الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 1، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
افتتح الشيخ الدرس بالحمد والثناء على الله لنعمة وجود مراكز العلم، وشكر القائمين على الدار والشيخ عبد الله بن مرعي. ثم قدم للناظم أبي إسحاق الإلبيري وقصيدته الشهيرة التي نظمها وصية لابنه أبي بكر في الحث على مكارم الأخلاق وطلب العلم النافع.
استعرض المقطع ترجمة مختصرة للإمام أبي إسحاق الإلبيري، تلميذ ابن أبي زمنين، مشيداً بعقيدته السلفية وزهده وغرته على الدين. ثم شرع في شرح الأبيات الافتتاحية للقصيدة الزهدية مبيناً معنى "الفت" في اللغة العربية كضعف القوى ووهنها.
شرح المقطع معنى البيت الذي يصف كيف تُضعف الأيام وتُنحت جسم الإنسان كنحت الخشب، مستشهداً بآية قرآنية تبيّن مراحل الضعف والقوة. وحث على استغلال الوقت في العلم النافع والعمل الصالح، مبيناً أن حفظ مثل هذه المنظومات من أسباب الخير.
اختتم المتحدث كلامه بالدعاء لله تعالى بالتوفيق للهداية والإعانة على رضاه. وصلى وسلم على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فإننا نحمد الله جل جلاله على ما يسره من أسباب الخير، فإن هذا من النعم العظيمة. فوجود مثل هذه المراكز والدور لا شك أنه من أعظم النعم التي ينعم الله بها على عباده؛ فإنها ينشر فيها العلم النافع، ويبصر فيها بالعمل الصالح، ويكون المرء فيها على تقوى من الله عز وجل في أموره وحياته. فينبغي شكر الله جل جلاله على هذه النعم في مثل هذا الزمان الذي قل فيه الخير وكثر فيه الشر، فهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى. فجزى الله خيراً من أسس مثل هذا الخير أو أعان عليه أو ساهم فيه أو غير ذلك، فهذا عمل من أصلح الأعمال التي يكتب الله بها الأجر للإنسان والثواب العظيم في الدنيا وحسن الجزاء عند الله عز وجل. وأشكر من بدأ في هذه الدروس المكثفة إن شاء الله تعالى صاحب الفضيلة الشيخ أبا عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله تعالى، فهو متسبب بل هو سبب هذا الخير، ويكتب في حسناته مثل هذه المجالس وغيرها. وكذلك أشكر المشايخ القائمين على هذه الدار الطيبة في تعاونهم ونشرهم للخير وللسنة ولدعوة التوحيد، فإن هذا فضل عظيم منهم، ومن ذلك إتاحة الأوقات تواضعاً منهم وإعانة على الخير، جزاهم الله خيراً وأحسن الله لهم الأجر والمثوبة. وحسب ما هو معلن فالبدء سيكون بقصيدة العلامة أبي إسحاق إبراهيم بن مسعود الإلبيري. هذه القصيدة مشهورة عند أهل العلم حتى إنه لا يذكر الإلبيري إلا وتذكر تائيته، ولا تذكر التائية التي مطلعها: «تفت فؤادك الأيام فت وتنحت جسمك الساعات نحت» إلا وذكر أبو إسحاق الإلبيري القرطبي، وهذا وهذا مقترنان. أما عن الناظم فهو العلامة الزاهد أبو إسحاق إبراهيم بن مسعود الإلبيري. وإلبيره بالتاء أو بالهاء، والمحدثون إذا قالوا بالهاء يعنون التاء المربوطة. ولعله يمر بنا في كتاب الباعث فيقولون بالهاء، لا يعنون أنه بدون النقط، وإنما يعنون أنه ليس بالتاء المفتوحة، إنما هو بالتاء بالهاء أي التاء المربوطة. فهو من بلدة ومدينة في الأندلس تسمى إلبيرة، إلبيرة هكذا اسمها، وهي من مدن بلاد قرطبة. هذا الإمام عاش في القرن الخامس الهجري، أي قبل زماننا بألف عام، ونحن اليوم بعد مضي ألف سنة نقرأ تلك النصيحة العظيمة الغراء التي كتبها لولده أبي بكر على المشهور. فالقصيدة كتبها لابنه أبي بكر، هذا هو المشهور وهو