التبيان في آداب حملة القرآن 30

الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 30، ألقاها

آداب ختم القرآن ومدد ختمه عند السلف

يتحدث الإمام النووي عن أهمية المداومة على تلاوة القرآن واختلاف السلف في مدد ختم القرآن. تراوحت مدد الختم بين كل شهرين وكل يوم وليلة.

أحوال السلف في قراءة القرآن في رمضان

يذكر النووي أحوال السلف في قراءة القرآن في رمضان، حيث كان بعضهم يختم القرآن في وقت قصير مثل بين المغرب والعشاء أو في ركعة واحدة. يختلف الاختيار في مقدار القراءة باختلاف الأشخاص وأحوالهم.

أوقات ختم القرآن وعدد القراءات

يتناول المقطع آراء العلماء حول أفضل أوقات ختم القرآن وعدد المرات التي ينبغي قراءته فيها خلال الأسبوع. بعض العلماء يرى أن ختم القرآن في أقل من ثلاث أيام لا يفقه، بينما يرى آخرون أن الأفضل هو ختم القرآن في أوقات محددة.

ختام الفصل والتمهيد للباب الآتي

يختم ابن أبي داود الفصل بمقولة لأحمد بن حنبل ويشير إلى بقايا الموضوع التي ستأتي في الباب التالي. يختم بقول سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن: فصلًا في الكلام عن ختم القرآن في مدة معينة، أي أن هذا الفصل معقودٌ على الكلام عن ختم القرآن، أي من قرأ القرآن فختمه في مدة معينة. قال رحمه الله تعالى: ينبغي أن يحافظ أي طالب العلم وحامل القرآن، ينبغي أن يحافظ على تلاوته، ومعنى المحافظة المداومة، أن يداوم وأن يستمر على تلاوة القرآن. قال: ويكثر منها. وكان للسلف رضي الله عنهم عاداتٌ مختلفةٌ في قدر ما يختمونه فيه، أي في قدر ختمه من القرآن، أي في مدد معينة. قال: فروى ابن أبي داود -وهو أبو بكر ابن أبي داود، صاحب كتاب المصاحف المشهور- قال: عن بعض السلف أنهم كانوا يختمون في كل شهرين ختمة واحدة، أي في كل شهر خمسة عشر جزءًا على الترتيب الموجود، وعن بعضهم في كل شهر ختمة، وعن بعضهم في كل عشر ليال ختمة، وعن بعض في كل ثمان ليال ختمة، وعن الأكثرين في كل سبع ليال، وعن بعضهم في كل ست ليال، وعن بعضهم في كل خمس، وعن بعضهم في كل أربع، وعن كثيرين في كل ثلاث، وعن بعضهم في كل ليلتين، وعن بعضهم في كل يوم وليلة ختمة. ومنهم من كان يختم في كل يوم وليلة ختمتين، في اليوم والليلة ختمتين، ومنهم من كان يختم ثلاثًا، وختم بعضهم ثمان ختمات، وختم بعضهم ثمان ختمات: أربعًا في الليل وأربعًا في النهار. وهذا -كما ترون- شيء كثير وعجيب أن يقرأ القرآن في اليوم الواحد أربع مرات، شيء كثير وكذلك عجيب. وسأتي معنا ما هو الأفضل، وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال لعبد الله بن عمر -وهو يصيه في قراءة القرآن-: أن من قرأ القرآن في يوم واحد، قرأ القرآن وختم القرآن في يوم واحد لا يفقه. فإذا كانت الختمة الواحدة في اليوم الواحد لا يفقهها صاحبها، فكيف بمن قرأه مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا؟ من باب أولى. قال رحمه الله تعالى: فمن الذين كانوا يختمون ختمة في اليوم والليلة عثمان بن عفان، وتميم الداري، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والشافعي، وآخرون رضي الله عنهم، أي أن هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى كانوا يختمون القرآن ويقرؤون القرآن كلهم في يوم وليلة. قال: ومن الذين كانوا يختمون ثلاث ختمات سليم بن عتر رضي الله عنه، قاضي مصر في خلافة معاوية رضي الله عنه. فروى أبو بكر ابن أبي داود أنه كان يختم في كل ليلة ثلاث ختمات، في كل ليلة ثلاث ختمات، أي ليس في اليوم والليلة، في الليلة الواحدة، وهذا أمر عجيب. قال رحمه الله تعالى: وروى أبو بكر الكندي في كتابه في قضاة مصر أنه كان يختم في