الدرس في شرح كتاب الطهارة 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل الشيخ شرح كتاب الطهارة بحديث عمر بن الخطاب «إنما الأعمال بالنيات» مبيناً مكانته وأنه مدار الإسلام، ثم يفصل معاني النية لغوياً وشرعياً موضحاً أنها عزم القلب تقرباً إلى الله والفاصل بين المؤمن والمنافق. وتعد النية شرطاً لصحة العبادات دون العادات والمعاملات.
يبيّن المقطع الفرق بين نية المنافق الدنيوية ونية المؤمن المراقبة لله، موضحاً مرتبتين للنية: تمييز العبادة عن العبادة وتمييز العبادة عن العادة. كما يشرح حديث الهجرة لغةً وشرعاً نافياً اختصاصه بقصة أم قيس ومؤكداً أنه للتنبيه على حسن القصد.
يشترط المقطع النية والإخلاص لقبول العبادات والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم لصحة العمل، مبيناً بطلاب العقود الفاسدة والبدع. ثم ينتقل لحكم الطهارة للصلاة مستدلاً بالحديث والآية، مخصصاً وجوب الوضوء عند حدوث الحدث فقط.
يؤكد المحاضر حجية أخبار الآحاد في العقائد والأحكام بإجماع السلف، مستدلاً بحديث «ويل للأعقاب من النار» على وجوب غسل القدمين لا مسحهما. ويجيب على أسئلة حول الفرق بين الهم والنية وتفاصيل الوضوء مقرراً إجماع الأئمة على العمل بخبر الواحد الصحيح.
يتناول المقطع الإجماع على حجية الخبر الصحيح آحاداً كان أو متواتراً، ويؤكد وجوب إسباغ الوضوء على جميع الأعضاء. كما يرشد إلى الدعاء بالزوجة الصالحة مع الاستخارة، ويجيب عن أحكام الوضوء عند الموانع ناصحاً المبتدئين بكتب فقهية مختصرة.
والحمد لله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الشيخ الحافظ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الأحكام"، كتاب الطهارة: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات». وفي رواية: «بالنية، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه». وفي رواية: «بالنية، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كان...» والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين ورب الطيبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سيد ولد آدم أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فنلحظ أن الإمام المقدّم صدر كتابه "عمدة الأحكام" بكتاب الطهارة، وصدر كتاب الطهارة بحديث عمر هذا: «إنما الأعمال». فالكتاب: الكتاب مصدر كتبه يكتب كتبًا وكتابًا وكتابه، فمدار المادة فيه على الجمع. فيقال: تكتب القوم على كذا، أي اجتمعوا عليه، وكتيبة الجيش: الجماعة منه، وسُمّي الكتاب كتابًا لما يجمعه من الكلمات والحروف. والطهارة في اللغة معناها: النزاهة والنظافة، وشرعًا: رفع الحدث وزوال الخبث. وتنقسم الطهارة إلى قسمين: طهارة حسية، وهي رفع الحدث الأصغر بالوضوء، ورفع الحدث الأكبر بالغسل، وطهارة معنوية، ويقال: باطنية، وهي إزالة ما يقع في القلوب من أدران، وتطهير القلوب من هذه الأدران بما يصلحها من الإعجاب... ويقع في القلوب ما يقع في القلوب من أدران، وتطهير القلوب من هذه الأدران بما يصلحها من سلامة المعتقد، وحسن الضغينة، سلامة القصد. وليس البحث هنا في هذه الطهارة، وإنما البحث في القسم الأول الذي هو الطهارة الحسية. وها هنا تنبيه إلى أمرين: الأمر الأول: في بدء المصنف رحمه الله كتابه هذا بكتاب الطهارة، فالذي يظهر لي من هذا التصرف أمران: أحدهما: التنبيه إلى أن الطهارة الحسية على ما تقدم شرط في صحة الصلاة، وهذا سيظهر لنا من الحديث الثاني من أحاديث الباب وما بعده، إذ هي في الوضوء، وإن لم يبين المصنف على ذلك. والأمر الثاني: التنبيه إلى حسن القصد في الطلب، فإن طلب العبادات... والعبادات والعبادات كلها من شرطها الإخلاص، الإخلاص لله فيها. وأما كون المصنف رحمه الله يصدر كتابه هذا بهذا الحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، الذي يظهر لي أمور: الأمر الأول: عظم شأن هذا الحديث