كتاب الصلاة 14

الدرس في كتاب الصلاة 14، ألقاها

كراهة كف الثوب والشعر في الصلاة ومعانيها

يتناول شرح الحديث النبوي الذي ينهى عن كف الثوب والشعر في الصلاة، ويوضح معاني الكف وأسبابه وآراء العلماء في حكمه. يشرح الصور المختلفة للكف ومعانيها في الصلاة.

حكم تارك الصلاة وأدلة العلماء

يتناول حكم تارك الصلاة جاحداً أو تهاوناً، واستدل العلماء على ذلك من القرآن والسنة النبوية، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر».

أحكام متفرقة في الصلاة وتكبيرات الإمام

يتناول آراء العلماء في حكم تارك الصلاة أحياناً وتكبيرات الإمام، كما ينبه على أهمية متابعة فعل الإمام في الصلاة مستدلاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، توقفنا في الدرس الماضي عند المسألة الثامنة، وهي ما يكره في الصلاة، وتوقفنا عند تشبيك الأصابع. قرأنا آخر ما قرأنا: «تشبيك الأصابع». الحادي عشر -أي من الأمور المكروهة- كف الشعر والثوب، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة أعظم، ولا يكف ثوبه ولا شعره»، والحديث متفق عليه كما مر. قالوا: والكف قد يكون بمعنى الجمع، أي لا يجمعهما ويضمهما، سواء كان كف الثوب أو كان كف الشعر. قالوا: وقد يكون بمنع، وقد يكون بمعنى المنع، أي لا يمنعهما من الاسترسال حال السجود. وكله من العبث المنافي للخشوع في الصلاة. ذكر العلماء -رحمهم الله تعالى- أن الكف في الثوب إما أن يكون بتشميره، أي برفعه، كما يحصل من بعض الناس عندما يشمر يرفع الثوب. يقال: ما هذا شمر شمر عن ساعديه، وما شابه ذلك. يقال: شمر، هذا نوع من الكف. وسواء كان ذلك التشمير من جهة اليدين أو من أسفل الثوب، بعض الناس يشمر يرفع الثوب فيضعه في خصره أو ما شابه ذلك، هذا كذلك نوع من الكف، نوع من كف الثوب. وقد يكون بلفها، قد يكون بلفها، أي بالعطف، بعطف الثوب. كذلك هذا نوع من الكف، يعني يعطف الثوب على الهيئة، سواء كان أيضاً من أطراف اليدين أو كان من أسفله. كل هذا يتناوله كف الثوب. وكف الشعر أيضاً ذكر أنه بأن يعقصه، ومعنى هذا أن يجمع الشعر، ولا سيما الشعر الطويل، يلفه ثم يجعل طرفه في أصله، يجعل طرفه في أصله. هذا -يا جماعة- يفعله بعض النساء، يعني يلف الشعر ثم طرفه يضعه في أصل الشعر، طرفه يضعه في ماذا في أصل الشعر؟ هذا نوع من كف الشعر. قالوا: أي لا يمنعهما من الاسترسال حال السجود. وذكر العلماء -رحمهم الله تعالى- من معاني أو من المعاني التي لأجلها كره الكف أولاً قالوا: لأن فيه معنى من معاني التكبر، أي إذا ما يريد أن يتشخ ثوبه، أن يسقط ثوبه على الأرض أو أن يسقط شعره على الأرض ترفعاً. قالوا: بهذا فيه معنى من معاني التكبر والترفع، فلهذا كره هذا الأمر. الأمر الثاني قالوا: بأن من الأمور المستحبة أن يقع الثوب والشعر كذلك على الأرض، فيسجدان مع سجود الإنسان. قالوا: هذا معنى، وترك هذا المعنى مكروه. هذا معنى فيه معنى السجود والفضل، وترك هذا المعنى كف الشعر معنى كف الشعر ألا يسجد معه، وكف الثوب ألا يسجد معه. قالوا: مناف لهذا الفضل، فيكون فيه كذلك معنى من معاني الكف. والجمهور على أن الكف، سواء كان داخل الصلاة أو كان خارج الصلاة ودخل كذلك -أي ودخل وهو على هذه الهيئة- الجمهور من أهل العلم يقولون: النهي عن الكف يتناول الكف داخل الصلاة أو من كف ثوبه أو شعره خارج الصلاة ودخل الصلاة وهو على هذه الحالة. ما الفرق بين الصورتين؟ الصورة الأولى: أن يبتدئ الكف في الصلاة، يدخل الصلاة الله أكبر يكف ثوبه، هذا داخل الصلاة، هذا مكروه اتفاقاً. الصورة الثانية وقع فيها الخلاف، وهي أن يكف ثوبه خارج الصلاة، مثلاً إنسان كان يعمل في مزرعته كان شمر عن ثوبه في مزرعته، دخل الصلاة وهو على هذه الحالة. عند الجمهور أن هذا كذلك ماذا يتناوله النهي؟ لأنه كف ثوبه، وهذا هو الأقرب أن الكف يتناول هذا وذاك. وإن كان بعض أهل العلم يفصل في هذه المسألة، فيقول: بأن المقصود بالنهي ابتداء الكف في الصلاة، لا استدامته من خارج الصلاة إلى داخل الصلاة. والحديث يدل على العموم. والله أعلى وأعلم. الثاني عشر -من الصور- الصلاة بحضرة الطعام، أو وهو يدافع الأخبثين، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافع الأخبثان»، والحديث كما ذكر في التخريج أخرجه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها. قالوا: أما كراهة الصلاة بحضرة الطعام، فذلك مشروط بتوقع نفسه إليه ورغبته فيه، مع قدرته على تناوله، وكونه حاضرا بين يديه. فلو كان الطعام حاضرا لكنه صائم، أو شبعان لا يشتهيه، أو لا يستطيع تناوله لشدة حرارته، ففي ذلك كله لا يكره له الصلاة بحضرة الطعام. يعني يقولون: تكون الكراهة في حالة وجود الطعام، وفي حالة اشتهائه للطعام. أما إذا وجد الطعام ولا شهية له به، كان يكون شبعان، فإن صلى وترك الطعام لا شيء عليه، ولا يكون مكروهاً. قالوا: وأما الأخبثان، فهما البول والغائط. وقد نهى عن ذلك كله لما فيه من انشغال قلب المصلي وتشتت فكره، مما ينافي الخشوع في الصلاة. وقد يتضرر بحبس البول والغائط ومدافعتهما. والقول كذلك في الغائط والبول كالقول في الطعام، بمعنى أنه إذا كان فيه شيء يسير -يعني حاقب أو حاق- للبول أو للغائط، لكن يستطيع أن يصلي وعنده شيء من الخشوع، ففي مثل هذه الحالة يكره أن يصلي على هذه الحال، والأفضل في حقه أن يذهب فيقضي حاجته ثم يدرك ما يدرك من الصلاة. الثالث عشر: رفع البصر إلى السماء أي في أثناء الصلاة، وهذا يحصل من كثير من الجهال. قالوا: لقوله صلى الله عليه وسلم: «لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لتخطفن أبصارهم». والصواب في هذا الحكم بأن النهي فيه للتحريم، لا لمجرد الكراهة، لما ترتب عليه من الوعيد. والكراهة لا يترتب عليها هذا الوعيد. بل بالغ بعض أهل العلم فقال: ببطلان صلاة من صلى وهو رافع لبصره إلى السماء. ولكن الصواب الذي عليه الجمهور: بأن صلاته صحيحة. والصحيح أيضاً: بأنه آثم على رفعه لبصره إلى السماء وهو في الصلاة، لظاهر هذا النهي ولما فيه من الوعيد. المسألة التاسعة: حكم تارك الصلاة. قالوا: من ترك الصلاة جاحداً لوجوبها فهو كافر مرتد، لأنه مكذب لله ورسوله وإجماع المسلمين. وهذا كما تقدم معنا في أول الكلام على الصلاة على وجوب الصلاة: أن هذا من الأمور المعلومة بالدين من دين الله جل وعلا بالضرورة، لا ينكره منكر. فمن أنكره يكون كافراً. وكما مر معنا أيضاً فيما مضى: أنه يستثنى من ذلك من جهل حكمها أصلا ورأساً، كإنسان حديث عهد بإسلام، لا يعلم حكم الصلاة، قيل له: صلي، قال: ما أعرف إيش الصلاة؟ أو أنكرها. أو إنسان في بادية بعيدة عن أهل الإسلام وعن العلم وأهله، فأنكرها لأنه لا يعلم حكمها أصلا، فمثل هذا فإن أقر فالحمد لله، وإن أنكر وعاند كفر إجماعاً. قالوا: أما من تركها تهاوناً وتكاسلاً، فالصحيح أنه كافر إذا كان تاركاً لها دائماً وبالكلية. وقولهم: «فالصحيح»، إشارة إلى الخلاف في المسألة. لأن المسألة كما أشرنا إليها كذلك فيما مضى: أن من أهل العلم من يقول بأنه كافر كفراً أكبر بمجرد الترك. بل قال بعض أهل العلم: ولو ترك صلاة واحدة تعمداً حتى خرج وقتها، فإنه يكون كافراً مرتداً. وبعض أهل العلم قال: كافر كفراً أكبر، وذكر حداً لذلك الترك. ومن أهل العلم من قال: إنه كافر كفراً أصغر غير مخرج من الملة. وتوسط بعض أهل العلم فأتوا بالتفصيل المذكور، وهو قالوا: «فالصحيح أنه كافر إذا كان تاركاً لها دائماً وبالكلية»، أي دائماً وهو تارك لصلاة، لا يسجد لله جل وعلا سجدة، هذا يكون ماذا؟ يكون كافراً. قالوا: لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، قالوا: فدل على أنهم إذا لم يحققوا شرط إقامة الصلاة فليسوا بمسلمين، لأن الله جل وعلا يقول: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، فعلق الحكم بالشرط السابق عليه. قالوا: ولا أخوة لنا في الدين. ولقوله صلى الله عليه وسلم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، كما رواه الترمذي وغيره من حديث بريدة. وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»، كما في مسلم، حديث جابر رضي الله عنهم جميعاً. قالوا: أما من كان يصلي أحياناً ويترك أحياناً، أو يصلي فرضاً أو فرضين، فالظاهر أنه لا يكفر، لأنه لم يتركها بالكلية كما هو نص الحديث: «ترك الصلاة»، يعني في الحديث: «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة». قالوا: فهذا ترك صلاة للصلاة، والأصل بقاء الإسلام، فلا نخرجه منه إلا بيقين. فما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين. وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذلك من المعاصرين العلامة ابن عثيمين -رحمهم الله تعالى جميعاً-. وهذا القول أقرب، بمعنى أن من كان حاله أنه لا يصلي دائماً، حاله أنه لا يصلي، فمثل هذا يكون كافراً كفراً أكبر، مرتداً عن دين الإسلام، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه ردة. وأما إن كان يصلي أحياناً ويترك أحياناً كما هو حال كثير من فسقة المسلمين، فمثل هذا يكون وقع في الكفر الأصغر، ولا يكون كافراً كفراً أكبر. والله أعلم وأعلم. السؤال الأول: ما الحكم إذا كان الشميز -إذا كان للشميز هكذا- قصيراً، وصل فيه لا بأس لأنه ما شمر، وكذلك القميص، هذه دنحانة يلبسها -يعني إنسان إذا صلى ورفع- هل يكون كفها أم لا؟ يعني هذا في إشكال، لكن الأظهر والله أعلم أن هذا لبسها على هذه الحال، أي معنى أنها تلبس هكذا وتلبس على ماذا على الهيئة الثانية. لذا ذكر عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أو ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في ما نسميه اليوم بالجبة -تعرفون الجبة- البشت الذي يلبسه أهل الخليج تعرفونه، يقول: لولا أنهم وضعوا الإنسان وضعاً -يعني في مسألة الإرسال- هل يكون في ذلك ازدل ثوب أم لا؟ قال شيخ الإسلام: لا، لأن عادة الناس أنهم يلبسونه كذا وكذا، يعني يلبسونهم بإدخال اليد، ويلبسونهم بماذا؟ بتركها. يلبسونهم بتركها، فالشيء من هذا: أن العبرة باللبس، إذا كان الناس يلبسونه تارة هكذا وتارة هكذا، فيكون هذا من هذا الباب. والله أعلى وأعلم. يقول أخ: ما مقصود بالصيام ثلاثة أيام من الشهر؟ أيام البيض أو أي أيام في الشهر؟ العلماء مختلفون في هذا. من أهل العلم من يقول: ثلاثة أيام من كل الشهر هي الأيام البيض. ومنهم من يقول: هم أي أيام في الشهر. ثم اختلف في ذلك أيها أفضل؟ فمنهم من قال: أول الشهر. ومنهم من قال: آخر الشهر. ومنهم من قال: بأوسطه. ومنهم من قال: يفرق، يوم في أوله، ويوم في أوسطه، ويوم في آخره. وبعضهم قال: يصوم أو يصلي في العشر الأولى يوماً، وفي العشر الثانية يوماً، وفي العشر الثالثة يوماً. والأمر في ذلك سهل، بمعنى أنه إن صام كلا فصواب، وإن فعل كذا فصواب. وإن تحرى الأيام الثلاث البيض على الحديث المذكور الذي يحسنه بعض أهل العلم، فكذلك حسن. والله أعلى وأعلم. هل يجوز لك أن تردد الظاهر على الإمام حين أن تقول: «الله أكبر»؟ يعني هل يجوز لك إن تردد الإمام حين أن يقول: «الله أكبر»، أن تقول: «الله أكبر»؟ يعني إن كان الإمام يتردد، يقول بعضهم: يحصل هذا في بعض المساجد، يعني ربما يكون إمام فيه شيء من الوسواس، يقول: «الله أكبر»، يعني الإنسان يقول: إذا قال الله -معه- «أكبر» قبل أن يكبر، إذا كبر قبل الإمام في تكبيرة الإحرام، فالصحيح من أقوال أهل العلم: أن صلاته باطلة، يعني يجب عليه إن يتم الصلاة، صلاة باطلة، ويجب عليه إن فعل هذا أن يعيد التكبيرة مرة أخرى. يجب عليه أن يعيد التكبيرة مرة أخرى. وكذلك -على الصحيح من أقوال أهل العلم- في تكبيرات الانتقال: أنه لا يجوز له أن يسابق الإمام في تكبيرات الانتقال. فإن وفق الإمام وقع، خلاف. والصحيح: أنه جائز مع الكراهة، وهو خلاف الأولى والمستحب والأفضل: أن يتابع الإمام، لكن بدون تراخ، يعني الإمام يقول: «الله أكبر»، يقول: «الله أكبر»، لا إفراط ولا تفريط، لا يكون مع الإمام، ولا أن يتراخى كما هو بعض الناس، يقول الإمام: «الله أكبر»، يركع وهو ما جثا، ثم يكبر بعده. يقول: «سمع الله لمن حمد»، يرفع وهو ما جثا راكع، ثم يرفع. هذه من أخطاء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فإذا كبر فكبروا، فإذا رفع فارفعوا». بفعل، والفعل عند أهل اللغة يفيد التعقيب، يفيد التعقيب، لا يفيد التراخي. فهذا مما ينبه عليه. أسأل الله جل وعلا يوفق الجميع لما يحب ويرضى. أسأل الله -جل وعلا- يوفق الجميع لما يحب ويرضى.

شاركنا على