الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 230، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تسميت سورة الجمعة بهذا الاسم لاشتمالها على الأمر بإقامة صلاة الجمعة، ويوم الجمعة هو اليوم المختار لهذه الأمة وعيدها الأسبوعي. سبق المسلمون اليهود والنصارى في هذا اليوم المبارك كما ورد في الحديث النبوي الشريف.
تم تمييز الرواة في إسناد حديث أبي هريرة عن نزول آية ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ مع تصحيح الخلط بين ثور بن زيد المدني وثور بن يزيد الشامي. ثبتت فضيلة سلمان الفارسي في تبليغ الإيمان لو كان عند الثريا وتفسير المجاهدين للآية بمن يلحقون بالمؤمنين نصرةً وإيمانًا.
خرج رجال ونساء من أصلاب الصحابة وأصلاب أصلابهم يدخلون الجنة بغير حساب بفضل صلاح آبائهم. تؤكد الآيات القرآنية لحاق الذرية الصالحة بآبائهم في الدرجات العلى، وقصة الغلامين اليتيمين دليل على حفظ الله لذرية الصالحين.
حفظ الله كنزاً لأبناء صالحين بفضل صلاح أبيهم مصداقاً لقوله تعالى ﴿ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾. على العبد الرجوع إلى الله والتحلي بالإيمان والتقوى ليحفظه الله في الدنيا والآخرة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: سورة الجمعة. قال: بسم الله الرحمن الرحيم، سورة الجمعة. وسورة الجمعة ليس لها اسم إلا هذا الاسم؛ لأن هذه السورة ذكرت فيها الأمر بصلاة الجمعة، وكذلك الصلاة، فلهذا سميت بها. فتسميتها في المصاحف: الجمعة. وكذلك أيضا ذكرت في الأحاديث، مثل هذا الحديث الذي سيأتي: «فأنزلت عليه سورة الجمعة». والجمعة هو اليوم الذي اختاره الله عز وجل لهذه الأمة، وهذا الله عز وجل هذه الأمة لذلك اليوم: الجمعة. وذكر بعض أهل التاريخ أن العرب كانوا يسمونه في الجاهلية: العروبة، وقيل: إنه سمي الجمعة لأن العرب كانت تجتمع في ذلك اليوم عند قصي، فلذلك كانوا سموه جمعة لاجتماعهم. وسُمي أيضا جمعة في الإسلام لأجل اجتماع الناس في صلاة الجمعة؛ لأنه اليوم الذي يجتمع فيه المسلمون، فهو عيد من أعيادهم، العيد الأسبوعي. فهدى الله عز وجل هذه الأمة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أضل الله عز وجل اليهود عنه فأخذوا السبت، وأضل الله عز وجل النصارى فأخذوا الأحد، وهدى الله عز وجل هذه الأمة إلى الجمعة، فنحن الآخرون السابقون يوم القيامة». معنى: صارت الجمعة مقدمة على اليهود الذين هم السبت، وعلى النصارى الذين هم الأحد، فالجمعة مقدمة عليهم. ولهذا الآن تجد اليهود يحاولون أن يجعلوا السبت هو بداية الأسبوع، وليس كذلك، وإنما بداية الأسبوع هو الجمعة، فهي أول قبل السبت وقبل الأحد. وهذا أيضا هذا الاختيار لعجل أيضا أسبقية هذه الأمة للأمة يوم القيامة، فأول من يدخل الجنة هو هذه الأمة، أول من يدخل الجنة هو هذه الأمة، ومعه النبي صلى الله عليه وسلم يدخل أول من يدخل، ومعه سبعون ألفا من هذه الأمة ممن لا حساب عليهم ولا عذاب. وأول من يدخل الجنة كما في حديث ثوبان: هم فقراء المهاجرين، فيسبقون الأمم التي قبل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن الآخرون» أي في الدنيا، «السابقون يوم القيامة». قال رحمه الله: باب قوله: ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾. «وقرأ عمر: فامضوا إلى ذكر الله، فاسعوا». «قرأ عمر: فامضوا». قال: وحدثنا عبد العزيز بن عبد الله، وهو الأويسي، أخو سليمان بن عبد الله أيضا الأويسي، وعبد الحميد، وهم بيت علم من أهل المدينة. وعبد العزيز ثقة، ووثقه أكثر العلماء، وما ذكر عن أبي داود أنه ضعيف فليس بصحيح. قال: حدثني سليمان بن بلال، وهو القارئ، شيبة تيم من بني تيم من قبيلة الصديق رضي الله عنه، وليس هو من قبيلتهم، أقصد: ليس هو من أصلهم، وإنما مولى لهم، فهو مولى ابن أبي عتيق، وهو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي بكر الصديق. وقيل: إن أبا عتيق هو عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر الصديق، أو ابن محمد بن عبد الله بن أبي بكر، وكان يقال له: أبو عتيق، ويقال أيضا لابنه عبد الرحمن: ابن أبي عتيق. وكان سليمان مولى له، كان سليمان من مواليهم، فلذلك نسب إلى التيمي القرشي. قال: عن ثور، وثور هنا: ابن زيد الديلي المدني، ثور بن زيد أبو بكر المدني، وليس ثور بن يزيد؛ لأن بعض العلماء أخطأ في ثور هذا، فظن أن الثور لما قال: «خذ من ثور واحذر قرنيه» أنه هذا، وليس كذلك. بل هذا قد روى عنه مالك، وأكثر عنه، فلو كان من أهل البدع لم يروي عنه مالك. وذكره بعضهم أنه من المرجئة، لكن الظاهر أنه ليس هو، وإنما هو ثور بن يزيد. وثور بن يزيد الشامي الحمصي، وهذا مدني، فهو ليس هو. والذي قال فيه الثوري: «خذ من ثور واحذر قرنيه» هو ثور بن يزيد، ثور بن يزيد الشامي. وأما هذا: ثور بن زيد، ثور بن زيد المدني. قال: عن أبي الغيث، وهو المدني، محمد بن أبي الغيث، وهو مدني، لم يرو عنه إلا ثور بن زيد، وثقه ابن معين وغيره، وروى عنه البخاري في صحيحه، وكذلك ذكره الإمام أحمد. أما ذكر له هذا: أبو الغيث، قال: لم يرو عنه إلا ثور، وهو ثقة. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا جلوسا عند النبي عليه الصلاة والسلام، فأنزلت عليه سورة الجمعة: ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾، قال: قلت: منهم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثا. هنا غير صيغة الضمير: «فلم يراجعه»، جعلها على الغيب، ولم يقل: «فلم يراجعني». قال: فلم يراجعه حتى سأل ثلاثا، أي: لم يراجع أبا هريرة، وقد يكون هذا من أبي الغيث. قال: وفينا سلمان الفارسي، وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان، ثم قال: «لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال أو رجل من هؤلاء». عند الثريا: هو النجم الذي يعرف بالثريا، وهو من أعلى النجوم، يقصد به كل ما كان بعيدا وأيضا فوق. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء». وجاء في صحيح مسلم: «لناله رجال من أهل فارس»، وأشار إلى سلمان الفارسي. وهذا فيه منقبة عظيمة وفضيلة لسلمان؛ لأنه بحث عن الحق حتى وجده. فقال: فسر النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾، فسرها على سلمان ومن كان مثله. ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾: أي سيلحقون بهم. وقال مجاهد: هم من لحقوا بأهل الإيمان ونصروهم، سوى كان من أهل اليمن وهم أكثرهم نصرة، أو من غيرهم. ولهذا قال: وأخرج الإمام الطبراني، وكذلك هو عند البيهقي بإسناد حسن، وحسنه، وذكره الشيخ الألباني في الصحيحة، عن سهل بن سعد الساعدي أن النبي عليه الصلاة والسلام قرأ هذه الآية: ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾، قال: «إنه ليخرج من أصلابهم وأصلاب أصلابهم رجالا ونساء يقاتلون في سبيل الله، أو قال: رجالا ونساء يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب». فأنه يخرج الله عز وجل من أصلابهم وأصلاب أصلابهم أولا، أي: من أصلاب الصحابة رضي الله عنهم، وهم يلحقون بهم، يلحقون بهم، فيخرج من أصلاب أصلابهم من أهل الإيمان ومن يلحق بهؤلاء، فيدخلهم الجنة، أي: يدخلهم الله عز وجل جنة بغير حساب ولا عذاب. وهذا مثل قول الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾. أي: لم ننقص من أعمالهم شيئا، وإنما ألحقنا بهم ذرياتهم، وألحقنا بهم من كان من أهل الإيمان من عائلاتهم وأسرهم وذرياتهم. وهذا فضل الله عز وجل العظيم الذي يتفضل به على عباده، فيلحق، أو فيلحق من ذرية الصالحين من لم يدركهم في رتبتهم، ومن لم يدركهم في درجتهم، فيلحقهم بهم في تلك الدرجات. وهذا من عطاء الله عز وجل الواسع بعباده وكرمه سبحانه وتعالى، أن هؤلاء لم يعملوا مثل أولئك، لكن ألحقهم الله عز وجل بهم لفضل آبائهم، ألحقهم الله عز وجل بهم لفضل آبائهم وما كانوا عليه من الصلاح. فلذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنه ليخرج من أصلابهم وأصلاب أصلابهم رجالا ونساء يدخلون الجنة بغير حساب»، ألحقوا مع آبائهم لأن آباءهم دخلوا الجنة بغير حساب ولا عذاب، فألحق من ذرياتهم من كان مثلهم، فيلحق بهم في أنه يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب. وهذا يدل على فضل أهل الصلاح، وأن الله عز وجل يحفظ ذرياتهم من بعدهم، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾. «ألا تخافوا»: أي فيما استقبل من أمر الآخرة، «ولا تحزنوا»: على ما فاتكم من أمر الدنيا وما خلفتم من أمر الدنيا من الأولاد وغيرهم، فإن الله عز وجل سيحفظهم لكم. «ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون». وقال أيضا ربنا جل وعلا: ﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ﴾. قال ابن عباس: وكان هذا في الولد السابع، كان هذا في الولد السابع. معنى هذا: الأب أو الجد الذي هو جد صالح، حفظ الله عز وجل بنيه وما كانوا يملكون، حفظهم لأجل صلاح جدهم السابع. هكذا قال ابن عباس. وقال: مع أنه لم يذكر الله عز وجل فيهم صلاحا، وإنما حفظ لهم الكنز لأجل صلاح أبيهم. وهذا مصداق قوله جل وعلا: ﴿ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾، أي: لا تحزنوا على ما فاتكم، فإن الله عز وجل حافظه. لكن العبد ينبغي عليه أن يرجع إلى الله، وأيضا يكون من أهل الإيمان أهل التقوى، فإن الله عز وجل يحفظه في الدنيا والآخرة. فهذا ما يذكر الله تعالى.