المحاضرة بعنوان بر الوالدين، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر الأربعاء ٧ شوال ١٤٣٤هـ ألقاها
استهل الشيخ محاضرته ببيان محورية التوحيد في سورة الإسراء التي تفتتح وتختتم بتحريم الشرك، موضحاً معنى "لا إله إلا الله" نفياً وإثباتاً ومقترناً بحق الوالدين. وأكد أن الإحسان للوالدين يأتي في القرآن مقروناً بحق الله تعالى دلالة على عظمته، محذراً من الرياء في العبادة.
استعرض المتحدث مشقة الحمل والوضع ورعاية الأبناء لتبيان عظمة حق الوالدين، مؤكداً أن الإحسان إليهما واجب فور عبادة الله مع النهي عن مجرد قول "أف". وحذر من سب الوالدين أو لعنهما، مستشهداً ببر أبي هريرة ومبشراً بأن جزاء البر بر الأبناء.
فصل الشيخ في آداب البر بخفض الجناح والقول الكريم محذراً من الانتهار وسوء الأدب، مبيناً أن الدعاء للوالدين علامة صلاح والعقوق نار في قلوبهما. وأنكر العادات المحدثة في العزاء كإقامة الولائم والقات، داعياً للصدقة الجارية بدلاً من التباهي، وناصحاً طالب العلم بضعف الهمة بالاقتداء بهدي النبوة.
وجه المتحدث نصائح بالصبر على طلب العلم وتلاوة القرآن حتى تزول المشقة، وأفتى بجواز ذبح الماشية المريضة اليائسة مع كراهة تركها. ونصح المسلمين المضطهدين في فرنسا بالتوبة ومراجعة النفس، مبيناً حكم أجر النائب في العمل بأنه يستحق أجراً مناسباً لا كامل المكسب.
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيا عباد الله: فكما قد أُعلِنَ وأُعلِنَ، فنحن بإذن الله في هذه الساعة المباركة مع كلمة ودية، ونصيحة هادفة تربوية، يلقيها على مسامعنا فضيلة الشيخ عبد العزيز بن يحيى البرعي، حفظه الله تعالى ورعاه. وهو فضيلته من كبار مشايخ أهل السنة والجماعة في اليمن، وممن له أيادٍ بيضاء في الساحة الدعوية: دعوةً وتعليمًا وخطابةً وتأليفًا. وكم نفع الله جل وعلا به، فكم دفع الله جل وعلا به الشبهات والفتن، ونفع الله جل وعلا به الأمم بما آتاه الله جل وعلا من علم وحكمة، ومن صبر وروية، ومعرفة بطرق المخالفين والمعرضين. وله كذلك، حفظه الله تعالى، مركز شامخ في مفرق حَيْبَان، يفد إليه الطلاب من كل حدب وصوب، يأخذون من معين علم الكتاب والسنة. فجزاه الله خير الجزاء. وإننا، إخواننا في الله، في هذه الدار - دار الحديث بالشِّحْر، القائم على أعمالها فضيلة شيخنا أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر مرعي، حفظه الله تعالى - نيابة عن إخواني نرحب بالشيخ أيما ترحيب، ونقول: الشيخ، حياك الله وبياك بين أهلك وإخوانك، وبين أبنائك وطلابك، حللت أهلًا ونزلت سهلًا، وطبت وطاب ممشاك. وحيا الله كذلك من جاء معك من إخوة كرام، ودعاة ومشايخ أفاضل أماجد، كأمثال الشيخ الفاضل عبد الرقيب العلابي، والشيخ أبي الحسين، وكذلك الشيخ عبد الوهاب. وحيا الله من جاء معه. ولا أطيل عليكم، إخواني في الله، فالمكان والمقام ضيق، وشيخنا على جناح سفر. فإن شاء الله كذلك نستأذن الشيخ بعرض بعض الأسئلة، إن كانت هناك أسئلة لإخواننا تطرح على شيخنا. وأيضًا لا أنسى، واستغل هذا المقام بالإعلان عن محاضرة للشيخين الفاضلين: الشيخ أبي الحسين، والشيخ عبد الوهاب، حفظهم الله تعالى، في هذا المسجد المبارك، وفي هذه الليلة المباركة. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. ولتُفْضِ شيخنا، رعاه الله. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: فنحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا هذه الزيارة لإخواننا في دار الحديث بالشِّحْر، ونسأل الله أن يبارك لنا في مجلسنا هذا، وأن يجعله شاهدًا لنا لا شاهدًا علينا. مما سمعنا من التلاوة في صلاتنا هذه - صلاة الفجر - قوله تعالى: ﴿ لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا ﴾ [الإسراء: 22]. و﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23]. ذكر الله عز وجل عدة قضايا في هذا السياق: بدأها بقوله: ﴿ لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا ﴾، ثم ذكر بر الوالدين والإحسان إليهما، وصلة الأقارب، وترك التبذير، وترك البخل والإسراف، وتحريم قتل الولد، وتحريم الزنا، وتحريم قتل النفس التي حرم الله، وتحريم مال اليتيم، وتحريم نقض العهود، وتحريم الخيانة في المكيال والميزان، وتحريم أن يقفو أو يتبع الإنسان ما لا علم له به، وتحريم العُجْب، وتحريم الخيلاء. ثم قال: ﴿ ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ۖ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا ﴾ [الإسراء: 39]. فبدأها بتحريم الشرك، وختمها بتحريم الشرك. والذي يجعل مع الله إلهًا آخر سيكون مذمومًا مخذولًا، وسيلقى في جهنم ملومًا مدحورًا. فالتوحيد يأتي في الأمور كلها: فاتحتها وخاتمتها، وفي أثنائها. فهذه المواعظ التي من الحكمة، بدأها الله بتحريم الشرك، وختمها بتحريم الشرك. ثم قال: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾. فالآية الأولى فيها النفي، وهذه الآية فيها الإثبات، وهذا هو المعنى الذي تحمله «لا إله إلا الله»: فلا إله نفي، وإلا الله إثبات. وهكذا: ﴿ لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ﴾ نفي، و﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾ إثبات. فجمع بين النفي والإثبات. «قضى» أي: حكم، ألا تعبدوا إلا إياه، سواء كانت العبادة بالدعاء، أو بالذبح، أو بالاستغفار، أو بأي نوع من أنواع العبادة، فلا تصرف العبادة إلا لله. لا تصرف العبادة إلا لله. وكذلك الأيمان من العبادة، لا يجوز أن يحلف إلا بالله. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت». فلا يجوز أن يحلف الإنسان بأبيه، ولا بحياة أبيه، ولا برأس القائد، ولا برأس ملك أو رئيس أو زعيم، ولا يحلف بشرفه، ولا بالشرف العسكري كما يفعل بعضهم، ولا يحلف بالأخوة فيقول: «والأخوة التي بيننا»، أو يأخذ لقمة من الطعام فيقول: «وهذا الزاد»، أو غير ذلك. كل هذا من الحلف بغير الله الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكذلك يحقق في نفسه - يحقق المسلم في نفسه - الإخلاص في كل عمل يعمله، فلا يجعل في نيته التفاتًا إلى غير الله جل وعلا. لا تحسن صلاتك، ولا تلاوتك، ولا تنوي في صيامك نظر الناس. بعض الناس ربما يصلي ركعتين، ويتوقع أن شخصًا ما ينظر إليه، فيظل يتكلف أن يراه ذلك الشخص، من أجل أن يمدحه بأنه حسن الصلاة. وربما التفت عليه بعد الصلاة وهو نائم نعسان، ما هو منتبه، خرب الشيطان عبادته فقط، خرب عبادته وعبث في صلاته. فلأجل هذا: أخلص لله عز وجل في جميع أمورك، في القليل والكثير. وينبغي للذي يرائي أن ينتبه لأمر مهم، وهو: أن هذا الشخص الذي ترائيه لا يملك جنة فيدخلك فيها، ولا يملك أن يبعد عنك عذاب الله عز وجل. ففيمَ المراءاة؟ الذي يرائي، يرائي الله، وينتظر نظر الله سبحانه وتعالى. ولا حول ولا قوة إلا بالله. ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾: أي، وقضى أن تحسنوا بالوالدين إحسانًا. والله عز وجل يقرن أو يذكر حق الوالدين بعد حقه سبحانه وتعالى، وتكرر هذا في عدة مواضع. فقال الله عز وجل في سورة البقرة: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [البقرة: 83]. وقال في سورة النساء: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [النساء: 36]. وقال في سورة الأنعام: ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الأنعام: 151]. وقال في سورة الإسراء في هذه الآية: ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23]. وقال في سورة لقمان: ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [لقمان: 14]. فهذه خمسة مواضع من كتاب الله، يذكر الله عز وجل حق الوالدين بعد حقه. لهذا نعلم أن حق الوالدين كبير. نعلم أن حقهما كبير. قال رجل لابن عمر، وقد كان هذا الرجل يطوف بأمه على ظهره حول البيت: «يا أبا عبد الرحمن، هل تراني جزيتها أو أديت حقها؟» قال: «لا، ولا بطلقة». والمراد بالطلقة: الصراخ الذي عند الولادة. لهذا كان حق الوالدين كبيرًا. بقيت في بطن أمك تسعة أشهر، وأنت تضجر لو زاد الأكل مجرد لقيمات زادت ضجرت منها. والإنسان في بطن أمه أثقل من اللقيمات التي يزيدها أحدنا فيستثقلها. إنسان داخل إنسان، حمل ثقيل. ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ﴾ [الأحقاف: 15]. حملت أمه هنا على وَهَنٍ. وأنت ترى الحوامل ما يحصل لهن من التعب، وما يحصل لهن من المرض، وتغير الأحوال عليهن بسبب الحمل. فاعرف حق أبيك، واعرف حق أمك. وهكذا ما يحصل للأم من التعب حال الولادة، وما يحصل للأب من التعب وهو يرعى الأم حال الولادة، وقبل الولادة، وبعد الولادة. وربما مستشفيات، وهنا وهناك. وبعدها الخدمة الكاملة لهذا الطفل، ويصبرون على ما يحصل منه. فربما يكونون - يكون الأبوان في أثناء الطعام وهو يقضي حاجته بجانب الطعام - فلا يتأففون ولا يتقذرون منه، يصبرون عليه. وهكذا بعض الناس، ربما يكبر أبوه إلى حد أنه يحتاج من يغسله وينظفه، فهو شاكر لنفسه أنه يخدم أباه. لكن فرق بينك وبين خدمة أبويك لك. كانوا يرعونك في صغرك لتكبر، وأنت ترعى أبويك ليموتوا راضين عنك. فرق في من ترعاه ليموت، وبين من ترعاه ليكبر ويشب ويتعافى. مهما كنت محسنًا، وتشكر على رعايتك لأبويك حال كبرهما، لكن فرق بين رعايتك لهم، ورعايتهم لك. وترى الأمة تسهر لينام الابن، وتتعب ليستريح، وتجوع ليشبع، صدرها له سقاء، وحجرها له وقاء. وهكذا الأب يضرب في الأرض من بلد إلى بلد، ما الذي أوصلك إلى بلد كذا؟ قال: أكتسب لزوجتي وأولادي، عندي أولاد، عندي كذا. هذا التعب من الأبوين ليس بالهين، هذا تعب كبير ومشقة بالغة، وهم في رعاية هذا الابن: كسوه، وأطعموه، وسقوه، وحافظوا عليه، حافظوا عليه حتى من الشمس والغبار، وهم يرعونه حال يقظته وحال منامه. وتعب من أجله، أي ما تعب. ربما مرض الابن، والأب ليس عنده مال، ربما باع عزيزًا عليه من ذهب المرأة، أو من غير ذلك من المتاع، من أجل أن يعالج ابنه. من أجل هذا عظم الله عز وجل حق الأبوين، عظم الله حق الأبوين، وجعل الإحسان إليهما بعد عبادة الله جل وعلا. فأمر الله عز وجل بالإحسان إليهما، والإحسان كلمة جامعة واسعة. الإحسان كلمة واسعة: تحسن إليه في القول، وفي الفعل، وتحسن إليه بالبذل والعطاء. لا تستكثر على أبيك شيئًا، لا تستكثر على أبيك شيئًا مهما أعطيته، مهما أنفقت عليه، مهما أطعمته وكسوته، ما دمت أنك لا تشتري له حرامًا. أنت لا تشتري له شيئًا حرامًا، فأنفق عليه مما أحل الله عز وجل، وسيخلف الله عليك بأكثر، ويجعل ما أنفقت في ميزان حسناتك، ورفعة في درجاتك، ويرزقك الله في المستقبل بر أبنائك كما بررت أبويك. ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ [الإسراء: 23]. ليس معنى هذا أنه إذا كان الأبوان غير كبيرين يجوز أن تقول لهم ذلك. لا، لا يجوز، لا في حال كبر الأبوين، ولا في حال قوتهما. وإنما المراد: أن الأب والأم عندما يكونان قويين، ربما أخذ أحدهم العصا وضرب الابن، أو صرخ عليه، أو حصل... القصد: أن هناك قوة تردع الابن. لكن إذا كان الأب والأم كبيرين، فربما زال الخوف من الابن، وأصبح غير مبالٍ بهما، وأصبح يرى نفسه آمنًا من أن تمتد يد أبيه أو يد أمه عليه. فلأجل هذا كان التنبيه على حال الكبر، لوجود الضعف، واحتياجهما إلى العناية أكثر، وإلى أن يرفق بهما رفقًا بالغًا أكثر من الرفق الذي كان حال قوتهما. وكلمة «أف» بمعنى: أتضجر. فلا يجوز أن تقول لهم «أف»، فما فوقها. ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من لعن والديه. فالصحابة استغربوا، ما علموا أن الرجل يلعن أبويه، ما علموا ذلك في حال الإسلام، ولا قبل الإسلام. كانوا في الجاهلية يتباهون ببر الآباء. كانوا في الجاهلية، وكان العرب يتباهون ببر الآباء. عندما قال عبد الله بن أبي بن سلول، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غزوة تبوك: «لا يخرجن الأعز منها الأذل» يعني المدينة. ذهب عبد الله بن عبد الله بن سلول - يعني أن الأب منافق، والابن صحابي جليل رضي الله عنه - وقد بلغه شيء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فذهب فقال: «يا رسول الله، بلغني أنك تريد أن تقتل أبي، ولقد علمت العرب أنني من أبرها بأبيها، فإن كنت تريد قتله فمرني أنا أن أقتله، فإني أخاف إن رأيت قاتل أبي أن لا أصبر، فأقتل مسلمًا بكافر». فقال: «أخبره أنه ما يريد قتله». فلما رجعوا إلى المدينة، سبق عبد الله بن عبد الله إلى باب المدينة، فعندما جاء أبوه يريد أن يدخل، قال: «والله لا تدخل حتى يدخل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنت الأذل، والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأعز». الشاهد: قوله: «ولقد علمت العرب أنني من أبرها بأبيها». فاستغرب الصحابة أن يسمعوا هذا الكلام من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حين قال: «لعن الله من لعن والديه». قالوا: «يا رسول الله، أيلعن الرجل والديه؟» قال: «نعم، يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه». يعني: يتسبب فقط في سب أبيه، ويتسبب فقط في سب أمه. فكيف إذا كان من الناس الآن من يلعن أباه وأمه صراحة وجهًا لوجه، والعياذ بالله؟ فهذا أشد وأنكى، وهذا آخذ للعنة ببابها الواسع. في هذا السياق: «لعن الله من لعن والديه». فلأجل هذا، كما سمعتم، التحريم لكلمة «أف» فما فوقها. فلا تقل لهما «أف»، ولا تنهرهما، وقل لهما قولًا كريمًا. القول الكريم: كأن تقول: «أحسن الله إليك يا أبي، بارك الله فيك، جزاك الله خيرًا، غفر الله لك، شكر الله لك، ماذا تريد؟ ماذا أفعل؟ خذ، بارك الله فيك، كل، جزاك الله خيرًا، جعل الله ما أكلته عافية لك». عبارات جميلة تدل على أنك تحترم أباك، وتحترم أمك. كان أبو هريرة إذا ذهب لأمه وهي في مزرعة في الوادي، يصيح: «السلام عليك يا أمه ورحمة الله وبركاته، جزاك الله خيرًا كما رحمك الله، كما ربيتني صغيرًا». قالت: «وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، وأنت جزاك الله خيرًا كما بررتني كبيرًا». هكذا الكلمات التي يشعر الأب فيها أنه أب، وتشعر الأم فيها أنها أم. والجزاء من جنس العمل. إذا كان الابن برًا، يسر الله له ببر أولاده. وإذا كان الابن عاقًا، ابتلاه الله بعقوق أولاده، والعياذ بالله. قال: ﴿ فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾. الانتهار: الانتهار يحصل من بعض الشباب الذين تسممت أفكارهم فكريًا، وابتلوا بجلساء السوء. فربما يقول: «يا أبي، إيش دخلك أنت؟ ما تفهم، أسكت». عندما واحد يطلب منك كلام، تكلم، ولا يريد ساكت: «نحن أعرف منك بهذا الكلام، أنت ما تدري»، ونحو ذلك. وربما أمام الناس، والعياذ بالله. سوء أدب، وجرأة على مقام الأبوين، أنه يخاطبه بهذه العبارات القاسية، العبارات البغيضة، الكريهة. حتى لو سمعت من أبيك عبارة ليست صوابًا، قل له: «جزاك الله خير يا أبي، استرح، أنا أكفيك، أنا أكفيك، استرح». أسلوب هذا تصل إلى نتيجتك بدون هذا الأسلوب اليابس، الأسلوب الكريه، البغيض. نعم. ﴿ فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 23-24]. ما واحد يفرز عضلاته على أبيه، ويظهر رجولته على أبيه وأمه. كن ذليلًا بين يدي أبيك، حتى لو غضب ومد يده لضربك. نعم، بعض الأولاد وهم رجال، من الله عليهم ببر آبائهم، يتحمس عليه أبوه ليضربه، فيأتي بعض الحاضرين يفرّقون بينه وبين أبيه، يكفّون عنه، يقول: «لا، دعوا أبي يفعل ما يشاء حتى تطيب نفسه». يستحي الأب، يتركه يمشي. نعم، هذا بارك الله فيكم عمل جليل، سيجد ثمرته غدًا في بر أبنائه إن شاء الله. نعم، ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾، ﴿ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾. فيدعو الإنسان لأبويه، سواء كان حيين أو كان ميتين. ويعتبر الدعاء للآباء والأمهات علامة على صلاح الابن. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو ولد صالح يدعو له». فلأجل هذا، معشر الإخوة، ينبغي أن ندعو لآبائنا أحياء أو أموات، ولا تنسهم من الدعاء في كل يوم. وأنت تدعو لأبويك، وإذا كان ابنك يسمعك تدعو لأبويك، فإنه يأخذ منك الدروس ليدعو لك في المستقبل. وإذا سمعك تذم أبويك، فإنه يأخذ منك الدروس ليذمك في المستقبل. من جميل ما يُحكى: أن رجلًا في هذا العصر - العصر الذي أفسد كثيرًا من الأبناء على آبائهم وأمهاتهم - رأى أباه كبيرًا في السن، أراد أن يأخذه إلى دار العجزة ويستريح منه. القضية: رسوم معينة يدفعها، وهم يقومون بخدمته، ويستريح من أبيه. فقال لابنه: «ائتني ببطانية، نأخذ أباك إلى دار الرعاية». فالحفيد استنكر ذلك، فذهب وأتى بالبطانية، وأتى بالسكين. قال له: «لماذا؟» قال: «نقسم البطانية قسمين». قال له: «لا، دعها كلها لجدك». ظن أنه يريد أن يعطيه نصف بطانية. قال: «لا، نصفها له، ونصفها لك حين تكبر. نصفها له، ونصفها لك حين تكبر». يعني يقول: «أنا سأأخذك دار العجزة في المستقبل». فعلم الرجل أن هذا درس من ابنه له، فكف عن هذا العمل. فلأجل هذا، بارك الله فيكم، يأخذ الأبناء دروسهم في البر والعقوق من آبائهم. وكما أنت اليوم مع أبيك