الدرس في شرح الفتوى الحموية 1، ألقاها
يبدأ الشرح بمقدمة عن كتاب الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية، ويبين أهمية الكتاب في توضيح عقيدة أهل السنة والجماعة. يشير إلى مناسبة تأليف الكتاب كجواب لسؤال ورد من حماه.
يتناول شرحا للسؤال الموجه لشيخ الإسلام حول تفسير آيات وأحاديث الصفات، ويبين معنى "السادة أئمة الدين" ودلالة استخدامها في السؤال. يشرح دلالة الآيات والأحاديث المتعلقة بالصفات الإلهية.
يشرح منهج شيخ الإسلام في الرد على أسئلة الاعتقاد، حيث يربط الأجوبة بالكتاب والسنة وفهم السلف. يشدد على أهمية اتباع هذا المنهج في مسائل الاعتقاد والأسماء والصفات.
يؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أمته كل ما يحتاجونه من أمور دينهم، مستدلا بأحاديث نبوية تشير إلى شمول تعليم النبي لأمته. يبين أن دور الرسول هو الدعوة إلى الله وتبيين أمور الدين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد. فمواصلة لسلسلة دروس العقيدة التي ابتدأناها بدرس شرح لمعة الاعتقاد، ثم القواعد المثلى، ثم شرح الوسطية للهراس، ثم القاعدة التدمرية، ثم شرح الطحاوية لابن أبي العز، ونحن اليوم نتمم لهذه السلسلة التي نسأل الله عز وجل أن تكون نافعة لنا جميعا في دنيانا وآخرتنا، مع كتاب من كتب الاعتقاد، وهو كتاب الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. والكتاب كغيره من كتب هذا الإمام رحمه الله تعالى من الكتب النافعة المحققة المنقحة، التي فيها بيان لعقيدة أهل السنة والجماعة بأجل صورة وأوضح عبارة من هذا الإمام الجليل رحمه الله. وقد مر معنا ترجمة لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى مختصرة في درس شرح الوسطية، فنكتفي بها عن ترجمة أخرى في هذا الدرس، ونحيل إليها. والأمر الثاني، قبل أن ندخل في الكتاب، نحب أن نبين أن هذا الكتاب الذي هو الفتوى الحموية الكبرى، ظاهر من عنوانه أنه كتاب فتوى، وذلك أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كتب هذا الكتاب وهو جواب أو هو فتوى لسؤال وجه إليه رحمه الله، فأفتى بهذه الفتوى المباركة. فقد جاء في كتاب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى الرد على المنطقيين أنه قال: «كنتم سئلتم من مدة طويلة بعد سنة تسعين وستمائة عن الآيات والأحاديث الواردة في صفات الله، في فتوى قدمت من حماه». قال: «فأحلت السائل على غيري، فذكر أنهم يريدون الجواب مني، قال: فكتبت الجواب في قعدة بين الظهر والعصر»، أي في جلسة واحدة بين الظهر والعصر. وهذا إن دل على شيء، يدل على غزارة علمية عند هذا الإمام رحمه الله، فالناظر في هذا الكتاب كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا، سيراه مليئا بالنقولات عن العلماء، ولا سيما عن أهل الكلام، مليئ بالنقولات في فترة مختصرة بين الظهر والعصر، في جلسة واحدة بين الظهر والعصر، ويدلنا كذلك على البركة الإلهية التي جعلها الله جل وعلا في هذا الإمام وفي وقته، فكتاب الحموية يكتبها بجلسة بين الظهر والعصر، والواسطية يكتبها بجلسة بعد العصر، وما شابه ذلك من الكتب يكتبها رحمه الله تعالى في جلسة واحدة. وإذا تأمل الإنسان في هذه المؤلفات أو في تلك المؤلفات، ودقق النظر فيها، لعلم أنها محققة ومحررة من عالم نحرير، ولو أن إنسانا أراد أن يكتب مثلها، بل قريبا منها، لاحتاج إلى الزمن الطويل حتى يجمع، ثم يرتب، ثم يهذب، إلى غير ذلك. فالشاهد من هذا أن الكتاب كما ترون هو فتوى استفتي بها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فكتب هذا الكتاب المبارك الذي صار من الكتب العلمية المقررة المعتنى بها عند أهل السنة والجماعة، لما حوته من العلوم النافعة الغزيرة، كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا. ومنها هنا نعلم سبب تسمية هذا الكتاب الفتوى الحموية، وذلك أن السؤال كان قد جاء إلى شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من حماه، وهي من بلاد الشام، فأجاب رحمه الله