اللائق بالأبيات. وبعض المشايخ ربما نازع في ذلك وقال إنها ليست لابنه، والذي ذكره المترجمون والذي ذكره بعض من صنف في تاريخ الأندلس وغيرهم وهو المشهور اليوم أن هذه القصيدة كتبها هذا العالم الزاهد وصية لابنه أبي بكر في الحث على مكارم الأخلاق واغتنام الأوقات في العلم النافع والحرص على ما ينفع الإنسان في هذه الحياة. نصائح أغلى من الذهب وأثمن من نفيس الجواهر والدرر، لمن عرف قدرها وفهم معناها، يعرف ما فيها من عظيم النصح والتوجيه الحسن. والعلماء آباء لتلاميذهم من حيث المعنى، العلماء آباء لتلاميذهم من حيث المعنى، فهذه أبوة معنوية، أبوة معنوية. هذا أيضاً مذكور في كتب أهل العلم، لكن الأظهر أن هذه القصيدة إنما كتبت لأب نسبي هو والد هذا الطالب والتلميذ الذي اسمه وسماه أو كناه بالأصح أبا بكر، ويناديه فيقول: «أبا بكر دعوتك لو أجبت إلى ما فيه حظك لو عقلت» الأبيات. فهذه القصائد القصد من قراءتها أن نعلم أدب السلف وأخلاقهم ونقف على نصائحهم، فهذا من توفيق الله عز وجل لا سيما في هذا الزمان، ولهذا أحببت أن أبدأ مثل هذه المجالس بشيء من الآداب التي لا يستغني عنها أحد. كان الأوائل يعظمون شأن الأدب غاية التعظيم، ربما يرحل الراحل كما يقول بعض المحدثون، بعض المحدثين: «العام والعامين في أدب نفسه يتعلم الأدب عامة الفتن» كما تقدم في المجال السابق في العام الماضي من أصل الخلل فيها بترك أصل الأدب، سواء أدب التلاميذ مع العلماء أو أدب الطلاب فيما بينهم البين، فإن لهذا على هذا حقوقاً ذكرها أهل العلم، فيحصل الخلل وتحصل الفتن، نسأل الله العافية والسلامة. فهذه القصائد الزهدية والتي تحتوي على الإشادة بشأن الأدب والحرص على العلم والحرص على العمل، قراءتها في زماننا هذا تكاد أن تكون من الأمور المتعينة؛ لأن الخلل الناشئ عنها خلل عظيم، خلل خطير جداً وعظيم جداً. الإمام العلامة الزاهد أبو إسحاق الإلبيري، ترجمه قليل من العلماء، منهم الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام له ترجمة لكنها قصيرة. هذا العالم هو أحد تلاميذ الإمام العلامة ابن أبي زمنين بفتح الميم وكسر النون الأولى. هذا العالم أحد علماء السنة وأحد أئمة السلف الذين صنفوا فيها، له كتاب اسمه أصول السنة لابن أبي زمنين بفتح الميم وكسر النون. أبو إسحاق الإلبيري هو تلميذه، ولهذا فأبو إسحاق الإلبيري مشهود له بحسن المعتقد وأنه كان سلفي العقيدة على عقيدة السلف الصالح رحمه الله. له أبيات في العلو والاستواء ونحوه على عقيدة السلف رحمه الله، وكان غيوراً على دين الله عز وجل. جرى أن والي قرطبة، والي غرناطة، ولا رجلاً يهودياً ولاه وكان نائبه، فغضب الإمام أبو إسحاق الإلبيري وكتب قصيدة مشهورة: «ألا قل صنهاجة أجمعين» إلى آخرها، قصيدة في ديوانه موجودة لعلها تبلغ الثمانين بيتاً. فقتلت صنهاجة وهي إحدى قبائل المغرب، وقيل وهذا القول قوي إنها حميرية، هكذا يقولون. شاهد أن الرجل صاحب غيرة وصاحب كلمة وصاحب نصيحة، رحمه الله رحمه الله وغفر له. توفي تقريباً ما بين في نحو سنة أربعمائة وستين أو قبلها، لم يضبط التاريخ الذي توفي فيه، ولهذا قلنا هو من علماء القرن الخامس، هو من علماء القرن الخامس. وصف بالزهد رحمه الله، وله ديوان مليء بالزهديات والنصائح، رحمهم الله تعالى جميعاً. يقول رحمه الله في أول هذه الأبيات: «تفت فؤادك الأيام فت وتنحت جسمك الساعات نحت». هكذا يفتتح رحمه الله بهذا البيت: «وتدعوك المنون دعاء صدق ألا