعصمه من كيده وأذاه، إلى غير ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن إدراكها. قال رحمه الله: فإن قيل: فهل كان يمكن وجود تلك الحكم بدون هذه الأسباب؟ فهذا سؤال فاسد، فهو فرض وجود الملزوم بدون لازمه، كفرض وجود الإبن بدون الأب والحركة بدون المتحرك والتوبة بدون التائب. قال رحمه الله: فإن قيل: فإذا كانت هذه الأسباب مرادة لما تفضي إليه من الحكم، فهل تكون مرضية محبوبة من هذا الوجه أم هي مسخوطة من جميع الوجوه؟ قيل: هذا السؤال يرد على وجهين: أحدهما من جهة الرب تعالى، وهل يكون محبا لها من جهة إفضائها إلى محبوبه وإن كان يبغضها لذاتها؟ والثاني من جهة العبد، وهو أنه هل يسوغ له الرضا بها من تلك الجهة أيضا؟ قال رحمه الله: فعلم أن الشر كله يرجع إلى العدم، أعني عدم الخير وأسبابه المفضية إليه، وهو من هذه الجهة شر، وأما من جهة وجوده المحض فلا شر فيه. قال رحمه الله: تعلم أن الشر كله يرجع إلى العدم، يعني عدم الخير وأسبابه المفضية إليه، وهو من هذه الجهة شر، وما من جهة وجوده المحض فلا شر فيه، مثاله أن النفوس الشريرة وجودها خير من حيث هي موجودة، وإنما حصل لها الشر بقطع مادة الخير عنها. فإنها خلقت في الأصل متحركة، فإن عينت بالعلم وإلهام الخير تحركت به، فكانت خيرة، وإن تركت تحركت بطبعها إلى خلافه، وحركتها من حيث هي حركة خير، وإنما تكون شرا بالإضافة. قال رحمه الله: فإن قيل: فهل كان يمكن وجود تلك الحكم بدون هذه الأسباب؟ قيل: هذا سؤال فاسد، وهو فرض وجود الملزوم بدون لازمه.

شاركنا على