شرح لمعة الاعتقاد 29

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 29، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

أحكام هجر أهل البدع وضوابط التعامل معهم

يبيّن هذا المحور أن هجر أهل البدع أصل متفق عليه في السنة، مفصلاً أنواعه وضوابطه مع وجوب ترك جدال المبتدعين وقراءة كتبهم. كما يفرق بين رؤوس البدعة وأتباعهم، وبين الجاهل والمتعنت، مؤكداً على الرفق بالجاهلين وأن الهجر باب مضيق يقدر بالمصلحة الشرعية.

تحذير من البدعة وأهلها وعقائد الفرق الضالة الكبرى

يحذر المحور من قبول أموال أهل البدع ويعرف البدعة بأنها محدثة ضلالة، مبطلاً استدلال عمر رضي الله عنه في التراويح لإحداث بدع جديدة. ثم يستعرض عقائد الفرق الضالة الكبرى كإجماع الأمة على كفر الرافضة، وكفر الجهمية والخوارج، وتفصيل أحوال القدرية والمرجئة.

تفصيل عقائد فرق المعتزلة والكرامية والسالمية والكلابية والأشعرية

يستعرض هذا المحور نشأة وعقائد خمس فرق ضالة محددة، بدءاً بالمعتزلة ونفيهم للصفات، مروراً بالكرامية وتجسيمهم، والسالمية وغلوهم في التجلي. ويختتم بالكلابية ونفيهم للصفات الفعلية، والأشعرية ومراحل تحول أبي الحسن الأشعري.

النهي عن الانتساب للأشعرية وجواز التمذهب الفقهي مع النهي عن التعصب

يوضح المحور نهي ابن تيمية عن الانتساب للأشعرية لكونه يورث الحزبية والفرقة، مجيزاً في المقابل الانتساب للمذاهب الفقهية الأربعة في الفروع بشرط عدم التعصب. ويحذر من مساوئ التعصب المذهبي الذي أدى للاقتتال ورد النصوص، داعياً للاعتدال.

وجوب الاجتهاد والاستدلال في الفتوى وخطر التقليد الأعمى

يؤكد المحور أن المفتي يجب أن يكون مجتهداً مستنداً للدليل لا مجرد ناقل للأقوال، منتقداً التقليد الأعمى ومبيناً إجماع العلماء على أن المقلد ليس من أهل العلم. ويشير إلى وجود الخلاف داخل المذهب الواحد مما يستلزم الترجيح بالدليل لا بالهوى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في الكلام على آخر فصل في هذه الرسالة النافعة. قال رحمه الله تعالى: «ومن السنة هجران أهل البدع ومباينتهم». تقدم الكلام قبل الصلاة على هذه الجملة من كلام الإمام أبي محمد الموفق بن قدامة رحمه الله، وأنها أصل من أصول السنة، أجمع عليه سلف الأمة رضي الله عنهم وأرضاهم، واتفق عليها الأئمة، وهي منهج أهل السنة والجماعة. قالوا: «من السنة هجران أهل البدع». تكلمنا على أن الهجر أنواع، وهجر البعد والترك هذا واجب، وهجر السلام ونحوه يكون بحسب المصلحة وقوة السنة وضعفها. قالوا: «من السنة هجران أهل البدع ومباينتهم وترك الجدال والخصومات في الدين». تقدم الكلام على أن من السنة وعقيدة أهل السنة أن لا يناظر صاحب بدعة، لأن الأصل فيهم الأهواء إلا ما رحم ربه. فإذا كان الأصل الهوى فقد خالف أصلاً من أصول الجدل المحمود وهو قصد الهدى، والغالب فيهم الجهل. ومن أصول الجدل المحمود أن يكون بعلم لا بجهل، وأن يكون بتواضع لا كمن هو ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله بغير علم. فمثل هؤلاء لا يجادلون. ولهذا قال المصنف رحمه الله: «وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر في كتب المبتدعة». هذه مسألة مهمة، وهي أنه يُترك النظر والقراءة والدراسة في كتب أهل البدع والأهواء. من عُرف بأنه من أهل البدع فينبغي ترك القراءة له إيثاراً للسلام، فإنه ما من مبتدع يكتب إلا وخلط السم بالعسل، ويقع في كلامه الحق والباطل، ويقع في كلامه الصواب والزلل، وغالب الناس وطلاب العلم كثيرٌ منهم لا يُميِّزون أو لا يقدرون على التمييز. ولهذا فالواجب ترك النظر في كتب المبتدعة، سواء كانت في باب التفسير أو في باب الفقه أو في غيره، تُترك كتبهم ولا تُدرس، وفي كتب السنة كفاية وهداية لمن أراد الله له الكفاية والفقه والهداية. وترك النظر في كتب المبتدعة إلا رجلاً أراد الرد عليهم وهو متمكنٌ من العلم، مُدركٌ للبدع والأهواء، راسخٌ في هذا الباب، قويُّ الإيمان، واسع العلم. فمثل هذا إذا نظر بيَّن الحق من الباطل، وردَّ الباطل، وميَّز