تعالى بهذا الجواب المبارك. وكما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا في هذا الكتاب، أن شيخ الإسلام رحمه الله، بعد أن قرر عقيدة أهل السنة والجماعة، وبين أقوال الأئمة، وبين أقوال المخالفين ممن وافق أهل السنة والجماعة فيما ذهبوا إليه، وهذا كالتقرير والحجة على أرباب المذاهب المخالفة لأهل السنة والجماعة، من باب «وشهد شاهد من أهلها»، إذ أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، نقل عن بعض أرباب الكلام من أقوالهم من كتبهم، ما يدلل على صحة ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد، كما سيأتي بيانه بإذن الله جل وعلا في موضعه. فدخل في الكتاب بإذن الله جل وعلا، قال رحمه الله تعالى: «جاء في بداية النص: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده». ومسائل ومباحث البسملة بحمد الله جل وعلا قد تقدمت معنا في دروس مضت، وتكلمنا عليها بتوسع في كتاب «فتح رب العباد شرح ودراسة لمعة الاعتقاد»، وكذلك الحمد لله، وكذلك الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكذلك مباحث النبي والرسول، إلى غير ذلك مما ذكر في الكتاب المذكور. وقوله: «والصلاة والسلام على من لا نبي بعده»، هذا كما هو واضح حق وحقيقة، دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة، من أن نبينا صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء وخاتم الأنبياء، كما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «إنه لا نبي بعدي»، والإجماع قائم على هذا الأمر، نقله غير واحد من الأئمة، كالإمام ابن حزم، والإمام ابن القطان، وغيرهم من الأئمة رحمهم الله. بل نقل الإجماع على أن من لم يعتقد هذه العقيدة، واعتقد أن نبينا صلى الله عليه وسلم بعده نبي، بأنه كافر، لأنه يعتبره مكذبا لكتاب الله جل وعلا، ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولما أجمعت عليه الأمة. قوله رحمه الله تعالى: «وهذا قوله سئل شيخ الإسلام»، يدلنا على أن الكاتب أحد تلامذة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. وقوله رحمه الله: «قوله هذا كاتب سئل شيخ الإسلام»، سئل شيخ الإسلام، والشيخ جمعه أشياخ وشيوخ، يقال أشياخ وشيوخ، وهو إما مصدر شاخ، أو صفة. وسمي المؤلف شيخا لما حوى من كثرة المعاني، لأن معناه في الاصطلاح من بلغ رتبة من بلغ رتبة أهل الفضل ولو صبيا. وأما في اللغة، فمعناه من جاوز الأربعين، يقال له بأنه شيخ. وقوله: «شيخ الإسلام»، معناه عالم الإسلام، وحجة الإسلام، وذلك لما امتاز به على غيره من فرط الذكاء، وسيالان الذهن، وقوة الحافظة، وغزارة العلم، حتى انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل والزهد والورع، وبهذا استعمل هذا اللقب، فهو كقولهم «حجة الإسلام»، ومعنى اللقبين، أي شيخ الإسلام وحجة الإسلام، معناهما العالم بعلوم الشريعة، والحجة فيها. قولهم: «سئل شيخ الإسلام»، أي العالم بعلوم الشريعة، والعالم المقصود به كل من اتصف بالعلم، ولو كان مبتدئا في الطلب، يقال فيه بأنه عالم بهذا الاعتبار، أي بأن العلم صار صفة له وسجية له. وقوله: «الرباني»، معناه هو الذي يرب الناس على الخير، أو هو الذي يعلم الناس صغار المسائل قبل كبارها، بمعنى أن ربان يطلق على هذا وعلى هذا، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾، ومع الرباني فسر بهذين المعنيين، كما أشار إلى ذلك الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، ووضح ذلك وبيّنه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح. وقوله رحمه الله تعالى: «تقي الدين العالم الرباني»، تقي الدين هذا هو لقب لشيخ الإسلام رحمه الله، ومعناه صفيه ونقيه، والتلقيب بتقي الدين، وذكي الدين، وما شابه ذلك من الألقاب، كرهها بعض العلماء رحمهم الله تعالى، كالإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، وغيره. بل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ذكر عنه ذلك أيضا، بأنه كان يكره هذا اللقب، ولكن