يا صاحي أنت أريد» إلى آخرها. والفت معروف في لغة العرب، الفت معروف، تقول العرب: «فت في ساعدي» أي أضعفني وأوهن قواي. «فت هذا الأمر في ساعدي» أي أضعف قواي وأوهن قوتي. ويقال: «فت في عضده» أو «فت عضده» إذا أضعفه وهده وكسر قوته. هذا معنى الفت في لغة العرب. «تفت» أي تهدك وتكسرك وتضعفك وتوهنك، هذا معنى هذه الكلمة. معنى هذا البيت: أن الأيام تعمل فيك حتى تفنيك. هذا معنى البيت: «تفت فؤادك الأيام فت وتنحت جسمك الساعات نحت»، أي أن الأيام ومرورها يفنيك وينهيك ويضعفك. تجد الرجل في شبابه قوياً فإذا كهل ضعف، أضعف مما كان شاباً فتيا، فإذا شاخ ظهرت فيه علامات الضعف. والله عز وجل يقول: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾. ينتقل الإنسان في المراحل نزولاً يضعف، هذا شأن الحياة، هذا شأن الحياة. «تفت فؤادك الأيام فت وتنحت وتنحت وتنحت» كل ذلك جائز، الفعل «نحت» يجوز فيه الرفع بالضمة في الحاء المهملة والفتح والكسر، يمكن أن يكون من باب «ضارب يضرب» أو «علم يعلم» ممكن، أو «فتح يفتح»، لكن الأفصح الفتح، كلها صحيحة. «وتنحت جسمك الساعات نحت»، الأصل في معنى النحت هو التقشير، تقشير الخشب، هذا هو معنى النحت في لغة العرب، فيكون النحت في الأصل للأجسام الصلبة، هذا الأصل في معنى النحت. «وتنحت جسمك الساعات نحت»، فالشيء الصلب كالخشب يقشر بآلة النجار أو بشفراته وأدواته، هذا هو النحت، هذا هو النحت. هذا البيت يحتوي على تشبيه بليغ، فإنه شبه مرور الساعات بأدوات النجار التي يزيل بها قشر الخشب وينقص من ذلك الخشب بتلك الشفرات وتلك الأدوات، وشبه عمر الإنسان وحياته كأنها خشبة صلبة فهي ينقص منها شيئاً فشيئاً بتلك الشفرات الحادة التي تأخذ ذلك القشر. لكن الفرق أن النجار يصنع شيئاً جميلاً أو يصنع كرسياً أو يصنع طاولة أو يصنع شيئاً، لكن النحت للعمر معناه إفناؤه. فلا زالت تلك الساعات تقطع فيك وتنحتك وأنت جسم صلب حتى تفنيك وتنتهي تماماً، هذا معنى البيت. المقصود من مثل هذا البيت للناظم رحمه الله: ماذا صنعت في أيامك وساعاتك التي تمر بك وهي خزائن، إن شئت ملأتها بالخيرات، وإن شئت ضيعتها في المباحات، وإن شئت أو بقت نفسك في المعاصي والخطيئات. اختر لنفسك إذا كان العمر يمضي ولا بد وأنت في نزول، كما قال الحسن أو غيره: «يا ابن آدم إنما أنت أيام، كلما مضى منك يوم مضى بعضك». «تفت فؤادك الأيام فت وتنحت جسمك الساعات نحت»، المقصود: ماذا صنعت فيها في تلك الساعات وتلك الليالي المظلمات وتلك الأيام الخوالي؟ هل طلبت فيها علماً نافعاً؟ هل استغللت فيها وقتك يوم كنت شاباً قوياً وفتاً فتيا؟ ماذا عملت في عمرك؟ كان بعض السلف يقول: «يوم لا أستفيد فيه فائدة ليس من عمري». «يوم لا أستفيد فيه فائدة» أي علمية ولا أزداد فيه علماً، فهذا ليس من عمري، هكذا قال بعض السلف: «ليس من عمري». «تفت فؤادك الأيام فت وتنحت جسمك الساعات نحت». كان العلماء يحفظون هذه المنظومات حفظاً متقناً لسلاستها وحلاوتها وطلاوتها وجزالتها وحسن النصح فيها، يحفظونها، فتجد الصغيرة قد حفظها وتجد الشيخة الكبيرة قد حفظها أيضاً، هكذا كانوا رحمة الله عليهم. قال: وأزالوا إلى اليوم، كثير من طلاب العلم يحفظونها، فأحث إخواني على حفظها، ينبغي للإنسان العاقل وطالب العلم أن يحفظ مثلها، فإنها من أسباب الخير، من أسباب الخير. فأسأل الله جل جلاله أن يوفقنا لهداه ويعيننا على رضاه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.