الليلة أربع ختمات ختمات. وهذا كذلك أعجب. وقال الشيخ الصالح أبو عبد الرحمن السلمي رضي الله عنه: سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي رضي الله عنه يقول: كان ابن الكاتب رضي الله عنه يختم بالنهار أربع ختمات وبالليل أربع ختمات. قال رحمه الله تعالى: وهذا أكثر ما بلغنا في اليوم والليلة، أي أربع ختمات في النهار وأربع ختمات بالليل، أي ثمان ختم في اليوم الواحد، في اليوم والليلة. قال رحمه الله تعالى: وروى السيد الجليل أحمد الدورقي بإسناده عن منصور ابن زاذان من عباد التابعين رضي الله عنهم: أنه كان يختم القرآن فيما بين الظهر والعصر، ويختمه أيضًا فيما بين العصر والمغرب، ويختمه فيما بين المغرب والعشاء في رمضان ختمتين وشيئًا. وكانوا يؤخرون العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل، وهذا كذلك أمر عجيب. بين العصر والمغرب يقرأ القرآن أجمع كله، ثم بين مغرب وعشاء كذلك، هذا شيء عجيب. قال: وروى ابن أبي داود بإسناده الصحيح أن مجاهدًا -أي إمام التابعين في التفسير رحمه الله- كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء. وهذا -كما ترون- يقول إمام النووي: بإسناد صحيح أن مجاهدًا كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء. وهذا إذا صح إليه فهذه بركة عظيمة في الوقت وفي العمل، إذ يقرأ إنسان القرآن أجمع بين مغرب وعشاء. من يستطيع اليوم أن يقرأ القرآن كاملًا في يوم واحد من الفجر إلى الليل؟ هل يستطيع أن يختم إنسان اليوم القرآن؟ صعب، ولكن البركة من الله، البركة من الله. قال رحمه الله تعالى: وعن منصور قال: كان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب والعشاء كل ليلة من رمضان. وعن إبراهيم ابن سعد -وهو الزهري- قال: كان أبي يحتب فما يحل حبوته حتى يختم القرآن. وهذا كذلك يدل على ما فتح الله تبارك وتعالى على هؤلاء من الهمة ومن العون الرباني. قال: وأما الذين ختموا القرآن في ركعة فلا يحصون لكثرتهم، يختمون القرآن في ركعة واحدة، أي يصلون فيختمون القرآن في ركعة واحدة. قال: فمن المتقدمين عثمان -عثمان ابن عفان رضي الله عنه- كان يختم القرآن يؤتر بركعة واحدة يختم فيها القرآن. وهذه كذلك بركة عظيمة وفضل عظيم من الله رب العالمين. قال: وتميم الداري، وهو كذلك أحد القراء ممن جعله عمر رضي الله عنه يصلي بالناس مع أبي، صلاة التراويح. وفي بعض روايات أنه جعله إمامًا على النساء. قال: وسعيد بن جبير، وهو كذلك من آئمة التابعين ومن آئمة التفسير من أصحاب عبد الله بن عباس. قال: وسعيد بن جبير ختمهم في ركعة في الكعبة كذلك. قالوا: أما الذين ختموا في الأسبوع مرة فكثيرون، نقل عن عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب رضي الله عنهم، وعن جماعة من التابعين كعبد الرحمن ابن يزيد، وعلقمة، وإبراهيم رحمهم الله تعالى. والاختيار -أي الذي اختاره النووي رحمه الله- قال: والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص. فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف، فليختصر على قدر يحصل له كمال فهم ما يقرأه. هذا تفصيل حسن، يعني يقول الإنسان: إذا كان يقرأ شيئًا يسيرًا لكن تتفتح عليه من العلوم والفهم والاستنباطات والوقوف على دقائق القرآن، قال: فليقتصر على قدر يحصل له كمال فهم ما يقرأه، أي فيه ما يحصله هذا المعنى ولو قل قراءته. قال: وكذا من كان مشغولًا بنشر العلم وغيره، أي أن يكون ممن فتح الله تبارك وتعالى عليه وأعانه بتعليم، بنشر العلم، وقاله، وقال، وقال، وغيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة، كان يكون قائمًا على بعض أعمال مسلمين من ولاية أو قضاء