يقول: «هذا شيء عرفت به»، أو كما قال رحمه الله تعالى. والعلماء رحمهم الله تعالى كرهوا هذه الألقاب لما فيها من معنى التزكية. وقوله رحمه الله تعالى: «أحمد سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى العالم ورباني تقي الدين أحمد ابن عبد الحليم ابن عبد السلام ابن تيمية رحمه الله تعالى». وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما مر معنا مرارا هو عالم ابن عالم، أو قل إمام ابن إمام ابن إمام، رحم الله الجميع. فهو من بيت علم، وفي أهل تيمية جماعة من العلماء، وإخوته كذلك كانوا من العلماء، إلا أن اللفظ إذا أطلق وقيل ابن تيمية، فإنه لا يتبادر إلى الذهن إلا إلى الشيخ تقي الدين ابن تيمية أحمد ابن عبد الحليم ابن عبد السلام رحمه الله. وإن كان أبوه إمام جليل من أئمة الحنابلة، بل هو إمام الحنابلة في زمنه، وجده كذلك إمام جليل، وكان يلقب بشيخ الإسلام رحمه الله تعالى. ولكن أباه وإن كان عالما جليلا، إلا أنه لما كان بين إمامين جليلين، لم يشتهر كشهرتهما. لذا كان العلامة الذهبي رحمه الله تعالى، له عبارة تبين هذا المعنى، فذكر رحمه الله تعالى عن والد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، أنه كان مفتي الحنابلة، أي كان عالما نحريرا رحمه الله تعالى، قال: «لكنه كان كالنجم بين القمر والشمس»، الشمس في النهار لا تبقي شيئا، فكان شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كالشمس إذا ظهر، فلما ظهر لم يظهر معه أحد من آل ابن تيمية رحمه الله. وجده المجد صاحب المنتقى رحمه الله تعالى كان كالبدر، ضوءه صاطع قوي، لكن ترى معه النجوم، لكنها دونه في الإضاءة، وكذلك البهاء، فالحاصل أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من بيت علم، بقي ذكر العلماء رحمه الله تعالى في ابن تيمية، في تيمية. هذه عدة أمور، لماذا سميت العائلة بتيمية؟ ذكر العلماء رحمهم الله تعالى لذلك أمرين، الأمر الأول أن جدهم الأبعد مر ببلدة تيماء، فرأى بنتا صغيرة وجميلة، فلما وصل إلى بلده وجد امرأته قد وضعت بنتا جميلة تشبه تلك البنت التي رآها في تيماء، فجعل يلاعبها ويقول: «يا تيمية يا تيمية»، فسميت بتيمية. وقيل: بأنها ولدت في تيماء، فسميت تيمية، أو ولدت في أثناء مرورهم بهذه المنطقة، فسميت تيمية لأجل مرورهم وولادتها فيها، فالحاصل أن هذا لقب اشتهرت به هذه العائلة المباركة. قوله رحمه الله تعالى: «قول السائل ما قول السادة أئمة الدين في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾، إلى غير ذلك من آيات الصفات، وأحاديث الصفات، كقوله صلى الله عليه وسلم: «إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن»، وقوله: «يضع الجبار قدمه في النار»، إلى غير ذلك، وما قالت العلماء فيه، وابسطوا القول في ذلك ما أجورين إن شاء الله تعالى»، هذا هو السؤال الذي سئل به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، واستفتي عنه رحمه الله تعالى، وبه أجاب، وبه أجاب بهذا الجواب المبارك الذي هو هذا الكتاب. فقوله: «ما قول السادة أئمة الدين»، وسادة مفرده السيد، والسيادة تكون للرئيس على القوم، وهو مشتق من السؤدد، وقيل من السواد، لكونه يرأس السواد الأعظم من الناس. والسيد يجوز أن يطلق على غير النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان مقيدا، ويجوز إطلاقه كذلك على نبي صلى الله عليه وسلم إذا كان مقيدا بالناس، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم»، كما في صحيح مسلم من حديث أنس. وأما السيادة العامة المطلقة التي بمعنى المولى والملك، وما شابه ذلك، فهي لا تكون إلا لله، فهي لا تكون إلا لله، لذا لما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا سيدنا وابن سيدنا»، قال: «إنما سيد الله»، وأراد بذلك أن السيادة المطلقة التي بمعنى سيادة القهر والملك، وما شابه ذلك، هي لله جل وعلا وحده لا شريك له. وقوله صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم»، لا ينافي هذا، لأن