عند أئمة الإسلام، قال فيه الإمام أحمد رحمه الله: هو أحد أحاديث أربعة عليها مدار الإسلام، وذكرها: أحدها هذا الحديث، وثانيها حديث عائشة: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، متفق عليه من حديثها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». الأمر الثاني: التنبيه بتصدير كتاب الطهارة خاصة و"عمدة الأحكام" عامة، التنبيه لأن جميع العبادات يشترط فيها النية، جميع العبادات يشترط فيها النية، وأما العادات والمعاملات فليست النية شرطًا فيها. وثمة أمر آخر: وهو ما صنعه البخاري رحمه الله في صحيحه، فإن البخاري رحمه الله صدر صحيحه بهذا الحديث، وختمه بحديث أبي هريرة: «كلمتان ثقيلتان في الميزان» إلى آخره، وكل الحديثين غريب. فحديث الباب لم يروه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا عمر، والحديث الآخر حديث أبي هريرة لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبو هريرة. وهذا تنبيه من الإمام البخاري رحمه الله إلى أنه لا يشترط في صحة الحديث أن يكون عزيزًا، بل يجب قبول الحديث إذا صح به النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كان غريبًا أو عزيزًا أو مشهورًا. التنبيه من البخاري رحمه الله إلى أن القول إن أخبار الآحاد مفيدة للظن أو غير ذلك من التفاصيل التي ليس هنا ذكرها، فما ردها إلى المصطلح. والمقصود أن المصنف رحمه الله حين صدر كتابه "عمدة الأحكام" بهذا الحديث لعله يريد هذه المقاصد أو كلها. وقد جرت عادة أثَر من الأئمة، أئمة الحديث وأئمة الفقه الذين يصنفون في الأحكام الشرعية، أن يصدروا كتبهم بهذا الحديث، تنبيهًا إلى عظم شأنه، وإلى ما تضمنه من الفقه العظيم، ومنه وجوب حسن النية، واشتراط النية في العبادات، وأن العبادات التي يتقرب بها إلى الله عز وجل، سواء كانت قولية أو بدنية، لا بد فيها من النية. فإذا تقرر هذا، فالكلام أولاً على كلمات الحديث، وليست كل الكلمات، بل جرت عادتنا الاختصار... أو الاقتصار على بعض الكلمات التي نرى أنه لا بد من شرح وبيان معناها. أولًا: قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». هذا المركب الثلاثي: «إنما الأعمال بالنيات». فالكلمة الأولى: «إنما»، فإنما أداة حصر، والحصر هو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه. والأعمال: وهي الكلمة الثانية في هذا المركب الثلاثي، جمع عمل، وهو كل ما يتقرب إلى الله به من قول أو فعل. فإن أعمال الجوارح والأقوال أعمال اللسان. الكلمة الثالثة: «بالنيات» أو «بالنية». فالنيات: لاحظوها، لها ثلاثة معاني: لغوي، وعرفي، وشرعي. فالمعنى الأول: ما هو أجيب اللغوي؟ ولا تقولوا: اللغوي، خطأ. اللغوي من اللغو، قولوا: لغوي، نسبة إلى اللغة. فالنية في اللغة: القصد، يقال: نوى الشيء يَنويه إذا قصده. والمعنى العرفي: عزم القلب على فعل الشيء، أو تركه. هذا معنى المفعولات. وأما المعنى الثالث: وهو المعنى الشرعي، فتفطنوا: عزم القلب على فعل الشيء أو تركه، ما الزيادة؟ تقربًا إلى الله. فالنية إذًا هي معنى في المفعولات والمتركات، وإن شئتم فقولوا: هي معنى في المأمورات والمنهيات. فمن المأمورات العملية: الصلوات الخمس، والصيام، والحج، والزكاة. ومن المتركات: شرب الخمر، فيجب على المرء أن يستصحب النية في هذا، فهو يفعل ما يفعله من المأمورات تقربًا إلى الله، ويدع المنهيات كذلك تقربًا إلى الله. وهذا يا قلاب العلم وطالباته من الحاضرين والمستمعين، إبراز الشبكة هو الحد الفاصل والمميز بين المؤمن والمنافق. فالقدر العرفي، المعنى العرفي، هذا قدر مشترك. فالمنافق يعزم على فعل الصلاة والزكاة والصيام والحج كما تعزم أنت أيها المؤمن، ذلك يعزم على ترك المنهيات كالخمر والزنا والسرقة. لكن ما الحد الفاصل؟ يعني: ما العلامة الفارقة بين المؤمن والمنافق؟ حددوها: المؤمن يستصحب التقرب إلى الله بفعل المأمورات وترك المنهيات، وأما المنافق فلا يستصحب ذلك، لماذا؟ لأنه كافر في الباطل. فكم من منافق يصل إلى جنب المؤمن في الصف الأول، لكن المؤمن ما الذي حفزه وما الذي نَزَهُه على أن يخرج من بيته إلى المسجد؟ نية التقرب إلى الله عز وجل. وأما المنافق فلا، له مقاصد دنيوية: منها الرياء، ومنها درء الفضيحة عن نفسه حتى لا يقال: فلان ابن فلان من آل فلان لا يصلي في المسجد، يا عيب ما يصلي في المسجد، هذا عيب كبير. أما المؤمن فلا، ما عليه من الناس، هو يراقب الله سبحانه وتعالى، ولهذا فإنه يتقرب إلى الله عز وجل بفعل المأمورات وترك المنهيات امتثالًا. هذا الذي حفزه ونَزَهُه إلى ذلك. هذا الوجه الأول بالنسبة للنية. الوجه الثاني: اعلموا أيها المسلمون والمسلمات أن النية لها مرتبتان: إحداهما في تمييز العبادة عن العبادة، والأخرى في تمييز... وإن شئت فقل: في الفرق بين العبادة والعادة. فأحيانًا تشتبه العبادة بالعبادة، وأحيانًا تشتبه العبادة بالعادة، والفيصل ما هو؟ النية. أنا ذكرت لكم مرتبتين للنية: إحداهما ما هي؟ في الفرق بين العبادة والعبادة. ما مثال ذلك؟ مثال ذلك: من رآه الناس متوضئًا تقطر أعضاؤه ماءً، ثم دخل وصلى في المسجد ركعتين، فعمله هذا له احتمالات عدة: يحتمل أنه كان جالسًا في المسجد ثم خرج وتوضأ وصلى ركعتي الوضوء، ويحتمل أنه دخل المسجد لتوه وصلى ركعتي الوضوء، ويحتمل أنه أراد أن يصلي فرض الصبح في المسجد قضاءً لأن عمله هذا بعد طلوع الشمس. فكم احتمالًا لعمله هذا؟ ثلاثة احتمالات. ما الذي يحدد لنا عمله هذا؟ نيته. نيته هي التي تحدد ذلك، أما نحن فلا ندري. المرتبة الثانية: قلت لكم ما هي؟ في الفرق بين العادة والعبادة. فلو رأيت إنسانًا يسيل الماء ويغشيه بدنه من رأسه إلى رجليه، أليس هذا غسلًا؟ هذا غسل، لكن هذا الغسل يحتمل أنه غسل الجمعة إذا رأيته في يوم الجمعة وهو غسل مستحب، ويحتمل أنه رفع حدث، ويحتمل أنه جاء من ماله أو من السوق فمن شدة العرق اغتسل للتبرد. إذا غسله هذا إما تعبد وإما تبرج، إما أنه اغتسل غسل تعبد وإما أنه اغتسل غسل تبرج، فله احتمالان، أليس كذلك؟ ما الذي يحدد هذا؟ يحدد هذا النية. نيته هي التي تحدد ذلك. فالله أعلم ماذا نوى. هذه أهم الكلمات التي نرى أن شرحها... قوله صلى الله عليه وسلم: «وإنما لكل امرئ ما نوى». المعنى: كل إنسان له حسب نيته. «وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذه الجملة توكيدية لسابقتها، فقال أولاً: «إنما الأعمال بالنية»، ثم أكد ذلك بقوله: «وإنما لكل امرئ ما نوى». الجملة الثالثة: «فمن كانت هجرته، ومن كانت هجرته»... هذا تفصيل بعد إجمال، فكأن قائل قال: ما أثر ذلك؟ قال: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله». هذا مثال فيه التفصيل بعد الإجمال، وهذا فيه سر لطيف وهو من ضروب البديع في البلاغة، فإن النفس إذا طرقت بالإجمال تشوقت بعده إلى البيان، فإذا جاء البيان بعد الإجمال زاد المعنى فيها توكيدًا وقوة ووضوحًا. وهذا أسلوبه كثيرة: فمن الكتاب الكريم قوله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾، فالحاذق البصير يعلم من هذه الآيات أن الله عز وجل عظم شأن القارعة وهي القيامة لما فيه من قرع القلوب والأسماع بالنفخة الأولى ثم النفخة الثانية، لكن ما تفسير هذا؟ هذا الأمر الذي عظمه الله عز وجل في النفوس، فقال: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ إلى آخر السورة. فكأن سائلًا قال: يا رب، ما القارعة هذا الذي عظمت أمره حتى أستعد له وأعرف ما فيه؟ فجاء البيان من الله عز وجل. وهنا كأن قائل قال: كيف لكل امرئ ما نوى؟ فبين صلى الله عليه وسلم: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». والهجرة معناها في اللغة: الترك، يهجره إذا تركه وانفصل عنه، ويقال: فلا ننهجرنا، أي تركنا. وأما في الشرع فهي: الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وقد تكون انتقالًا من بلد كافر إلى بلد كافر أخف منه على أهل الإسلام، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين يوم كانوا بمكة إلى الحبشة، وهي بلد كافرة، لكن الأمر فيها أخف على المسلمين منه في مكة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «فإن فيها ملكًا لا يظلم أحد عنده» أو قال: «بجنابه»، وهو النجاشي، وقد أسلم بعد، فحسن إسلامه، رضي الله عنه ورحمه. والهجرة من الأعمال التعبدية التي يجب فيها حصول النية لله سبحانه وتعالى، فهي من القرب التي تشترط فيها النية. ونلحظ هنا أنه في المثال الأول... في المثال الأول وحد الضمير في الشرط والجواب. في المثال الأول وحد مرجع الضمير، أو وحد الضمير في الشرط والجواب. تأملوا: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله». فإن الجملة الشرطية... سلامة القصد، تنبه لسلامة القصد: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله». فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله قصدًا، فكذلك هجرته إلى الله ورسوله مآلًا، يعني أن له عظيم الأجر وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة. ثم لاحظوا الجملة الثانية: «وإلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها»... هاته الجواب يعني أن له عظيم الأجر... هل وحد أو خالف؟ هل وحد هنا مرجع الضمير أو خالف؟ فتح الله لنا ولكم أبواب رحمته الواسعة في الدنيا والآخرة. نريد أن نفتح الجواب شيئًا للمسألة، مسألة مدارسة. تأملوا: لو قال هكذا: «ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها»، هذا ماذا يسمى؟ توحيد بين الشرط والجواب، ولا لا؟ هذا يسمى توحيد الشرط والجواب، ليس كذلك. وإن شئت فقل: توحيد الجواب مع الشرط. لكن هل قال هذا نبينا صلى الله عليه وسلم؟ لا، بل خالف. لماذا؟ قال أهل العلم: تنبيهًا إلى حقارة شأن الدنيا وتفاهتها، ولهذا ما أجر إليه؟ وهنا تنبيه إلى أمر خاطئ ربما وجد في كثير من شروح هذا الحديث، وذلكم الأمر أنهم يجعلون سبب هذا الحديث قصة معروفة، وهي أن رجلًا خطب امرأة يقال لها أم قيس، فاشترطت عليه أن يهاجر معها إلى المدينة، فهاجر معها وتزوجها. قالوا: فهذه القصة سبب لهذا الحديث. والجواب: أولاً: ذكر الحافظ رحمه الله أن القصة صحيحة، القصة صحيحة، قصة ذلكم الرجل مع تلكم المرأة صحيحة، لكن لا يلزم أن تكون صحة القصة شرطًا في سببية هذا الحديث، في سببية هذا الحديث. هذا لا بد فيه من نص عن معصوم صلى الله عليه وسلم. فبان بهذا الحديث أنه لا... فبان بهذا التقرير أنه لا علاقة بين هذا الحديث وبين تلكم القصة، وإنما هذا الحديث هو تنبيه إلى حسن القصد وسلامة النية في العبادات. فبان بهذا التقرير الذي اجتهدنا فيه، وما توفيقنا وإياكم إلا بالله، أن من فقه الحديث ما يأتي: أولًا: عظم شأن هذا الحديث بما اشتمل عليه من أمور. ثانيًا: وجوب النية في العبادات والقرب التي يتقرب بها إلى الله عز وجل. ثالثًا: يقتضي فساد النية فساد العمل، وهذا... وما توفيقنا وإياكم إلا بالله. «إنما الأعمال بالنية» يعني: من حيث... رابعًا: التنبيه إلى الإخلاص وأنه شرط في كل ما يتقرب به إلى الله عز وجل. وهذا حديث الحصر في التنبيه فقط، وأما المتابعة، فشرط المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم جاء به أحاديث أخر صحيحة. وهذا أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أرَط المتابعة... أرَط المتابعة لرسول الله، فمن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». وفي رواية: «وفي رواية مسلم: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أرَط المتابعة لرسول الله، وما كان مردودًا فكأنه غير موجود». وهذا يقتضي فسادها، يقتضي فسادها وعدم الاعتداد بها. وإذا أضيف إلى المعاملة فإنه يقتضي إلغاءها وعدم نفوذها. فإذا قيل: يا مسلم، صلاتك هذه مردودة عليك... الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وأخي ما أتممت أركانها، ما أتممت ما أوجبه الله عليك لها، فهذا يقتضي أن صلاته تلك غير مقبولة عند الله عز وجل، فيجب عليه أن يعيدها، كما في الحديث الصحيح: «ارجع فصلِ». الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وأخي ما أتممت أركانها... عقدك هذا، عقدك هذا في التعامل، سواء كان بيعًا أو إجارة، مردود. ليش مردود يا أخي؟ قال: لأنك ما استكملت الشروط الواجبة لصحة العقد. عقدك هذا على ربا، أو على مجهول، أو على غرر، أو على أمر لا يقدر عليه. تبيعني سمكًا في الماء أو طائرًا في الهواء. ليش ترضون ماذا يا إخوان؟ أنتم تتعاقدون على هذه الصفقة ما شاء الله عليكم، سمك في الماء، طائر في الهواء. قال: بعتك. قال ثاني: اشتركت، أنا أبيعك. لا لا لا لا، هذا مردود. عملكم هذا ليش؟ لماذا؟ لأن من شروط البيع القدرة على تسليم السلعة. أنتم بعتم شيء مجهول، سمك في الماء، طائر في الهواء، أتقدرون على تسليمه؟ إذن عقدكم هذا مردود. إذا ما الذي يترتب على كلمة مردود؟ يترتب أن العقد فاسد، ملغي، لا ينفذ. يا جماعة الخير، أنا أخذت دراهم، والله أخذت دراهم بالدولارات الأمريكية. يقول: ما لنا شغل، دولارات أمريكية، جنيهات استرلينية، يورو، ما لنا شغل. هذا عقدكم، عقدكم هذا مردود، عقدكم هذه الصفقة مردودة عليكم لأن شرطها فاسد، أنتم عقدتم على شرط فاسد، فعقدكم هذا باطل، فاسد، ملغي. هذا إذا أحضرت... أحضرت السمك في ذلك الوقت تعرضه للبيع، يشتريه صاحبك هذا أو غيره، ما لنا شغل، تنتهى، ما يضر الله سبحانه وتعالى. على هذا الحديث: ما جاء بعده باطل، فاسد، ملغي. هذا إذا أحضرت... أحضرت السمك في ذلك الوقت... صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ. ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور». هذا أول حديث في باب الوضوء وسيأتي معنا الوضوء إن شاء الله تعالى. والحديث أفادنا حكمين: أحدهما بمنطوقه أو بمفهومه. فالم المنطوق: عدم قبول... عدم قبول الله عز وجل صلاة المحدث. فمن صلى محدثًا عالمًا عامدًا فصلاته باطلة، غير مقبولة عند الله عز وجل. وهذا دليل على أن رفع الحدث والطهارة منه شرط في صحة الصلاة. أنا قلت: عالمًا عامدًا، هذا شرط أساس، مؤاخذة لا تكون إلا على العلم والعمد، لا تكون إلا على العلم والعمد. فمن كان ناسيًا أو جاهلًا أو جاهلًا فلا مؤاخذة عليه، وهذا يأتي إن شاء الله في ثنايا شروحنا للدروس الأخرى بحول الله تعالى وقوته. هذا ما أفاده الحديث بمنطوقه. فماذا أفاد بمفهومه؟ أفاد بمفهومه أن الله يقبل صلاة من توضأ... هاتوا القيد، هاتوا الغاية: أن الله يقبل صلاة من توضأ حتى إيش؟ ها كلمتكم بالله، يا جماعة، عن مية البدوية: ها حتى إيش؟ حتى يحدث، ولا لا؟ أن الله يقبل صلاة من توضأ إلى متى؟ يعني طول الدهر؟ ها حتى ماذا يحدث؟ جميل. طيب. تأملوا، سأورد عليكم أمر، سأورد عليكم نص يتضمن أمرًا، وأهل السنة دائمًا مع النصوص، ليس كذلكم أهل السنة رجال ونساء، حتى صغار من عوائلنا وبناتنا ما شاء الله، هم حمد على السنة، اللهم لك الحمد، اللهم توفنا على ذلك بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. تأملوا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ الآية. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، سمعنا يا ربي، بماذا تأمرنا؟ ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. هذه ماذا تسمى هذه الآية؟ آية... إلى هنا ماذا تسمى؟ آية الوضوء، أليس كذلك؟ هذه آية الوضوء. ماذا تفهمون منها يا قلاب العلم وطالباته؟ ماذا تفهمون منها؟ هي صريحة الدلالة في أمر الله عز وجل عباده بالوضوء لكل صلاة، أليس كذلك؟ أنتم تأملتمها، ولا لا؟ ولا كان المقصور، ولا كان، ولا كان... تأملها مقصورًا على ذي اللحية البيضاء الذي على الكرسي؟ ها واضحة. قد يقول: من أين استفدت هذا؟ من أين استفدت أن الآية نص صريح في أمر الله عز وجل العباد بالوضوء لكل صلاة؟ من أين؟ نقول: من موصيغة العموم: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾. قمت ليل نهار: الفجر، الظهر، العصر، المغرب، العشاء، أنت مأمور بأن تتوضأ لكل صلاة، أليس كذلكم؟ وضحت إن شاء الله؟ إذن على التكرار... أنتقل الآن... لا ما أردته. طيب. فبان بها لكم يا طلبة وطالبات أن حديث الباب مقيد لإطلاق الآية ومخصص لعمومها. فلو كان الأمر مقصورًا على الآية وحدها لكان واجبًا على كل مسلم ومسلمة الوضوء إذا أرادوا الصلاة. فهمتم هذا؟ وأهل السنة مما من الله عليهم به أنهم يردون السنة بها. فحينما رددنا هذه الآية الكريمة المحكمة إلى الحديث الصحيح، حديث الباب، تبين لنا أن الوضوء لا يجب إلا على من أحدث فقط. وبهذا تعلمون أنه يسوغ للمسلم أن يصلي عدة صلوات بوضوء واحد، أن يصلي عدة صلوات بوضوء واحد حتى يحدث. نعم، بعد: «وعن عبد الله، وعن عبد الله بن عمر، وابن العاص، وأبي هريرة، وعائشة رضي الله عنهم، قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل للأعقاب من النار». أولًا: الكلام على ما نبه إليه المصنف وهو في الحديث رواية من حيث إسناده، والنكتة الإسنادية التي عرضها المصنف أن الحديث من الأحاديث المشهورة، وذلكم أنه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة من أصحابه: وهم عبد الله بن عمر، وابن العاص، وأبو هريرة، وعائشة رضي الله عنهم أجمعين. وأخبار الآحاد عندنا معشر السلفيين من قلاب العلم وطالباتها حجة مفيدة لوجوب العلم والعمل، سواء كانت في العقائد أو في الأحكام العملية، لا فرق بين هذا وهذا. وهذا كان مجمعًا عليه في عهد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفي القرون المفضلة كلها، بين الأئمة الأربعة، بين الأئمة الأربعة جميعهم وأتباعهم، حتى جاء ابن الملقم، فطرأ هذا التفريع، وقسم هذا التقسيم، ثم تبعه على ذلك علماء فضل عندهم ورع وتقوى وأمانة، لكن خفي عليهم ما ينطوي عليه هذا التقسيم، أنها تارة تفيد الظن وتارة تفيد العلم، إلى آخر هذا التفريع الذي ليس هذا مجال تفصيل فيه. فَنَصَّ ابن عمر قال: «تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرناها، وقد أرهقنا الصلاة، وفي بعضها صلاة العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل للأعقاب من النار»، يرفع بها صوته مرتين أو ثلاثة. روى البخاري رحمه الله على هذا اللفظ في كتاب العلم من صحيحه، قال: باب رفع الصوت في التعليم، أو عبارة نحوها. فبان بهذا وجوب غسل القدمين في الوضوء، لأنه لو كان الفرض المسح كما هو مذهب الرافضة، لم يحذر النبي صلى الله عليه وسلم هذا التحذير: «ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار». وأما رواية ابن عمر... وأما رواية عائشة فقد جاء عنها أنها قالت لأخيها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عن الجميع: «يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل للأعقاب من النار». وأما... وأما... فإنه كان يمر على الناس وهم يتوضؤون فيقول: «أسبغوا الوضوء، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ويل للأعقاب من النار». هذا انتهى الكلام على الحديث رواية، دراية، وكذلك تبعها الكلام عليه، الكلام على الحديث رواية ثم تبعها الكلام عليه دراية، وذلك بما بيناه من فقه وهو أن فرض الرجلين في الوضوء الغسل للمسلم. بقي أمر: وهو معنى بعض الكلمات. الكلمة الأولى: «ويل»، وهذه تستعمل للوعيد تارة، وتستعمل للزجر تارة، مثل «ويحك» في الزجر، وهنا هنا تحتمل الأمرين. والأعقاب: جمع عقب، وهي العراقيب، والعراقيب جمع عرقوب، وهو مؤخرة القدم، مؤخرة القدم قبل الكعب الذي يرتبط عبر عصبة في آخر الرجل، هذه العصبة هنا، هذه في آخر الرجل، فهذا... هذا العضل أو هذه العضلة هي عرقوب في الرجل. ونكمل بقية الكلام على باب الوضوء في درس الغد إن شاء الله تعالى، ولا أن نشتغل ببعض الأشياء، إياكم الله خيرًا، بارك الله فيكم، ونفع بما قلتم. يقول: حفظكم الله، هل هناك فرق بين النية والهم؟ وهل يوسف عليه الصلاة والسلام نوى فعل الزنا ثم بدا له عقاب الله... عقاب الله كيف؟ وهل يوسف عليه الصلاة والسلام... فالزنا ثم بدا له عقاب الله فترك؟ أفيدون، أحفظكم الله. الذي ظهر للفرق بين الهم والعزم... أو الهم والنية: نعم، الهم والنية، فالعزم أقوى في النفس، العزم أقوى، ولهذا فإن المرأة... يثاب إن هو عزم على فعل خير حال بينه وبينه حال، كما أنه يؤاخذ إن هو عزم على الشر ولكن لم يقدر عليه، يؤاخذ على هذا. عزم على الصلاة جماعة، أو عزم على الصيام، ولكن مرضه الشاق حال دون ذلك، فهو مثاب على هذه النية، مثاب على هذه النية. وآخر عزم على فعل سوء: قتل، سرقة، زنا، خمر، وحاول ولكنه لم يقدر، فهو مؤاخذ على هذا العزم. أما الهم فلا، الهم... أخذ الهم... أخذ... هذا جوابنا على الشطر الأول من السؤال. أما الشطر الثاني فأقول لكم أيها المسلمون والمسلمات: ارعوا مكانتهم وقدروهم قدرهم، ولا تتكلموا فيهم بمثل هذا. قفوا على ظاهر آية التنزيل الكريم: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ فقط، ولا تجوزوا على ذلك. نعم، يقول: حفظكم الله، جاء في رواية: «وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء»، فهل يستفاد كيف؟ يقول: جاء أبعد... أبعد... جاء في رواية اللفظ غير واضح، نتركها. «تلوح... تلوح، وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء»، هذا لا... يقول: قوله: «ونحن نمسح» لأن المسح لا أترى له، أقول: المسح لا أترى له. نعم، فإذا رددت ما ذكرته لك إلى هذه الرواية التي ذكرها السائل، بان أنه لا فرق بين الروايتين، المسح لا أترى له، فالذي يترك أثرًا ما هو الغسل، أما المسح فنعم. يقول: حفظكم الله، هل يشترط في العبادات التركية النية أم أنه البجاجة التركية؟ نعم، تشترط فيها النية تقربًا إلى... نحن عرفنا لكم النية شرعًا ما هي: عزم القلب على فعل الشيء أو تركه تقربًا إلى الله. نعم، يقول: ما الجمع بين قولكم عدم المسح على الرجلين مع عدم تقاطر الماء الذي صح عنه عليه الصلاة والسلام؟ ما فهمت، هو بشكل أبعد أن نبيع عنك شيئًا هو... فأي اللقطة تحسن، أعد أربع. نعم، يقول: ما الجمع بين قولكم عدم المسح على الرجلين مع الوضوء، مع عدم تقاطر الماء الذي صح عنه عليه الصلاة والسلام؟ أنا قلت: بان بهذا أن الواجب في القدمين هو الغسل، وليس المسح، وليس المسح. نعم، هل في تحديد الذكر من الأنثى والطفل في صلاة الجنازة أثر على النية؟ كيف في تحديد... في تحديد الذكر والأنثى في صلاة الجنازة كيف؟ تحديد الذكر والأنثى عندما يقول: الصلاة على الذكر، الصلاة على الرجل، الصلاة على... الصلاة على الأطفال، فإذا لم يعد... نعم، يعني تحديد الجنازة ما هي؟ نعم، هذا شائع بين أهل العلم القديم، ولعل حديث أبي هريرة: نعى النبي الصلاة النجاشي في يومه الذي مات فيه، نعى يعني أخبر بموته، تنبيه إلى هذا. ثم هذا التحديد فيه الدعاء للميت: إن كان رجلًا بضمير رجل: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتن بعده، اللهم نول عليه قبره وفسح له فيه»، وإن كانت مسلمة امرأة قيل: «اللهم اغفر لها، اللهم ارحمها» وهكذا. نعم، وإن كان من الأطفال يتعالى بمثل هذا الدعاء، وكذلك يدعى لوالديه بالرحمة. نعم، سل الله إليكم، يقول البعض: إن قول الجمهور في أخبار الآحاد أنها تفيد الظن إذا حفت بالقرائن يعني... نعم، يقول: أن أخبار الآحاد تفيد العلم إذا حفتها القرائن، هل هو قول صحيح؟ ذكرت لكم، بارك الله فيكم، أن المسألة مجمع عليها، يعني أن أخبار الآحاد مفيدة للعلم والعمل، أو موجبة للعلم والعمل، ما دامت صحيحة، لا بد من هذا القيد، ولم يكن فيها نزاع، لا في عهد الصحابة، ولا في عهد التابعين، ولا في عهد أتباع التابعين، ولم يكن هناك نزاع هنا. أزيد: لم يكن هناك نزاع من الأئمة الأربعة، ولا أتباعهم، ولا أهل القرون المفضلة، وإنما ذكرت لكم أن النزاع بدأ من متى؟ التفصيل هذا بدأ من ابن الملقم، وهذا أشعري، ابن الملقم، ثم تبعه بعد ذلك علماء فضل أخيار، انطلت عليهم هذا التقسيم، ولم يتفطنوا إلى نتيجة هذا التقسيم. فالإجماع منعقد على أن الخبر الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم موجب للعلم والعمل، سواء كان آحادًا أو متواترًا. وأزيدكم هنا شيئًا واحدًا: وهو أنه في أول الأمر ما كان... ما كان يعرف الناس هذا التقسيم، أن منه متواتر ومنه آحاد، بل المعروف عندهم: حديث صحيح، وحديث ضعيف، فالصحيح مقبول، والضعيف مردود. نعم، أحسن الله إليكم، يقول: ما هو حد الشيء اليسير الذي لا يضر الوضوء إذا ترك، الذي الذي لا يضر الوضوء إذا ترك؟ من أين هذا؟ من أين هذه القاعدة؟ الظاهر أنها قاعدة خاطئة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلي، وفي ظاهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره بالوضوء والصلاة. هذا الحديث خرجه أهل السنن عن عمرو بن معدان عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فهو دليل على إسباغ الوضوء على جميع الأعضاء، كما أنه دليل على أن الموالاة شرط في الوضوء، وكما يعبر بعض أهل العلم: فرض من فروض الوضوء. وفي رواية في حديث آخر أنه رأى رجلًا في ظاهر... في ظاهر قدمه لمعة قدر الأنملة، فأمره: «ارجع فأحسن وضوءك». فليس هناك شيء إذا ترك عفي عنه أبدًا. قال صلى الله عليه وسلم: «أسبغوا الوضوء». نعم، «أسبغوا الوضوء، وخللوا بين الأصابع، وبالغوا في الاستنشاق، إلا أن تكونوا صائمين». أخرجه أبو داود وغيره من حديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه، وهو حديث صحيح. أحسن الله إليكم، هذا شاب محتار ويسأل في مسألة خارج الدرس، يقول: أنا شاب مستقيم إن شاء الله، وأدعو الله أن يرزقني الزوجة الصالحة التي قلبي يهواها، ونحن نقول: آمين، آمين، آمين. يقول: فهل يجوز لي أن أقول في الدعاء: يا رب اجعل فلانة بنت فلان زوجة صالحة لي، أو ماذا أقول في الدعاء وأنا حيران في هذا الأمر؟ بارك الله فيكم. يا بني، ليس في الأمر ما يوجب الحيرة أبدًا، لكنك غاب عنك شيء وهو صالح. ونحن نعرض عليك أمرين، نرجو الله أن يذهب بهما حيرتك: الأمر الأول: سل الله الزوجة الصالحة، سواء فلانة أو علانة، ولا تحدد، قل: اللهم هب لي زوجة صالحة، واترك الأمر لله سبحانه وتعالى. الأمر الثاني: إذا عزمت... إذا عزمت على خطبة فلانة من الناس فاستخر. إذا عزمت فعليك بالاستخارة. نعم، ثم اترك الأمر... اترك الأمر لمن... لمن يعلم، لمن يعلم الأمر وهو صاحبه سبحانه وتعالى، فترك الأمر إليه، ترك الأمر إليه. أحسن الله إليكم، يقول: إذا رأيت جزءًا من الأعقاب بعد انتهاء الوضوء لم يمسه الماء، هل أكتفي بمسحه فقط، أم أعيد الوضوء؟ إن كنت رأيت ذلك فورًا فاغسله، وأما إذا كان رأيته بعد نشوف الأعضاء فأعد الوضوء كاملًا، وإياك والوسوسة. نعم، وهذا سؤال من جنسه، يقول: إذا صلى الشخص... سؤال من... من جنس الأول، نعم، يقول: إذا صلى الشخص وكان في قدمه طلاء ولم يره إلا بعد الصلاة، فما الحكم؟ في قدمه ماذا؟ طلاء، طلاء، طلاء، أي نعم، يعني يمنع وصول الماء إلى البشرة. أن يغسل هذا المانع ثم يعيد الوضوء والصلاة، لأنه من شرط الوضوء ما يمنع وصول الماء إلى البشرة. أحسن الله إليكم، سؤال نختم به إن شاء الله، يقول: أنا طالب مبتدئ، فبماذا تنصحوني أن أقرأ في كتب الفقه، حفظكم الله؟ إذا كنت من حضور هذا المركز فنصيحي أن تتصل بالشيخ عبد الله وإخوانه حتى يحدد لك ما يناسب مستواك. وإذا كنت من خارج هذا المركز وإنما قدمت للزيارة وحضور هذه الدورة التي نسأل الله أن يجعلها مباركة علينا وعليكم جميعًا، وأن يجزي الشيخ عبد الله وإخوانه الذين سقوها عنا خيرًا، فنحن ننصحك في أن تبدأ بـ "عمدة الفقه" أو "الدر البهية" للشوكاني، بالقدامة، أو "الدر الب