أو بعض حوائج أهل الإسلام. قال: فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له، أي الأصل أنه يقوم بعمله الأول أتم قيام، وفي الوقت نفسه لا يفرط في تلاوة القرآن، لا إفراط ولا تفريط، يقرأ ما يحصل له به المقصود. قال: وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين، أي ليس بمنشغل في الخير والعلم وقيام مصالح المسلمين، وإنما هو أحد المسلمين الذي ليس له من الخدمات العامة المتعدية للمسلمين، فمثل هذا يقول النووي رحمه الله: قال: وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه، أي يكثر من قراءة القرآن وتلاوته، من غير خروج إلى حد الملل والهذرمة. الملل أي السآمة، يقرأ القرآن بحيث لا يصل إلى حد السآمة من القرآن، ولكن يقرأ القرآن ما طاقته نفسه، كما جاء في الحديث: يقرأ القرآن ما طاقته أنفسكم، فإذا سئم أحدكم فليدع كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كذلك. قال: ولا يخرج أيضًا إلى حد الهذرمة، ما معنى الهذرمة؟ أي القراءة السريعة للقرآن بحيث أنه لا يفقه ما يقول، ولا يكون ولا تكون تلك القراءة قراءة معروفة معلومة حسنة. فينبغي له أن يحافظ على صحة القراءة، وإن قرأ قراءة فيها شيء من الحذر والسرعة، فينبغي له أن يحافظ على أصل التلاوة، وأن لا يخرج الكلمات والحروف عن معانيها وعن قراءتها الصحيحة، فيقرأ في مثل هذه الحالة ما تيسر له، ما تيسر له. قال: وقد كره جماعة من المتقدمين الختم في كل يوم وليلة، ويدل عليه الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنه ما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يفقه من يقرأ القرآن في أقل من ثلاث»، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، والله أعلم هو حديث صحيح. قال: يعني شاهد منه: «لا يفقه من يقرأ القرآن في أقل من ثلاث». فبعض أهل العلم أخذ بهذا الظاهر، فقال: لا يفقه. ومنهم من أخذ بمعناه، فقال: من كان يقرأ أقل من ذلك فيفقه، فإن لو أن يقرأ، فإن لو أن يقرأ ذلك. قال رحمه الله تعالى: وأما وقت الابتداء والخاتمة، أي متى يبتدىء؟ ما هو الوقت المستحب والأفضل في ابتداء ختم في ابتداء قراءة القرآن وفي ختمه؟ قال رحمه الله تعالى: وأما وقت الابتداء والخاتمة لمن يختم في الأسبوع، فقد روى ابن أبي داود أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يفتتح القرآن ليلة الجمعة ويختمه ليلة الخميس. وقال إمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في الإحياء: الأفضل أن يختم ختمة بالليل وختمة بالنهار، ويجعل ختمة النهار يوم الاثنين في ركعتين الفجر أو بعدهما، ويجعل ختمة الليل ليلة الجمعة في ركعتين المغرب أو بعدهما؛ ليستقبل أول النهار وآخره. قال: وروى ابن أبي داود عن عامر ابن مرة التابعي قال: كانوا يحبون أن يختم القرآن من أول الليل أو من أول النهار. وعن طلحة بن مصرف التابعي الجليل قال: من ختم القرآن أي ساعة كانت من النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي، وأي ساعة كانت من الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح. وعن مجاهد نحوه. وروى الدارمي في مسنده بإسناده عن سعد بن أبي القاص رضي الله عنه قال: إذا وافق ختم القرآن أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح، هذا حديث، قال: هذا حسن عن سعد. وذكر المعلق أنه من طريق ليث ابن أبي سليم، هو ضعيف. قال: وعن حبيب ابن ثابت التابعي أنه كان يختم قبل الركوع. قال ابن أبي داود: كذا قال أحمد بن حنبل رحمه الله. قال: وفي هذا الفصل بقايا ستأتي إن شاء الله تعالى في الباب الآتي. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على