السيادة هاهنا مقيدة بأنها سيادة لولد آدم، قلنا: ويجوز أن يقال في غير النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيد، لكن باعتبار وبتقييد، كأن يقال: «فلان سيد القوم»، و«فلان سيد هذه العشيرة»، وما شابه ذلك. كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لسعد بن معاذ، كما في صحيح البخاري وغيره، حينما جاء وكان على حماره بعد أن أصيب يوم الخندق، قال لأصحابه: «قوموا إلى سيدكم»، أي يا أنصار يا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، قوموا إلى سيدكم، فيكون إطلاق السيد هاهنا سيادة مقيدة بالأنصار، ليست مطلقة. فيجوز أن يقال لرئيس البلد، ولملك البلد الفلاني: «سيدهم ورئيسهم»، وما شابه ذلك، لأن السيد هاهنا بمعنى الرئيس الذي له السؤدد. وقوله: «ما قول السادة بهذا الاعتبار»، أي باعتبار السيادة المقيدة، لكن السيادة في ماذا؟ هاهنا السيادة في العلم، شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لما آتاه الله جل وعلا من العلم ما آتاه، ومن الخير ما آتاه، صار سيدا على غيره، سيدا على غيره باعتبار احتياج الناس إليه، واستغنائه عنهم، رحمه الله تعالى، فهو سيد بهذا الاعتبار. قوله: «ما قول السادة أئمة الدين»، يدلنا على أنه أراد هذا المعنى، والإمام أي المقدم على غيره، ولا يشترط في الإمام أن يكون ذا مذهب، فالأئمة كثير، ولم يعرف بأن له مذهبا إلا جماعة يسيرة. إذ لو نظرنا في الصحابة مثلا، هم أئمة الهدى، إذا نظرنا في التابعين، أئمة هدى، في تابعي التابعين، أئمة هدى، ثم حصر التمذهب فيما بعد ذلك، إذن الإمام هو المقدم على غيره، الذي يأتم به غيره في العلم، في الخير، في الصلاة، في الحج، في غير ذلك، فهو لفظ يطلق على المتقدم على غيره، الذي يقصده الغير. قال: «ما قول أئمة الدين في آيات الصفات»، والمراد بآيات الصفات، أي الآيات التي ذكر فيها صفات الله جل وعلا، آيات الصفات هي الآيات التي ذكر فيها صفات الله جل وعلا، كما هو واضح في الأمثلة التي مثل بها السائل، قال: «كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾، إلى غير ذلك من آيات الصفات»، وأحاديث الصفات، كقوله: «إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن»، وقوله: «يضع الجبار قدمه في النار»، وهذا كما ترون سؤال عن آيات الصفات وأحاديث الصفات. وهذا كما هو واضح فيه فضيلة لهذا السائل، إذ كان سببا لإثارة وإخراج ما عنده شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من المباحث والعلم الغزير الذي صبه في هذه الرسالة، وفي هذه الفتوى، فكان هذا السائل سببا لهذا الخير، وكما هو معلوم من دل على خير، فله مثل أجر فاعله. وقوله رحمه الله: «وابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله»، يدلنا على أن ذاك الزمن قد وقع فيه ما وقع من الاختلاف في هذه المسائل، فاحتاج السائل إلى جواب شاف كاف من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فأجابه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إلى ذلك. قال رحمه الله تعالى: «فأجاب رضي الله عنه: الحمد لله رب العالمين، قولنا فيها ما قاله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم». وهذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وغيره. فإن الله سبحانه وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ذو الهدى ودين الحق، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وشهد له بأنه بعثه داعيا إليه بإذنه وسراجا منيرا، وأمره أن يقول: «قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني». قوله رحمه الله: «فأجاب رضي الله عنه»، فيه جواز إطلاق هذا اللفظ، أي رضي الله عنه على غير الصحابة، وهذا الذي عليه جمهور العلماء، كما وضح ذلك وبينه العلامة النووي رحمه الله تعالى في المجموع في هذه المسألة. وقوله رحمه الله: «قول شيخ الإسلام الحمد لله رب العالمين»، فيه الاستفتاح بالحمد له عند الجواب على الفتاوى. وقوله: «قولنا فيها ما