السُّمَّ من العسل، وميَّز الخطأ من الزلل. فمثل هذا قد يتعيَّن عليه الرد، قد يتعيَّن عليه الرد على كتب أهل الباطل وغربلتها، لا سيَّما إذا حصلت بها فتنة. فإن كانت كتباً خاملة لأناسٍ خاملين فالفقه والحكمة في إخمادها لا في إظهارها. قال: «والإصغاء إلى كلامهم». تقدَّم الكلام في قول الإمام سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله تعالى، إمام السنة في العراق: «من أصغى إلى صاحب بدعةٍ خرج من عصمة الله ووكل إليها» أي إلى البدعة. فلا يجوز الإصغاء إليهم، لا يجوز الإصغاء، والإصغاء هو الإنصات بشدة والاستماع باهتمامٍ وإقبال، هذا هو الإنصات. فمثل هذا لا يجوز مع أهل البدع والضلال، لا يجوز مع أهل البدع والضلال. ولهذا قال الأوزاعي كما تقدم: «لا تمكنوا صاحب بدعةٍ من جدل فيورث قلبكم فتنةً وارتياباً». وأبو قلابة قدمنا قبل الصلاة أنه قال: «لا تجالسوا أهل الأهواء فإنكم إن لم تدخلوا فيما دخلوا فيه لبسوا عليكم ما تعرفون». فمثل هؤلاء يتركون لزاماً. هذه المسألة اتفق عليها السلف وأجمع عليه العلماء. ولهذا يقول الإمام محي السنة أبو الحسين البغوي رحمه الله: «قد مضت الصحابة والتابعون، وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معادات أهل البدع، أهل البدع على معادات أهل البدعة ومهاجرتهم». انتهى كلامه. ثم سرد كلام الأئمة، وبعضه ذكرته: «المجالسة مع أهل البدع والإصغاء إلى كلامهم فتنة عظيمة، وكم من إنسان عرف السنة فصار من أهل البدعة لمجالسته». لامرأة كعمران بن حطان، كان سنياً ثم تزوج امرأة من الخوارج، قال: «أهديها إلى السنة». امرأة فصار من الخوارج القعدية بفتح العين، وهم الذين يزينون الخروج على الحكام والولاة ولا يفعلون. الخوارج القعدية، ولما قتل ابن ملجم أخزاه الله ولعنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وطعنه رضي الله عنه وأرضاه، قال عمران: «انظر إلى هذا». السني سابقاً ماذا يقول: «يا ضربة من تقي ما أراد بها يعني طعن عبد الرحمن بن ملجم للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من للعرش رضوانا، إني لا أذكره يوماً فأحسبه أو فالبرية عند الله ميزاناً». نسأل الله العافية والسلامة. ورد عليه بعض أهل السنة: «يا ضربة من شقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش، إلا ليبلغ رب العرش غضباناً، إني لا أذكره يوماً فألعنه وألعن الكلب عمران بن حطاناً، وألعن الكلب عمران بن حطاناً». إلى آخر ما ذكروا فيها. لكن مسألة الهجر ومسألة تفاوت فيها أهل البدع، فالرؤوس ليس كالأتباع، الرؤوس ليس كالأتباع، والملبس عليه الجاهل المغتر ليس كصاحب الهوى المتكبر. فلابد أن نزل الأمور بميزانها. أسألني الأخ قبل الصلاة عن بعض من يهجر بعض الإخوة الإندونسيين الذين يأتون يحسبون على الصوفية، وهذا ليس بصواب. غالب هؤلاء ملبس عليه، وربما منهم من لم يسمع السنة ولا سمع نقد ما عليه الصوفية، عياذاً بالله. فمثل هؤلاء يرفق بهم ويحسن إليهم ويبين لهم بالحكمة والموعظة الحسنة، لا بالسب والتطاول والألفاظ الشديدة. أنت طبيب ولست جزارة، جزارة. أنت طبيب، والطبيب يراعي المريض في ألمه، يراعي المريض في ظروفه الصحية، يراعيه. فلهذا الكلمة الطيبة مطلوبة والإحسان مطلوب، والهجر في مثل هذا الموضع في ظني غلط، إلا طالب علم مجادل معاند عرف بالهوى، فمثل هذا يتقى شره. أما عوام وأشباه عوام وطلاب علم بادئون ننصحهم، ننصحهم. كذلك طالب العلم ننصحهم، نبين له أن أهل العلم على نقض هذه الطوائل، وأن عندها من الضلالات والشركيات ما الله بها عليم، وأن عبادة القبور والطواف بها من مضلات الفتن، واتفق العلماء على تحريمها، حتى عند الشافعية محرمة والتحريم متفق عليه. فمثل بالحكمة، بالموعظة الحسنة، بالنصيحة التي يريد صاحبها هداية الناس لا الانتقام منهم. هذا الذي ينبغي في مثل هذا الموضع. فنفرق بين الرأس المجادل، وبين الذنب الذي لبس عليه، أو الجاهل الذي التبس عليه ونحو ذلك، ولا نسلمهم إلى الشيطان بل نعينهم بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالحسنة، مجادلة بالحسنة التي يقصد فيها الحق ويتكلم فيها بعلم. أما أن تكون أنت لا تحيط بها علماً فكيف تجادل؟ ادرس وتعلم ثم بيّن الحق بدليله، بيّن الحق بدليله. فالهجر باب مضيق وليس موسعاً، في حالات يهجع وفي حالات لا يهجع، بحسب المصلحة الشرعية وبحسب حال البلد وحال الزمان وحال المكان وحال الشخص. قال رحمه الله: «وكل محدثة في الدين بدعة، والمخالطة مع رؤوس المبتدعة ودعاتهم أمر عظيم». ولهذا يقول ابن المبارك: «كان يدعو ويقول: اللهم لا تجعل لصاحب بدعة عندي يداً فيحبه قلبي». مصيبة عظيمة أن يحسن إليك أهل البدع والأهواء، مصيبة عظيمة. فالواجب التعفّف عن أموال أهل البدع وعن عطاياهم. كان ابن المبارك يقول: «اللهم لا تجعل لصاحب بدعة عندي يداً» أي نعمة فيحبه قلبي. الإنسان عبد الإحسان، فإذا أحسن إليه أحب من يحسن إليه، دافع عنه، تعول له، لا ليس كذا الأمر، وكل المسألة عبارة عن إحسان، لو أنه كانت هناك إساءة لانعكس الحال، فدل هذا على أن الميزان مختل عند هذا الشخص أو عند هؤلاء الناس. والبدعة أمرها عظيم، يقول ابن سيرين: «ما أحدث رجل بدعة فرجع إلى سنة، الغالب في أهل البدع أنهم لا يتوبون ولا يرجعون إلا ما رحم الله عز وجل». يقول رحمه الله: «وكل محدثة في الدين بدعة». هذه اللفظة مأخوذة من حديث جابر وغيره من الأحاديث، وحديث عائشة رضي الله عنها: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». وأما زيادته: «وكل ضلالة في النار» فالراجح أنها لا تثبت، عند النسائي لا تثبت في حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». وفي صحيح البخاري ومسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» أي مردود. فكل محدثة في الدين بدعة. وفي هذا الرد على من يفصل ويخلق بين أمور الدنيا والآخرة، فالبدعة المراد الشرعية. أما المراوح والمكرفونات هذه ليست من البدعة، هذه ليست من البدعة الشرعية، وإنما البدعة طريقة في الدين معدنة يقصد بها زيادة التقرب إلى الله عز وجل، فهذه كلها ضلالة، كلها ضلالة، كلها ضلالة. وأما أثر عمر رضي الله عنه فيوضع في غير موضعه: «نعمة البدعة هذه». هذا اللفظ ثبت في قيام الليل للمروز بلفظ: «إن كانت هذه بدعة فنعمة البدعة». هي بجملة الشرع: «إن كانت هذه بدعة» كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾. هذه جملة مستحيلة، هذه جملة مستحيلة، جملة معلقة مقيدة بلو التي تفيد الامتناع، وهذه جملة ممتنعة. ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾، لو كان للرحمن ولد هذا لا يكون أبداً. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾. هذه جملة شرطية ممتنعة، ممتنعة. «إن كانت هذه بدعة» هذا نفض مفسر للرواية الأخرى: «نعمة البدعة، إن كانت هذه بدعة فنعمة البدعة». فنعمة البدعة هي هذا، لم يفعل عمر بدعة جديدة. صلى النبي صلى الله عليه وسلم أربع ليالٍ كما في الصحيحين في حديث أسامة وغيره رضي الله عنهم جميعاً، أربع ليالٍ صلى بهم صلاة التراويح ثم ترك لمانع، فلما توفي زال ذلك المانع. لما توفي صلى الله عليه وعلى آله وسلم زال ذلك المانع. قال: «وكل محدثة في الدين بدعة، وكل متسمن بغير الإسلام والسنة في أصول الدين». أصول الدين المراد بها العقائد ومن درج تحتها من الفروع. المراد بأصول الدين العقائد وما كان في حكم العقائد. وهذا التقسيم أول من قال به المعتزلة، تقسيم الدين لا أصول وفروع، ولا ضابط له صحيح، لكن أهل العلم يستعملون هذا التقسيم في مواضع بقصد إفهام الكلام مثل هذا الموضع. «وكل متسمن بغير الإسلام والسنة في أصول الدين» أي في العقائد مبتدع، أي من عرف باسم ليس باسم السنة أو سمى نفسه بذلك فإنه يكون مبتدعاً بتلك التسمية. والواجب التزام الكتاب والسنة، والواجب أن نبقى على قول الله جل جلاله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾. فالله سمى المسلمين بالمسلمين، فإن احتاج لبيان الطريق قيل: أهل سنة وأهل جماعة، احترازاً عن الخوارج واحترازاً عن أهل البدع والضلالات، ويقال: أتباع السلف، هذا نسبة صحيحة، نسبة صحيحة. قال رحمه الله: «كالرافضة». سماهم بذلك زيد بن علي لأنهم رفضوا إمامة الشيخين أبي بكر وعمر. والرافضة الغلاة يكفرون أكثر الصحابة أو يفسقونهم، وينكرون أن القرآن هذا الموجود هو القرآن الذي أنزل، ويقولون: هذا محرف وهذا ناقص، ولهم ويقولون: إن النبوة كانت لعلي فخان جبريل الأمانة فسلمها محمداً، فلذلك يقولون: «خان الأمين، خان الأمين»، وربما ضربوا على أفخاذهم. عقائد هذه الطائفة كما يقول ابن تيمية: «عقائد كافرة بإجماع الأمة». الرافضة كفار بإجماع الأمة، نقل الإجماع جماعة من أهل العلم. كنت كتبت في هذا كتاباً قبل نحو بضعة عشر عاماً عنوانه: «بيان أن الرافضة جميعاً كفار وبطلان شبهة الفرق بين العامي المقلد والعالم المتعنت»، وهو مطبوع عدة طبعات. قال: «كالرافضة والجهمية». تقدم الكلام على الجهمية، أتباع الجهم بن صفوان الذي قتله الأمير سلم أو سالم بن أحويس في سنة إحدى وعشرين ومئة للهجرة. وهو ينفي الصفات والأسماء، ينفي صفات الله وأسماء الله، ويقول بالجبر في باب القدر، وفي باب الإيمان مرجع، وعندهم أنواع من الكفر تبلغ ستة أنواع أو خمسة. ولهذا كفرهم أهل العلم إجماعاً. هؤلاء يسمون الجهمية الخلص المحضة، لكن الجهمية على درجات: منهم الجهمية الخلص والمحضة، ومنهم جهمية هم المعتزلة، ومنهم جهمية هم الكلابية والأشعرية كما سيأتي. قال: «والخوارج». وهم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، سموا خوارج لأنهم يرون الخروج على ولاة الأمور، سموا خوارج لأنهم يرون الخروج على ولاة الأمور، ويرون تكفير علي وعثمان والحكمين لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله، فعندهم غلو في مسألة الحاكمية أو الحكم بغير ما أنزل الله. ولهذا كفروا علي وكفروا عثمان رضي الله عنه وكفروا الحكمين وكفروا أصحاب الجمل وكفروا من رضي بالتحكيم، حتى من رضي بالتحكيم كفره الخوارج، وقالوا بوجوب الخروج على السلطان الجائر. هذا مجمل عقيدة الخوارج التي اتفقوا عليه. أما التكفير بالذنوب فمسألة خلافية بين الخوارج أنفسهم، مسألة التكفير بالذنوب المعاصي مسألة خلافية بين الخوارج، كما بينه أبو الحسن الأشعري بياناً حسناً شافياً في مقالات الإسلاميين. قال رحمه الله: «والقدرية». والقدرية ينفون القدر، قدم الكلام عليهم والرد، ينفون القدر أن ينفون القدر عن أفعال العباد، ويجعلون العبد المخلوق له قدرة وإرادة مستقلتان عن إرادة الله وقدرته. ومنهم من ينكر العلم، وهؤلاء الغلاة، ويقال إنهم انقرضوا، وهم كفار بإجماع أهل العلم. القدرية نفاة العلم. ومنهم من ينكر أفعال العباد المعاصر، وهم المعتزلة، وهم مسلمون ضالون ولا نكفرهم لأجل الشبهة كما سيأتي. قال رحمه الله: «والمرجئة». والمرجئة، والمرجئة طائفة ظهرت بعد فتنة بن الأشعث كما تقدر، وهذه سنة من سنن الله عجيبة، فإنه إذا ثارت موجة الغلو إذا أخمدت خرجت موجة الانحلال والتفسخ والإرجاء، عياذاً بالله، فهي وليدة الغلو، وليدة الغلو، نسأل الله العافية والسلام. المرجئة يقولون: إن العمل ليس من أركان الإيمان، أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان. ولهذا تجدهم جعلوا الإسلام أرق من ثوب سابري، ثوب السابري الرقيق كما يقول إبراهيم النخعي رحمه الله: «جاءت المرجئة بالإسلام أرق من ثوب سابري». نرجئ فرق من فرق الضلال، وهم مسلمون ضالون. والمعتزلة، المعتزلة أتباع واصل بن عطاء، المعتزلة هم أتباع واصل بن عطاء الغزال، وكان تلميذاً للحسن البصري، حسن بن أبي حسن. فلما جاءت مسألة مرتكب الكبيرة، وقالت الخوارج بأنه كافر في الدنيا مخلد في الآخرة، خرج واصل بن عطاء ويقول: «نقول بالمنزلة بين المنزلتين، لا نقول هو مؤمن ولا نقول هو كافر، وعما في الآخرة فهو خالد مخلد في النار». فوافق الخوارج في المآل وخالفهم في التسمية في الدنيا، فهو خلاف أشبه بخلاف اللفظ منه بخلاف المعنى. ثم اعتزل حلقة الحسن البصري فسموا معتزلة. وهم غلاة القدر، ينفون الصفات عن الله عز وجل، يثبتون الأسماء وينفون الصفات، وهم جهمية في باب الصفات وقدرية