وأمك، ستكون غدًا عند أبنائك. والعقوق نار ولوعة في قلوب الآباء والأمهات. لا يظن الابن الذي يسيء إلى أبيه وأمه أنه عمل عملًا سهلًا. العمل كبير، وخطير، ومزعج جدًا. ربما لو تتجمع حارة كاملة، أو قرية بكاملها، على الإساءة إلى الرجل، لا تكون بمقدار إساءة ابنه إليه في نفسه. ﴿ وَظُلْمُ ذَوِي الْقُرْبَىٰ أَشَدُّ مَضَاضَةً عَلَى النَّفْسِ مِنْ وَقْعِ الْحُسَامِ الْمُهَنَّدِ ﴾. ذكر الألباني، عليه رحمة الله، في «الإرواء» عند حديث: «أنت ومالك لأبيك» - «أنت ومالك لأبيك» في رواية ضعيفة - أبيات أدرجها بعض الضعفاء، وجعلها سببًا للحديث. لكن الأبيات فيها عبرة، ويكون قد نظمها أحد الذين ابتلوا بعقوق أولادهم: غذوتك مولودًا وعلتك يا فتى *** تعل بما أحني عليك وتنهل إذا ليلة طافتك بالسقم لم أبت *** لسقمك إلا ساهرًا أتم الملو كأني أنا المطروق دونك بالذي *** طرقت به دوني، فعيناي تهمل تخاف الردى نفسي عليك وإنها *** لتعلم أن الموت وقت مؤجل فلما بلغت السن والغاية التي *** إليها مدى ما فيك كنت أؤمل جعلت جزائي غلظة وفضاضة *** كأنك أنت المنعم المتفضل فليتك إذ لم ترعى حق أبوتي *** فعلت ما الجار المجاور يفعل نسأل الله عز وجل أن يرزقنا بر آبائنا، وبر أبنائنا بنا، إنه جواد كريم. والحمد لله رب العالمين. يقول: في بعض المناطق اليمنية، إذا مات الميت، يقيمون بعده الولائم والذبائح، ومدة العزاء ثلاثة أيام، ومطاوع القات والدخان. خيرًا إن شاء الله. قالوا: إذا أمكن أن يؤلف في ذلك كتاب... هناك فتاوى كثيرة لأهل العلم موجودة في كتبهم، في فتاوى الشيخ ابن باز وغيره. على كل حال، هذا من الأمور المحدثة. وكان الموتى على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فما كان يفعل ذلك، ولا أمر الصحابة أن يفعلوه. وتعزية الميت مطلوبة. فمن وجده في المسجد عزاه، أو في المقبرة، أو في الشارع، أو في أي مكان. المهم أنه يشجعه على احتمال مصيبته التي نزلت عليه. ﴿ تَعَزَّ ﴾: تصبر. فالتعزية: تصبير للميت - تصبير لأهل الميت - ويشعر أن إخوانه من حوله يواسونه بالكلمات الطيبة، حال أفراحه وأحزانه. فهذا مطلوب. لكن الاجتماع في بيت الميت، وإقامة الولائم والذبائح، والقات والدخان، وغير ذلك، هذا من المنكرات، ومن البدع المحدثات. لا يسلم الإنسان من الغرامة - من التكلفة - ولا يؤجر. وإذا كان حريصًا على أن يتصدق عن أبيه، فقيمة هذه الغرامة والخسارة يشتري بها مصاحف ويوزعها على بيوت الله، يوزعها على بيوت الله. فهذا هو الذي يوصل الأجر لأبيه بإذن الله. يجعلها صدقة لأبيه، يظل الأجر يصل إليه إلى أن تتقطع المصاحف وتتلف وتنتهي، ولا يقرأ فيها. أو أنه يبني له مسجدًا إن كان قادرًا، أو يفرش مسجدًا، أو ميكروفونات المسجد، أو يعالج مريضًا، أو يزوج أعزب، أو يحج أو يعتمر عنه، أو غير ذلك من الصالحات. الأعمال الصالحة كثيرة. هذا هو الذي ننصح به، ونترك المباهاة. لأن المباهاة تخرج العمل إلى الرياء، تخرج العمل إلى الرياء. يتباهون أن مأتمهم أكبر من مأتم بني فلان، وأن المخيم الذي أنشأوه أكبر من مخيم بني فلان، إلى غير ذلك من الأمور التي تدل على سخافة العقول. سُئل: ما نصيحتكم لطالب العلم الذي يشعر بضعف الهمة في طلب العلم؟ يحصل مثل هذا. الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة. فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد ضل» أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم. هذه - أو هذا الضعف الذي تشكوه - يحتاج أن تعالج نفسك. تعالج نفسك: أخط خطوات، اجعل لك مسائل تبحثها، واذهب وابحثها في المكتبة. إذا ضجرت، صبر نفسك. وبعد أن يأتيك الضجر ويشتد عليك، وصبرت له، اذهب وريح نفسك. اليوم الثاني: ما ستجد الضجر. وإذا وجدته في اليوم الثاني، ما ستجده في الثالث. وبعدها ستجد حلاوة الفوائد التي تستفيدها، وتنتهي مشكلتك. وهكذا في تلاوة القرآن: ربما تأتي إلى قراءة القرآن فتضجر على مدى نصف جزء. اصبر إلى جزء، وستجد أنك قد ضجرت جدًا. اليوم الثاني: تقرأ، ما تضجر على نصف جزء، تضجر على جزء، وتشعر كأنك تفكك ما يشبه الحديد شيئًا فشيئًا. ضجرت على جزء، وصل إلى جزئين. اليوم الثالث: ما ستضجر على جزء، ربما تضجر على جزء ونصف أو جزئين. ما هو إلا أسبوع، وإذا بك مستعد أن تقرأ عشر أجزاء في مجلس واحد، وترتاح لذلك. نسأل الله لنا ولك الإعانة. سُئل: إذا كانت عندنا ماشية مريضة يئس منها، هل يجوز أذبحها وأرميها؟ لا أعلم مانعًا. ولو تركتها حتى يختار الله لها ما يشاء، أحسن. وتركها أحب إلينا حتى يقضي الله لها ما يشاء. سُئل: يكثر في فرنسا في هذه الأيام الاعتداء على مسلمين من قبل الكفار، وخاصة على النساء المتحجبات، فما نصحتكم؟ ننصحهم أن يتقوا الله عز وجل، وأن يتركوا المعاصي والآثام، وأن يعيدوا النظر في أنفسهم: ما الذي حصل منهم من الذنوب؟ فالله يقول: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾ [الطلاق: 2]. فبعض المسلمين مفرط، عنده معاصي، فيعاقبه الله بتسليط الكفار عليه. الله عز وجل يبتلي الناس بعضهم ببعض. قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة: 49]. فهو بلاء من الله. ابتلاهم الله بفرعون، وإخواننا ابتلاهم الله بالفرنسيين. لهذا: عليكم بتقوى الله، وقوة العزيمة، وسيفرج الله عز وجل عنكم. سيفرج الله عز وجل عنكم. وإذا اشتد الحال، فانتقلوا إلى بلد آخر، بغير نية الهجرة، ليسهل عليكم الرجوع إذا تغيرت الأحوال وتحسنت. وأرجو إذا صدق الإنسان مع الله أن يفرج الله عنه. وكم يؤاخذ الصالحون بذنب إخوانهم العصاة. قال الله عز وجل: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ﴾ [الأنفال: 25]. يعني: ما تكون المصيبة خاصة بمن يستحقها، بل تعم، ويحصل بلاء كثير، وشر عريض. ولا حول ولا قوة إلا بالله. فليحذر المسلم على نفسه من المعاصي، فإنها هي السبب في ذلك كله. مسلم يبيع الخمر، الخنزير. مسلم يربط علاقات مع زملائه الكفار. مسلم ربما يشرب الخمر. مسلم ربما يجلس في موائد تدار فيها الخمر. وهكذا إلى غير ذلك. مسلم عنده دش، من قناة إلى قناة، وينظر إلى خلاعة والمجون. ماذا ينتظر؟ ثم يتألم أن يحصل له مثل هذا. أعيدوا النظر في أنفسكم. سُئل: رجل يعمل مع مجموعة من إخوانه، وذات يوم غاب، وكل شخص مكان، وكل شخص مكان، ووكل شخصًا مكان، ولم يتفق معه على المبلغ الذي سيعطيه مقابل عمله مكان هذا اليوم. ثم كسبوا مكسبًا عظيمًا. فهل يعطيه كل ما كسبه، أم يعطيه أقل من ذلك؟ يعطيه أقل من ذلك. لأن العمل في الحقيقة لهذا الرجل، وهذا إنما هو نائب عنه، نائب فقط. نعم، الذي له عمل وظيفة: كم بذل من جهد حتى حصل على هذه الوظيفة؟ كم خسر من أموال؟ كم من معاملات؟ كم من كذا؟ وهذا ما جاء إلا يومًا واحدًا. يعطيه شيئًا الذي تطيب به نفسه. إلهنا. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر