التعليق على منظومة الزمزمي  36

التعليق على منظومة الزمزمي 36

الدرس في التعليق على منظومة الزمزمي 36، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في الترادف ووجوده في اللغة العربية

يناقش مفهوم الترادف في اللغة العربية وآراء العلماء حول وجوده، حيث يُعرَّف الترادف على أنه اتحاد المعنى وتعدد اللفظ. يتناول آراء العلماء المختلفة حول هذه القضية.

تفاصيل الترادف وأسماء المتكافئة

يتناول شرحًا لمفهوم الأسماء المتكافئة الذي قدمه شيخ الإسلام لوصف الألفاظ التي تتحد في الدلالة على الذات وتختلف في الصفات، مع ذكر أمثلة من أسماء الله الحسنى وأسماء الرسول وأسماء القيامة.

أمثلة تطبيقية على الترادف في القرآن

يتناول أمثلة على الألفاظ المترادفة في القرآن مثل الإنسان والبشر، والبحر واليم، والعذاب والرجس والجزء، مع شرح آراء العلماء حول هذه الألفاظ.

خاتمة والإشارة إلى الإعجاز اللغوي

يشير إلى جانب من جوانب إعجاز اللغة العربية ويختتم بالصلاة على النبي محمد والإشارة إلى علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الخامس المترادف من ذاك ما قد جاءك الإنسان وبشر في محكم القرآن، والبحر واليم كذا العذاب رجس ورجز جاء يا أواب. قال رحمه الله تعالى: الخامس، أي هذا من المباحث التابعة للألفاظ، المترادف، وهو مبحث خاص. والترادف في اللغة بمعنى التتابع، وكلمة الترادف مأخوذة من الرديف، وهو ركوب اثنين على دابة واحدة. وأما اصطلاحا، إذا فهمنا هذا المأخذ اللغوي والاشتقاق، سيتضح معنى المعنى الاصطلاحي. فقد فسره العلماء بقولهم: هو اتحاد المعنى وتعدد اللفظ، بمعنى أن عندي عدة ألفاظ، لفظة ولفظة ثانية، وقد يكون أكثر، وكلها تقول إلى معنى واحد. هذا بخلاف المشترك، وهو أن تأتي إلى لفظة واحدة تطلق على عدة معان. فالمشترك عكس الترادف تماما، فالترادف هو عدة ألفاظ يعود إلى معنى واحد، تقول: يسمى بكذا، ويسمى بكذا، ويسمى بكذا، عدة ألفاظ ومؤداها إلى أمر واحد، هذا يسمى مترادفا. قال رحمه الله تعالى: الخامس المترادف، إذن علينا أن نعرف ما هو الترادف. مثاله: تقول الأسد والليث، رأيت أسدا، رأيت ليثا، رأيت غضنفرا، رأيت قسورة، فكلها تعود إلى هذا الحيوان، تسمى بهذا الاسم، بذاك الاسم، كلما تعبر به تعود إلى معنى واحد. فهذه أسماء مترادفة، تترك كله على مركوب واحد كالرديف، عدة أشخاص على مركوب واحد، فهي عدة ألفاظ على معنى واحد. وكذلك يدخل في باب الأفعال: قعد وجلس، أقعد اجلس، مؤداها واحد إلى هذه الهيئة، هيئة الانبطاح على الأرض والاتكاء عليها. قال رحمه الله تعالى: والترادف موجود في اللغة، العالم في الحروف، في الأسماء، الليث والأسد، في الأفعال قعد وجلس، وهكذا في الحروف يكون عندي ترادف، مثل إلى وحتى تفيد الغاية، تقول: جلست في المسجد إلى الفجر، جلست في المسجد حتى الفجر، إلى الفجر، حتى الفجر، إلى بمعنى حتى، بمعنى الغاية. فالذي أثبت الترادف أثبته في جميع الكلمات العربية من الأسماء والأفعال والحروف. بعد هذا المنحى، نأتي إلى مسألة: هل الترادف موجود في اللغة؟ هل الأسماء التي مؤداها إلى معنى واحد تتعدد الألفاظ والمعنى واحد؟ هذه مسألة وقع فيها خلاف. ذهب الأول إلى وجود الترادف، قالوا: الترادف موجود في اللغة العربية، وموجود كذلك في القرآن، بدليل الواقع والمشاهدة. وسيمثل النظم رحمه الله تعالى ببعض الكلمات التي هي من قبيل الترادف. قال: ومن ثم ينبغي أن نبهي لأمر، التنبيه الأول: أن نعلم أن الترادف هو على خلاف الأصل. الأصل التباين، كل لفظة إنما وضعت لمعنى معين تتعلق به ولا تجاوز لغيره. فعندما نقول بالترادف، هذا خروج عن الأصل. الأمر الثاني: أنه مع القول بالترادف، فهو قليل، بل قليل جدا. حتى من يقول بالترادف يقول: إن هذه الطريقة من طريقة الألفاظ أن تجد كلمات عدة تختلف في ألفاظها وتتفق في معنى واحد، هذا قليل. المذهب الثاني: مذهب من رفض هذا، من منع وجود الترادف، وقال: ما عندنا ترادف في اللغة، وأن كل من زعم أن كلمة من الكلمات هي من قبيل الترادف لابد من وجود فرق. وممن ذهب إلى هذا المذهب أبي هلال العسكري رحمه الله تعالى. قال: وجماعة من أهل العلم، إلى أن هذا لا يوجد، أن الترادف لا يوجد. وكما قلنا: لبعضهم قال: إن هذا خلاف الأصل، وهذا خلاف الأصل، والأصل أن الكلمة لها معنى ومغزى يتعلق به لا يزاحمه آخر. قال: وبعض العلماء أتى بأمر، قال: النزاع الذي بين المذهب الأول، من يقول بوجود الترادف، ومن يقول بإنكار الترادف، الخلاف بينهم لفظي. هناك مرحلة وسط، هي كلمات لا هي من قبيل الترادف ولا هي من قبيل التباين، وهذا الذي سماها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بالأسماء المتكافئة. قال: الأسماء المتكافئة هي التي اتحدت في الدلالة على الذات واختلفت في الصفات، هي الكلمات التي اتحدت في الدلالة على الذات واختلفت في دلالتها على الصفات. مثاله: ما يتعلق باسم الباري سبحانه وتعالى، أسماء الله الحسنى، الرحمن الرحيم العليم، هذه أسماء الله الحسنى. لو سألت سؤالا: هذه الكلمات الثلاثة هل هي من الكلمات المترادفة؟ أي كلها تضم بشيء واحد؟ أم أن أسماء مختلفة كل يرمز لشيء؟ فأنت لربما إذا نظرت من جهة تقول: هذه الأسماء واحدة، فأنا بإمكاني أقول: يا الله، أو أقول: يا رحمن، أو أقول: يا رحيم، أو أقول: يا عليم، كلها تؤدي مؤدى واحد. هذا يحن محل هذا، فأرى أسماء مترادفة كلها تدل إلى معنى واحد على ذات الرب سبحانه وتعالى. لكن شخص آخر يقول: لا، أخي، ما أراها مترادفة، أراها متباينة، الرحمن الرحيم تدل على صفة الرحمة، العليم تدل على صفة العلم، والرحمة شيء والعلم شيء ثاني. قال: فهذه الأسماء سميها شيخ الإسلام بالأسماء المتكافئة، هي أسماء من جهة مترادفة، ومن جهة مختلفة. أين الترادف؟ الترادف في الذات، ترادفها في الذات. وأين التباين؟ في الصفات. قال: وكذلك أسماء القرآن، ومثل أيضا بأسماء الرسول عليه الصلاة والسلام، محمد وأحمد والحاشر، وكذلك من أسمائه الماحي والعاقب، فهذه من أسماء الرسول. فهل هي كلها مترادفة أم متباينة؟ تقول: في الدلالة على الذات هي واحدة، كلها تدل على رسول الله. وإن جئت من حيث الدلالة على الصفات، كل تميز بالصفة، هذا فيه الصفة ليست في ذاك، وهذا فيه الصفة ليست في ذاك، فهي من جهة متحدة إذا نظرت من حيث الدلالة على الذات، وهكذا أسماء القيامة: الصاخة، الحاقة، الغاشية، القيامة، الواقعة، هل هذه أسماء مترادفة أم متباينة؟ قال: هي أسماء متكافئة، بمعنى أنها تدل على ذات واحدة، وفيها من الصفات الاختلاف البين. فهذا شيخ الإسلام يجعله بالأسماء المتكافئة. أما ابن القيم رحمه الله تعالى جعل هذا النوع قسم ثاني من أنواع الترادف. قال: فالحاصل، أخوانا في الله، هذه مذاهب العلماء. لكن على قول من يقول بالترادف، هذا قليل، وقليل جدا. شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: فإن الترادف في اللغة قليل، وأما في ألفاظ القرآن فإما نادر وإما معدوم. قال: وقل أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه، بل يكون فيه تقريب لمعناه. هذا الحاصل هو تقريب لمعناه. إذا قيل لك أن الشيء الفلاني هذا بمعنى هذا، كلمة بمعنى كلمة، احمل هذا أن هذا من باب التقريب. قال: الخامس الترادف، المترادف، إذن علمنا ما هو المترادف. المترادف هو أن يتحد المعنى ويختلف اللفظ، أن تأتي بعدة ألفاظ لمؤدى واحد. قال رحمه الله تعالى: الخامس المترادف من ذاك ما قد جاءك الإنسان وبشر في محكم القرآن. من ذاك، أي من الترادف، ما قد جاء، ما هنا اسم موصول بمعنى الذي، الذي قد جاء، جاء بمعنى ثبت. الإنسان وبشر، أي مما يذكر من الترادف من الأسماء المترادفة، كلمة إنسان وكلمة بشر، كلمة إنسان على ماذا تطلق؟ على هذا المخلوق، وكلمة بشر هي نفسها تطلق على هذا المخلوق. قال: في محكم القرآن، أي هذا جاء في القرآن، وهذا على قول من يقول بوجود الترادف، بدليل أن الله سبحانه وتعالى ذكر البشر وذكر كذلك الإنسان. أما البشر كما في قول تعالى: ﴿ما هذا بشرا﴾، والإنسان في قول تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾. قال: فقال: الإنسان والبشر من الألفاظ المترادفة الذي جاء به القرآن. وإلا هذا عمده من يقول بالترادف. لكن الذي أنكر الترادف يقول: لا، ما عندي ترادف، الإنسان شيء والبشر شيء ثاني. قال: الإنسان إنما أطلق على الإنسان لكون ماذا؟ أبتلي بظاهرة النسيان فيه، وما سمي الإنسان إنسانا إلا لكثرة النسيان. وأما البشر سمي البشر بشرا لماذا؟ لظهور البشرة، لظهور البشرة. بخلاف الكائنات الحية، الكائنات الحية في العوالم الثانية إما أن يعلوها ريش، يعلوها شعر كالحيوانات، يعلوها، تجد البشرة داخلية. لكن بني آدم ماذا؟ البشرة ظاهرة، فسمي بشرا. فقالوا: أصحاب الذي أتوا بالفوارق يقولون: لا، ما عندي إنسان وبشر، عندي إنسان شيء والبشر شيء ثاني، الإنسان ظهرت في صفة النسيان، والبشر أطلق عليه بشر لظهور صفة البشرة. قال: ولهذا جاء مذهب الوسط يقول: ما في إشكال، هذه الإنسان والبشر من الأسماء المتكافية، فهي تدل على جوهر واحد وهو بني آدم، ومن حيث الصفات تختلف. قال: والبحر واليم، أي هذا عطف، عطف ما على البيت السابق، كالإنسان، إنه مجرور. قال: والبحر واليم كذلك مما جاء من الترادف، البحر واليم، ما معنى البحر؟ هو هذا البحر، وما معنى اليم؟ بمعنى البحر. إذن البحر واليم من باب الترادف، ألفاظ اختلفت في لفظها واتفقت في معنى واحد. قال: كذا العذاب رجس وجزء، رجز بالسين، ورجز بالزاي، جاء يا أواب، أي كذلك من الألفاظ المترادفة، ما هي؟ ثلاثة ألفاظ كلها تنصرف في أمر واحد، عندك العذاب، وعندك الرجز، وعندك الرجس، كلها تصب ماذا؟ على عذاب الله. كل هذه الألفاظ تسمى عذابا، يقال: أنزل الله عليهم رجزا، أنزل الله عليهم رجزا، أنزل الله عليهم عذابا، كلها بمعنى واحد. قال: كذا العذاب رجز ورجز جاء يا أواب، أواب كثير الأوبة. قال: فالشاهد، أخوانا في الله، فهذه الألفاظ وأمثالها أتى بها المؤلف الناظم رحمه الله تعالى على خلفية ما ذكره السيوطي في الإتقان عند هذا المبحث في مبحث الاشتراك. قال: فالحاصل ما سمعتموه من أقوال العلماء في الترادف فعلقوا به. وهذا الذي أشار إليه شيخ الإسلام، فإن الترادف قليل جدا. ابن القيم مثلا أراد أن يمثل على الترادف بالمطابقة، وأنه يوجد مثل بالحنطة والبر والقمح، هذه أسماء مترادفة، بر وحنطة وقمح، كلها معنى واحد. قال: وليس هناك اختلاف، كلها تؤدي صفة وذاتا، وكذا نادر جدا، نادر أن تجد كلمة إزاء كلمة. وكما قلنا: من أراد المزيد فلينظر ما كتب العلماء في ذكر الفروق اللغوية، فذكروا كم من كلمات تراها أنت مترادفة وبينها بون شاسع. قال: حتى السيوطي في الإتقان أشار إلى هذا، كلمات يراها الناس مترادفة وليس من قبيل مترادف، مثل الخوف والخشية، مثل الشح والبخل، تراها هي هي، ليس هي لها معاني ذكرها العلماء. وهذا من باب إعجاز اللغة العربية. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.