قاله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان إلى آخر ما ذكر»، فيه عدة أمور. فيه أن السائل إذا سئل في مسألة ما، ولا سيما في مسائل الاعتقاد، وقيل له: «ما قولك وما رأيك»، أنه ينبغي له أن لا يقول: «رأيي وقولي»، لأن مسائل الاعتقاد ليس مدارها ومحلها الرأي والعقل، وإنما مدارها على كتاب الله جل وعلا، وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، على ما كان عليه سلف الأمة وأئمتها رضي الله عنهم أجمعين. وفيه ما كان عليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من التأديب والتربية للسائلين، إذ أنه رحمه الله تعالى يربي السائل على التربية في أخذ دينه من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، على ما كان عليه سلف الأمة وأئمتها. وفيه ربط العالم لغيره من الناس بكتاب الله جل وعلا، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، وهذه طريقة ينبغي أن يسير عليها طلبة العلم، أن يربطوا الناس بكتاب الله جل وعلا، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبما كان عليه سلف هذه الأمة. وفيه أن باب الأسماء والصفات، بل وباب الاعتقاد، أن مداره على الكتاب والسنة، فهو توقيفي، يأخذ من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، على فهم سلف الأمة، ومن اتبعهم من أئمة الإسلام رضي الله عنهم وأرضاهم. وقوله رحمه الله: «وما قال أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم»، قال: «وهذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وغيره»، قولوا في هذا الباب واجب، وفي غيره كذلك هو الواجب، أي في باب الاعتقاد، وفي غيره، كذلك هو الواجب على كل مسلم أن يأخذ دينه من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، على ما كان عليه سلف الأمة وأئمتها الأعلام رضي الله عنهم أجمعين. قوله: «فإن الله سبحانه وتعالى بعث محمدا بالهدى ودين الحق»، بالهدى ودين الحق، وأحسن ما فسر به الهدى بأنه العلم النافع، ودين الحق بأنه العمل الصالح، فالله جل وعلا بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالعلم النافع، والعلم النافع يتضمن أمورا كثيرة، والعمل الصالح كذلك يتضمن أمورا كثيرة وجليلة. قال: «ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد»، قال: «وشهد له بأنه بعثه داعيا إليه بإذنه وسراجا منيرا، وأمره أن يقول: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني»، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله جل وعلا على بصيرة، ومن اتبعه في كل زمان ومكان. قال رحمه الله: «فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة، وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه على بصيرة، وقد أخبر الله بأنه أكمل له ولأمته دينهم، وأتم عليهم نعمته، محال مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبسا مشتبها، ولم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العلى وما يجوز عليه وما يمتنع عليه». فهذا أيضا من حسن هذه المقدمة التي قدم بها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بين يدي الكتاب، فالمقدمة كما ترون هيأت ووطأت شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في هذه المقدمة لما سيذكره فيما بعد، إجابة عن هذا السؤال الذي وجه إليه. فيقول شيخ الإسلام: «من المحال في العقل والدين أن يكون الرسول الذي وصفه الله جل وعلا بأنه سراج منير، وأنه داعي إلى الله على بصيرة، هو ومن اتبعه إلى غير ذلك من الأوصاف التي وصفه الله جل وعلا به، أن يدعى أعظم أمور الإيمان ملتبسا مشتبها، لا يبينه ولا يوضحه للناس، بل يدعى الناس ويترك الناس إلى عقولهم وآرائهم المختلفة المضطربة، هذا محال في العقل، وكذلك محال في الدين». لما تقدم من أن الله جل وعلا بعثه داعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، وجعله الله جل وعلا مبلغا، قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، فربنا جل وعلا أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالبلاغ، والبلاغ ليس المراد به إبلاغ القرآن، لا يعرف معانيها، بل مقصود إبلاغها مع معرفة معانيها وتوضيحها. قال رحمه الله: «فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية، وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس، وأدركته العقول، فكيف يكون ذلك الكتاب، وذلك الرسول، وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقادا وقولا؟»، ومحال أيضا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد علم أمته كل شيء حتى الخراءة، كما جاء في حديث سلمان حينما قال له رجل مشرك: «علمكم رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة؟»، قال: «نعم، علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أننا إذا دخلنا الخلاء ألا نستقبل القبلة ببول أو غائط»، أي حتى هذه الأشياء التي هي من الآداب التي قد تخفى على كثير من الناس، علمها نبينا صلى الله عليه وسلم لأمته. فكيف بعد هذا يتصور أن لا يعلمهم الأمور العظيمة والأمور الجليلة كأمور الإيمان؟ قال رحمه الله: «وقال: تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعد إلا هالك»، أولا أنا نسيت ما أعلق عليه، يعني في سؤال السائل في قوله: «وقوله يضع الجبار قدمه في النار»، الحديث الذي في الصحيحين بلفظ: «يضع الله جل وعلا قدمه في النار»، ليس فيه الجبار، لفظ الجبار ليس موجودا في الصحيحين، بل وليس بمحفوظ. والأمر الثاني في قوله: «تركتكم على المحجة البيضاء»، الحديث كذلك، إسناده حسن من حديث العرباض بن سارية، وهو عند رواه الإمام أحمد، وابن ماجة وغيرهم، لكن لفظ «تركتكم على المحجة»، لفظ المحجة غير موجود في الكتب المشهورة، وإنما الحديث المحفوظ: «تركتكم على البيضاء»، تركتكم على البيضاء دون لفظ المحجة، ويرجع في ذلك للسلسلة الصحيحة للعلامة الألباني رحمه الله برقم 937. قال رحمه الله: «وقال فيما صح عنه أيضا: ما بعث الله من نبيا إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم»، وهذا كما ذكر في التخريج في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، صحيح مسلم. قال رحمه الله: «وقال أبو ذر: لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما»، وهذا كذلك رواه أحمد وغيره، وإسناده صحيح، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة برقم 1803. والشاهد من هذه الأمور المذكورة واضح، أن ما من شيء إلا وعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، ما من شيء، صغيرا كان أو كبيرا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم علمه أمته، من الأمور التي تحتاج إليها الأمة، من أمور دينها. فما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ البلاغ المبين، كما أمره الله جل وعلا بإبلاغه، فبلغ الكتاب وبيّنه بيانا ليس فوقه بيان، ووضحه توضيحا ليس فوقه توضيح، صلوات الله وسلامه عليه. قال رحمه الله: «ومحال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين، وإن ذقت أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم، ويعتقدونه في قلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين، الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذه خلاصة الدعوة النبوية، وزبدة الرسالة الإلهية»، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة ألا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على غاية التمام؟ ثم إذا كان قد وقع ذلك منه، فمن المحال أن يكون خير أمته وأفضل قرونها قصروا في هذا الباب، زائدين فيه أو ناقصين عنه. ثم من المحال أيضا أن تكون القرون الفاضلة، القرن الذي بعث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كانوا غير عالمين به، وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين، لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق، وقول خلاف الصدق، وكلاهما ممتنع. نكتفي بهذا، ونعلق غدا بإذن الله جل وعلا على هاتين الفقرتين.