شرح كتاب الزكاة 15

الدرس في شرح كتاب الزكاة 15، ألقاها

الأصناف المستحقة وغير المستحقة للزكاة

لا يجوز صرف الزكاة للأغنياء والأقوياء المكتسبين، بينما يجوز صرفها للغارمين والعاملين عليها ولو كانوا أغنياء. وكذلك يجوز للمتفرغين لطلب العلم الشرعي الذين لا يملكون المال الكافي.

أحكام دفع الزكاة للأقارب والمستحقين

لا يجوز دفع الزكاة لمن تجب على المسلم نفقتهم، ويجوز للأقارب إذا كانوا فقراء ولا تجب عليهم نفقته. يستثنى من الأغنياء من يعطى من الزكاة مثل طالب العلم الشرعي والمجاهد في سبيل الله.

الغاية من زكاة المسلمين وتوجيهها

الزكاة تهدف لإغناء فقراء المسلمين وتقوية العلاقة بينهم، ولا تجوز للكافر. المقصود هو توطيد المحبة والأخوة بين المسلمين، ويشعر المسلم بحاجة أخيه المسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله- المسألة الثانية في حد الذين لا تدفع لهم الزكاة. قال: الأصناف الذين لا يجوز صرف الزكاة لهم هم: أولا، الأغنياء والأقوياء المكتسبون، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب». الحديث رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه الإمام الألباني رحمه الله. وفي هذا الحديث أن رجلين أتيا النبي عليه الصلاة والسلام يسألانه من الصدقة، فصوب فيهما النبي عليه الصلاة والسلام النظر، فوجدهما جلدين قويين، فقال: «إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب». لا حظ فيها لغني، يعني الزكاة لا تحل للغني. والغني يعني أفضل ما يحده ويضبطه قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة: «ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي ليس له غنى يغنيه، ولا يتفطن له فيتصدق عليه». فيكون الغني ما عنده ما يغنيه. الغني يكون ضابطه من عنده ما يغنيه، أي ما يكفي حاجته ويسد حاجته من مأكل ومشرب وملبس ومسكن إلى آخره. فيكون هذا غنيا، فإذا كان غنيا فإنه لا تحل له الزكاة. ولا لقوي مكتسب، إنسان قوي جلد يستطيع أن يعمل، وهو مع ذلك مكتسب، يعني عنده ما يكتسب به. فقد يكون قويا، لكن ما عنده عمل، هذا قد يوجد. يكون إنسان قوي يستطيع أن يعمل، لكن ما عنده عمل ما تيسر له عمل يعمل، فهذا يعطى من الزكاة ويستحق. فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا قيد القوة وجعلها مرتبطة بالاكتساب «ولا لقوي مكتسب»، إذن مفهومه إن كان قوي غير مكتسب فإنه يستحق من الزكاة. قال: ولكن يعطى العامل عليها والغارم، وإن كانوا أغنياء كما تقدم. يعني يستثنى من الأغنياء ممن يجوز أن يعطوا من الزكاة الغارم والعامل عليها. العامل عليها كما مر معنا في الدرس الماضي، الذين يختارهم الإمام لجمع الزكاة وحفظها وتقسيمها، يجوز أن يعطيهم من الزكاة ولو كانوا أغنياء؛ لأن هذا في مقام الأجرة. وكذلك الغارم، الغارم إذا كان غنيا ثم غرم ديونا، الغارم أو الغازي، الغارم صاحب الدين، يعني إذا كان غنيا ثم غرم صابته ديون، فإنه يجوز أن يعطى من الزكاة. قال: والقادر على الكسب إذا كان متفرغا لطلب العلم الشرعي وليس له مال، فإنه يعطى من الزكاة؛ لأن طلب العلم جهاد في سبيل الله. نعم، إذا كان قويا مكتسبا، يعني عنده قوة ويستطيع أن يكتسب وأن يعمل، لكنه تفرغ لطلب العلم، تفرغ لطلب العلم الشرعي، فهذا يعطى من الزكاة إذا لم يكن له مال يسد حاجته. إذا لم يكن له مال يسد حاجته، فإنه يعطى من الزكاة؛ لأن طلب العلم جهاد في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله كما يكون بالسيف والسنان، كذلك يكون بالحجة والبرهان، فإنه يعطى من الزكاة. قال: وأما إذا كان القادر على الكسب عابدا وترك العمل للتفرغ لنوافل العبادات، فلا يعطى؛ لأن العبادة منفعتها قاصرة على العابد، بخلاف العلم. وهذا مما يدلنا على فضل العلم؛ لأن نفعه متعدي. صاحب العلم ينتفع الناس بعلمه، لكن العابد من ينتفع بعبادته، ما أحد غيره ينفع، هو ينفع نفسه فقط. فإذا جلس يتعبد وترك العمل، فإنه لا يستحق من الزكاة؛ لأنه لا يدخل في أحد الأصناف الثمانية، فلا يعطى من الزكاة. وهكذا أيضا ممن يستثنى من الأغنياء الغازي في سبيل الله، كما مر معنا المجاهد في سبيل الله، وإن كان غنيا، فإنه يعطى من الزكاة. وكذلك أيضا يستثنى ابن السبيل، كما مر معنا، إذا انقطع به الزاد في سفره، وإن كان غنيا في بلده، فإنه يعطى من الزكاة. والغارم نعم، الغارم يراد به من غرم لمصلحة الغير، من غرم لمصلحة الغير، فيعطى من الزكاة وإن كان غنيا؛ لأنه مر معنا أن الغارم على قسمين: غارم لنفسه، أن يستدين مالا لمصلحة نفسه، وغارم لمصلحة الغير، كالإصلاح بين طائفتين، فيتحمل ديونا وأموالا وديات حتى يصلح بين طائفتين، فهذا يعطى من الزكاة وإن كان غنيا. قال: ثانيا، الأصول والفروع والزوجة الذين تجب نفقتهم عليه، فلا يجوز دفع الزكاة إلى من تجب على المسلم نفقتهم، كالآباء والأمهات والأجداد والجدات والأولاد وأولاد الأولاد؛ لأن دفع الزكاة إلى هؤلاء يغنيهم عن النفقة الواجبة عليه، ويسقطها عنه، ومن ثم يعود نفع الزكاة إليه، فكأنه دفعها إلى نفسه. الأصول والفروع، الأصول الأب وإن علا، والأم وإن علت. والفروع الابن وإن نزل. والزوجة، فيقول أهل العلم: يجوز دفع الزكاة إلى الأصول، ولا إلى الفروع الذين تجب نفقتهم عليه. على الإنسان ينفق عليهم. فالإنسان يجب عليه أن ينفق على أبيه وعلى أمه إذا كانوا فقراء وكان غنيا أو قادرا على النفقة عليهم. وهكذا الفروع الأبناء وأبناء الأبناء. وهكذا أيضا الأجداد، يعني الأصول الآباء والأجداد والأم وأم الأم إلى آخره، فيجب عليه أن ينفق عليهم. فإذا أعطاه من الزكاة كان في ذلك إسقاط لهذا الواجب، وهو النفقة عليهم. وإذا فعل ذلك عادت الزكاة إلى نفسه، فكأنه دفعها لنفسه وأسقط عن نفسه واجبا من الواجبات، وهي النفقة. وهنا قول آخر، وهو أنه إذا كان الإنسان لا يستطيع أن ينفق على أصوله أو فروعه، لا ينفق عليهم لعدم استطاعته، وهم مستقلون بأنفسهم في أن ينفقوا على أنفسهم، فإنه يجوز في مثل هذه الحالة أن يعطيهم من الزكاة. يعني مثلا الأصل أن الابن ينفق على أبيه، ينفق على أبيه وأمه. طيب الابن ما يستطيع أن ينفق على أبيه وأمه لكونه فقيرا، وأبوه مستغني، فلا ينفق عليه. عند الابن زكاة، أثمرت له شيئا من المال، وأراد أن يزكي، هل يجوز أن يعطي لأبيه أو لأمه؟ نقول: إذا كان لا ينفق عليهم فيجوز أن يعطيهم من الزكاة، يجوز أن يعطيهم من الزكاة. وهذا القول رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وذلك أن الصدقة على القريب أولى من الصدقة على البعيد. فالصدقة على القريب صدقة وصلة. ثم إن المانع الذي ذكره أهل العلم من دفع الزكاة إلى الأصول والفروع هو إسقاط الواجب من النفقة عليهم. فإذا كان لا ينفق عليهم، فليس هناك إسقاط للواجب، هو أصلا لا يجب عليه النفقة عليهم بسبب فقره، وليس عنده ما ينفق عليهم، فيتيسر له أن يزكي. فهم أولى، هم أولى من غيرهم، هم أولى من غيرهم. وكذلك أيضا يجوز إعطاء الزكاة للأقارب، بل ينبغي. والأولى أن يعطي الإنسان زكاة لأقاربه أولى من أن يعطيها لمن كان بعيدا. كان ينفق مثلا يعطي الزكاة لأخيه أو لعمه أو لابن عمه أو نحوهم الأقارب. فإعطاء الزكاة لهم أولى من إعطائها لمن كان بعيدا. قال: ثالثا، الكفار غير المؤلفين، فلا يجوز دفع الزكاة إلى الكفار، لقوله صلى الله عليه وسلم: «تأخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم»، أي أغنياء المسلمين وفقرائهم دون غيرهم. ولأن من مقاصد الزكاة إغناء فقراء المسلمين وتوطيد دعائم المحبة والإخاء بين أفراد المجتمع المسلم، وذلك لا يجوز مع الكفار. قوله: الكفار غير المؤلفين؛ لأنه مر معنا في المؤلفة قلوبهم أنه يجوز إعطاء الكافر لأجل تأليفه على الإسلام. فإذا كان غير مؤلف، لا يرجو منه التأليف، ولم يكن من هذا الصنف، فالأصل أنه لا يجوز إعطاء الزكاة للكافر، لقوله عليه الصلاة والسلام: «تأخذ من أغنيائهم»، أي أغنياء المسلمين، «فترد على فقرائهم»، أي فقراء المسلمين. فالأصل أن الزكاة تدفع إلى المسلم، ولا تعطى للكافر. ولأن المقصود من الزكاة إغناء فقراء المسلمين، وكذلك أيضا تقوية العلاقة والرابطة بين المسلمين بعضهم مع بعض، فتدوم بينهم المحبة والأخوة، ويشعر المسلم بحاجة أخيه، وهذا لا يجوز مثله أن يفعل مع الكافر. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على