في باب القدر. وعندهم أصول خمسة، منها الخروج على الحكام ويسمونه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: «والكرامية». أتباع محمد بن كرام، هذه الطائفة عندها غلو، عندهم غلو، حتى إنهم في باب صفات الله يقولون: إن الله جسم، عياذاً بالله، هذا من مقالات الكرامية أخزاهم الله. في باب الإيمان من أخبث المرجئة إن صح القول عنه، فإنهم يقولون: إن الإيمان قول باللسان، مجرد القول باللسان عندهم إيمان. وهذه مقالة من أخبث مقالات المرجئة، من أخبث مقالات المرجئة، ويلزم عليها أن إبليس مؤمن وفرعون مؤمن، لأن إبليس قال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾ فاعترف بلسانه، وعندهم هذا إيمان، وفرعون قال أيضاً عندما أيقن بالغرق: ﴿آمَنْتُ بِالَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾، قال الله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. فقولهم في الإيمان خبيث. عندهم غلو، الكرامية عندهم غلو، عندهم غلو، نسأل الله العافية والسلام. والسالمية، السالمية، السالمية أتباع محمد بن سالم، شيخ من أهل البصرة، عابد زاهد، أبو الحسن بن أبي... أبو الحسن بن سالم، اسمه محمد بن سالم، وكان من أصحاب سهل بن عبد الله التستري. هذه الطائفة يقول الذهبي رحمه الله: «سألت شيخنا ابن تيمية فقال: السالمية في الجملة من أهل السنة، ثم قال: غير أنهم خالفوا في مسائل فبدعوا، أي صاروا مبتدعة». السالمية هم جماعة من الصوفية فيهم غلو في باب إثبات الصفات، حتى إنهم يقولون: إن الله يتجلى لبعض عباده الأولياء أو لأوليائه في الدنيا عياناً، هكذا يقولون. فهم جماعة من المبتدعة. قال: «والكلابية». والكلابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان، لُقِّبَ بابن كلاب لأنه كان كثير الجدل وكان يأخذ خصمه كما يأخذ الإنسان الثوب بالكلاب، بالحديد الذي في آخره العُجَاج، الكلاب المعروف. هكذا كان في مناظرة، هذا الرجل كان منتسباً إلى أهل الحديث في زمن الإمام أحمد، كان موجوداً. فلما ظهرت المعتزلة أراد الرد عليهم، لكنه رد عليهم بطريقة كلام لا بطريقة السنة، فكان يؤلف الكتب ويناظر المعتزلة، لكنه لا يناظرهم على السنة وبالسنة، وإنما بشيء من علم الكلام، فخرج بأصول فاسدة منها: إنكار اتصاف الله عز وجل بالصفات الفعلية كالمجيء والإتيان والاستواء والكلام متى شاء. وكانت مسألة الكلام من أشهر المسائل التي انفرد بها، حتى إنه كان يقول: إن كلام الله معنى نفسي قائم بذات الله عز وجل، هكذا كان يقول. وهذه بدعة عظيمة، ابن كلاب بدعه الإمام أحمد وبدعه السلف، وإن كان هو خيراً من المعتزلي وخيراً من الجهمية. وتبعه على طريقته الأشعري بعد رجوعه من الاعتزال. قال رحمه الله: «والأشعرية». سارع الأشعرية نسبة إلى أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتوفى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة للهجرة. هذا الرجل كان أبوه من أهل السنة من المجاهدين، فلما مات أوصى وصية أن يرعى ابنه الإمام أبو زكريا الساجي من أئمة السنة في البصرة من تلاميذ حماد بن زيد وتلاميذ تلاميذ الإمام أحمد رحمه الله. فتزوجت أمه بعبد الجبار المعتزلي، فولد أبو الحسن، وتربى علي بن إسماعيل في بيت عبد الجبار المعتزلي الجبائي، تربى في بيت الجبائي وتعلم منه الاعتزال، وصار يناظر ويكتب ويؤلف على مذهب المعتزلة أربعين سنة. ثم بعد أربعين سنة هداه الله عز وجل فتشكك في نفسه، واعتزل أربعين يوماً يراجع قول المعتزلة، ثم صعد على المنبر، والظاهر أنه لبس ثوبين، فقال للناس: «أتعرفونني؟» ثم خلع ثوبه وقال: «أنا علي بن إسماعيل بن أبي بشر»، وكان يعرف في البصرة بأبي بشر الأشعري من نسل عبد الله من نسل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. قال: «خدعة، تركت الاعتزال وخلعته كما خلعت ثوبي بهذا». في تلك المرحلة لازم أبو الحسن تلاميذ ابن كلاب، عبد الله بن سعيد القطان المعروف بابن كلاب، وقرأ كتبه وسار على خطته، كما يقول ابن تيمية: «سار على طريقته»، كما ذكر المترجمون: «سار على طريقة ابن كلاب»، وخالفه في بعض المسائل اليسيرة. فابن كلاب يقول: القرآن عبارة حكاية عن كلام الله، والأشعري يقول: عبارة عن الكلام واحد. وصار زمناً طويلاً على هذه العقيدة، أبو الحسن رحمه الله وغفر له، زمناً طويلاً على هذه العقيدة. ثم هداه الله عز وجل فجالس أبا زكريا الساج، يحيى الساج، وقرأ عليه أصول السنة وتعلم منه السلفية والتوحيد، ودون ذلك في كتابه «مقالات الإسلاميين». هذا الكتاب في أوله كتاب عظيم مهم، «مقالات الإسلاميين»، في أوله ذكر عقيدة أهل الحديث التي كتبها أبو الحسن رحمه الله عما سمعه من زكريا الساج، تلك العقيدة في الجملة عقيدة سلفية. ثم رحل أبو الحسن في آخر عمره إلى بغداد، فلقي تلاميذ الإمام أحمد من حنابلة بغداد، فجالسهم وناقشهم وعرض عليهم ما يعتقده وناقشوه، فكتب كتابه «الإبانة عن أصول الديانة»، وهو كتاب نافع، كتاب نافع جليل، احتفى به جماعة من أئمة السنة كابن الصلاح وغيره، ليس هذا موضع ذكره. فأبو الحسن آخر عمره مات على عقيدته التي في الإبانة، وأما قبل ذلك فكان على عقيدة ابن كلاب. ممن ذكر ذلك من المؤرخين الثقات: أبو الفداء إسماعيل بن عمر ابن كثير الدمشقي المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة للهجرة في كتابه «طبقات الشافعية»، ترجم لأبي الحسن الأشعري. أبو الحسن الأشعري ليس بفقيه، لا يوصف بأنه فقيه، ولا يوصف بأنه محدث، ولكنه رجل صاحب علم كلام وهذا مذموم عند السنة، ورجل دافع عن السنة ورد على أهل البدع، وكان باحثاً عن الحق فيما ترجح عندي في هذا الباب، كان باحثاً عن الحق طيلة عمره رحمه الله، ناظراً ومناظراً، ثم هداه الله جل جلاله، هداه الله سبحانه وتعالى إلى السنة في آخر عمره، ومات على عقيدته التي في الإبانة. وقدماء الشافعية كانوا يعتقدون ما في الإبانة، يقول ابن تيمية: «ومن اعتقد ما في كتاب الإبانة ولم يخالفه فهو من أهل السنة». على أن الانتساب إلى الأشعري بدأ، يعني لا يجوز أن نقول: أشاعرة أو أنا أشعري، لأن هذا يورث الحزبية أو نوعاً من التحزب والتعصب، ويورث نوعاً من الولاء والبراء الضعيف، ويورث نوعاً من تفريق الأمة، فيأتي الآتي ويمتحن الناس: «أنت أشعري؟» قال: «نعم»، قال: «أنا أحبك وأنت حبيبي لأنك أشعري»، قال للآخر: «ما أنت؟» قال: «أنا لست بأشعري»، يبغض هذا الشخص لأنه لم يوافقه في التسمية، فصارت التسمية فتنة على الناس وتمزيقاً للأمة. ولهذا قال ابن تيمية: «على أن التسمية، على أن الانتساب إلى الأشعري بدأ». فهذا خلاصة هذا، بقي جماعة من الجهمية كما يقول، جماعة من علماء الشافعية الأوائل، وهذا الكلام موجود كاملاً في مبحث ربما يخرج بعد أيام إن شاء الله بعنوان: «موقف ابن قدامة أبي محمد ابن قدامة من أبي الحسن الأشعري والأشعرية وتحقيق ابن تيمية لهذه القضية»، كتاب يخرج بعد أيام في هذه المسألة. هذا خلاصة ما ذكر في هذا الكتاب: ابن قدامة يرى الأشعرية لم يرجع، وكذلك جماعة من أئمة السنة، ربما لم يصلهم رجوعه، وربما رأوا الكلام محتملاً. وعند هذا الموضع، وعند هذا الموضع نحتاج أن ننظر إلى أن مثل الأشعري كان يمر بمراحل، فلو أردنا أن نحمل ما في الإبانة على مرحلة ابن كلاب لا استطعنا إلى ذلك سبيلاً، ولو أردنا أن نحمله على عقيدة السلف فإن هذا هو الظاهر من الكلام، وهذا هو الإنصاف في مثل حال العلامة أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري رحمه الله تعالى وغفر له. الأشعرية المتأخرون، منهم من يميل إلى المعتزلة كالجويني، الجويني أقرب إلى المعتزلة منه إلى مذهب الأشعري. الأشعري يثبت الصفات الاختيارية وأصحابه المتقدمون كالباقلاني يثبتون الصفات الاختيارية وغيرها من الصفات كالاستواء والكلام، الذاتي يثبتون في مسائل كثيرة. أما المتأخرون فالغالب عليهم اتجههم، الغالب عليهم اتجههم، كما يقول الإمام الفقيه الشافعي ابن درباس الماراني في جزئه النافع «الرد على أبي الحسن الأشعري»، يذكر هذا ويذكره أيضاً جماعة من أهل العلم، تجدونهم في تلك الرسالة، كلامهم مصطوراً، تجدون كلامهم مصطوراً مذكوراً بحروفه في ذلك الموضع إن شاء الله وتعالى. يقول رحمه الله: «ونظراؤهم» أي أمثالهم. وفي هذا الزمان حدثني شيخنا صاحب الفضيلة الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان القصيمي وفقه الله عند قراءة هذا الكتاب عليه، قال لي: «ومن من يدخلون في كلام أبي محمد بن قدامة هذا الإخوان والتبليغ». هكذا قال لي، فقلت له: «أتعني بالإخوان جماعة الإخوان المسلمين؟» قال: «نعم، إن عند هؤلاء الإخوان المسلمين ولاء وبراء عظيماً شديدين، ولاء وبراء شديداً، إن وافقتهم رفعوك إلى أعلى السماء، وإن خالفتهم حاربوك بأشد العداء»، أو كما قال شيخنا وفقه الله. قال رحمه الله: «فهذه فرق الضلال وطوائف البدع، أعاذنا الله منها». قال رحمه الله: «وأما النسبة إلى إمام في فروع الدين كالطوائف الأربع فليس بمذموم». هذه المسألة من المسائل المهمة التي أوردها أبو محمد رحمه الله تعالى، فأحسن في إيرادها، وهي مسألة النسبة إلى أئمة السنة في باب فروع الدين، والمراد بفروع الدين المسائل الفقهية الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف، هذا مراده بفروع الدين: المسائل الفقهية الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف، والتي المجتهد فيها بين أجر وأجرين، فالمصيب فيها له أجر، فالمصيب فيها له أجران، والمخطئ فيها له أجر واحد. في هذه المسألة فمثل هذه المسائل العلماء الذين عُرفوا بالسنة كالإمام مالك بن أنس، والإمام أبي عبد الله الشافعي، والإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل، والإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت، فقد رجع في آخر عمره للسنة، مر بثلاثة أطوار كان آخرها السنة كما ذكر الخطيب وغيره، فهو من أئمة السنة، على أنهم يُقَدَّر في مسألة الإيمان والغلو في الرأي، لكنه من أهل السنة رحمه الله تعالى. هؤلاء الأئمة لهم طريقة في الفقه والفتوى، ولهم أصول في مذاهبهم، لهم أصول في مذاهبهم. فمن درس المذهب الحنفي وقال: «أنا حنفي» هذا لا بأس به، ومن درس المذهب المالكي فقال: «أنا مالكي» فهذا لا بأس به، ومن درس المذهب الشافعي فقال: «أنا شافعي» فهذا لا بأس به، ومن درس المذهب الحنبلي فقال: «أنا حنبلي» فلا بأس بذلك، بشرط أن لا يتعصب لذلك، ولا يجعله موضع ولاء وبراء، وأن لا يرد السنة والدليل بأقوال المذهب. فبهذا يصح له ويجوز الانتساب. أما أن يقول: «أنا شافعي»، فإذا قيل له: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة كذا»، قال: «أنا شافعي، إنما أتبع المذهب الشافعي»، قلنا: هذا انتساب مذموم، هذا غلط عظيم. أو يقال لصاحب المذهب الحنفي أو الحنبلي أو صاحب المذهب المالكي: «إن هذا الحديث ضعيف لا يصح ولا يثبت، قد رده الأئمة»، قال: «هذا مذهبنا لا نتركه»، سبحان الله، هذا نسأل الله العافية، فتنة عظيمة وضلال عن سواء السبيل. أقوال العلماء لا يجوز أن يرد بها كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. مسألة التمذهب من المسائل التي حصل فيها حق وباطل، وحصل فيها إحسان وإساءة، وحصل فيها خير وحصل فيها شر. ولهذا نحن في هذا الزمان نحتاج إلى الاعتدال في الأمور، فنأخذ الحسن ونأخذ الطيب ونترك الذميم ونترك البدعة والهوى، ونترك التعصب، ونترك البغي على المخالف، نترك البغي على المخالف. فمثل هذه أمور مذمومة. يقول الكرخي مثلاً: «كل آية تخالف قول أبي حنيفة فهي إما منسوخة وإما معولة، وكل حديث يخالف قول أبي حنيفة فهو إما لا يثبت أو منسوخ». هل هذا يجوز عند عاقل مسلم يعظم الكتاب والسنة؟ التعصب المذهبي من أسوأ السيئات، حتى وصل إلى احتراب وقتال بين قريتين وقرن، أفنى بعضهم بعضاً، والتاريخ مليء: قرية شافعية وقرية حنفية يقتتلان حتى يفني بعضهم بعضاً. هل هذا دين الإسلام؟ هل هذا دين الإسلام؟ معارك بين الحنابلة وبين الشافعية في بعض البلدان، هذا لا يجوز في دين الله، في حرم الله، إلى عهد الإمام العادل الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله تعالى: أربعة محاريب، أربعة جماعات، كل مذهب يصلي جماعة لحاله، كأننا في ملل ونحل، لسنا في مذاهب فقهية في مسالك اجتهادية. فتقوم الصلاة فيقال: هذه جماعة الحنفية يصلون، والشافعية جلوس، والمالكية جلوس، والحنابلة جلوس، لا يصلون معهم. هل هذا من الدين؟ هل هذا مما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هذا من مساوئ المذهبية، هذا من أعظم مساوئ المذهبية. وإذا أنكر ذلك عالم من العلماء وأنكر التعصب مثل الإمام الشوكاني، صبوا عليه جام الغضب، حتى يأتي بعض الأتراك المتعصبين فيقول: «أم الشوكاني يهودية»، سبحان الله، انتقلنا من الخلاف العلمي إلى مثل هذا المستوى في الأخلاق، حتى يأتي هذا الجركسي فيقول: «أم الشوكاني يهودية»، وهو عالم مجتهد من العلماء. المذهبية للأسف لها مساوئ عظيمة، ولها حسنات جليلة، فأين من يأخذ الحسنات ويترك السيئات؟ أين من يأخذ المعروف ويترك المنكر؟ أين هؤلاء؟ المستفتي إذا سأل كما يقول العلماء في كتب أدب الفتوى كإمام بن الصلاح وكذلك الصيرم الحنفي وغيرهم، يسأل عن قول الله وحكم الله، يسأل عن حكم الله ورسوله في المسألة: «ما حكم الله بهذه المسألة؟» المفتون، المفتون يجب أن يكون المفتي مجتهداً، يجب أن يكون المفتي مجتهداً، يرجع إلى الدلائل في المسائل، لا يعتمد على أنه قال فلان وقال فلان، هذا ليس بعلم وحده يؤهله إلى الفتوى. ولهذا يجب على كثير من الناس أن يأخذ المذهب بدليله، لا أن يأخذ المذهب من غير الدليل. نحن عندنا هنا شافعية، فنأخذ المذهب بالدليل، بالدليل. أما أن يؤتى إلى بعض الناس فيقال له: «في هذه المسائل ما دليلك على هذه المسألة؟» فيفتح فاه وتظهر أسنانه ولهاته لأنه لا يدري، أي علم هذا؟ فضلاً عما إذا نوقش فقيل له: «هذا مذهب الشافعية لكن الحنابلة قالوا كذا واستدلوا بكذا، وردوا هذا الدليل فقالوا كذا»، فإنه لا يحسن الجواب. وهذه المسألة شكى منها إمام مجتهد من علماء الأمة المجتهدين وهو أبو عمر ابن عبد البر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله»، قال: «هذا مما يؤسف له» في المجلد الأول، قال: «يؤتى فيقال: هذا يخالفه دليل كذا، فلا يحسن الجواب، فأي علم هذا؟ أي علم هذا؟» قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء»، وكذلك قال غير ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن المقلد ليس معدوداً في أهل العلم». الذي يأخذ متن أبي شجاع ويقرأه، أو يأخذ متن من متون المذهب عندنا، أو مذهب الحنابلة، أو مذهب المالكية كمختصر خليل مثلاً وهو عمدة المذهب عندهم، أو مختصر القدوري عند الحنفية أو نحوها، فيقول: «المذهب كذا والقول كذا»، هذا مقلد، لأنه لا يعلم الدليل ولا يعلم التأصيل في المسائل، فكيف يكون على قوله تعويل وهو لا يعلم الدليل ولا يعلم التأصيل في هذه المسائل، ولا يعلم الخلاف فيها؟ المذهب نفسها لمن درسها فيها خلاف. مذهب الشافعية فيه مدرسة العراق وهي أقوى المدارس، فيها أبو حامد الإسفراييني وأبو إسحاق الشيرازي، وفيها أبو الحسن الكيا الهراسي، وفيها جماعة، ومن المتأخرين أبو إسحاق الشيرازي صاحب المهذب. هناك مدرسة خراسان، وهناك مدارس أخرى، هذه المدارس فيها خلاف. الآن تجد بعض الناس يفتح كتاباً من كتب المذهب الشافعي يجد فيه للمذهب في المسألة قولان، بل ثلاثة، وربما أربعة أقوال. كيف رجحت بينها يا عبد الله؟ من أين لك أن هذا المذهب الرابع هو مذهب الشافعية؟ وعلماً بأن هناك من كبار أئمة الشافعية أصحاب الوجوه المعتبرين ذكروا ثلاثة مذاهب أخر. فلابد من الاجتهاد، لابد من الاجتهاد والبحث والنظر والتحري، وأخذ المسألة بدليلها. غالب الشافعية اليوم أتباع لابن حجر، عندنا هنا في جهات حضرموت وما حولها أتباع لابن حجر الهيتمي، وفي مصر أتباع للرملي. طيب، إذا اختلف الرملي وابن حجر، ما الدليل على أن قول ابن حجر أولى من قول الرملي؟ ما الدليل؟ وما الدليل على تقديم قول الرملي على قول ابن حجر؟ نبئوني بعلم إن كنتم صادقين، ما الدليل على هذا؟ بأي حجة يرجح هذا على هذا؟ ويعجبني أحد فقهاء حضرموت، وقال له باعش: ألف كتاباً أنا ما وقفت عليه، اسمه «قرة العين في المحاكمة بين الإمامين»،