الدرس في التعليق على مذكرة أحكام الصيام 6، ألقاها
يناقش المحور الأعمال المستحبة التي ينبغي للصائم وغير الصائم الحرص عليها مثل دعاء كفارة المجلس وإفشاء السلام. هذه الأعمال تعتبر من المستحبات التي لها فضل عظيم.
يعدد هذا المحور بعض الأعمال الصالحة التي يستحب الإكثار منها مثل الإحسان إلى الأرحام والصدقة والابتسامة في وجه المسلم. هذه الأعمال لها أجر كبير عند الله.
يناقش هذا المحور فضائل الأعمال الصالحة في رمضان مثل الإحسان إلى الضعفاء والمحافظة على الكلام الطيب والإكثار من الذكر والتوبة والاستغفار. هذه الأعمال تعظم أجرها في رمضان.
يُنصح في هذا المحور بالإكثار من أدعية الاستغفار والتوبة مثل 'استغفر الله وأتوب إليه'؛ لعل الله يغفر الذنوب والسيئات. يُنهي بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله في الدرس الخامس: ما يستحب فعله للصائم وغيره. قال أولا: المحافظة على دعاء كفارة المجلس، دعاء كفارة المجلس إذا قام الإنسان من مجلس جلسه أن يقول: ﴿سبحانك وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك﴾، ورد بهذا اللفظ من حديث عائشة رضي الله عنها، وجاء عن غيرها من الصحابة في بعض الألفاظ: «سبحانك اللهم وبحمدك»، لكن ذكر بعض أهل العلم أن الحديث بهذا اللفظ «سبحانك اللهم وبحمدك» معل، والصحيح «سبحانك وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك»، والحديث رواه أهل السنن. هذا الدعاء يستحب للصائم وغير الصائم، أنه إذا جلس في مجلس ثم قام منه أن يدعو بهذا الدعاء يكون كفارة لما قد يتكلم به أو يحصل منه في هذا المجلس. قال ثانيا: الدعاء بين الأذان والإقامة، الدعاء بين الأذان والإقامة من مواطن إجابة الدعاء، وقد ثبت في السنن من حديث أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة»، فهو من مواضع إجابة الدعاء، يحرص عليها المسلم أن يدعو في مثل هذا الوقت، سواء كان الدعاء في أثناء الصلاة إذا صلى السنة الراتبة التي قبل الفريضة، كسنة الظهر مثلا، أو صلى تحية المسجد، فيدعو في أثناء الصلاة، أو كان الدعاء مستقلا في خارج الصلاة. قال ثالثا: الإكثار من الدعاء، يعني على سبيل العموم الإكثار من الدعاء في سائر الأوقات، في الصلاة وفي خارج الصلاة، لأن الدعاء عبادة، قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان بن بشير: «الدعاء هو العبادة»، والله عز وجل يقول: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾، فربنا جل وعلا أمرنا بدعائه ووعدنا بالإجابة، ثم توعد بهذا الوعيد لمن استكبر عن دعائه وعبادته، وسمى الدعاء عبادة: ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي﴾ يعني دعائي. وهكذا قال الله جل وعلا: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾، فالمسلم يحرص على الإكثار من الدعاء، خاصة إذا كان صائما؛ لأن الصائم يستجاب الله عز وجل دعاءه، وهو أي الصيام من أسباب إجابة الدعاء. قال رابعا: الدعاء للمسلمين، يعني يحرص إذا دعا يدعو لعموم المسلمين بالخير والرحمة والمغفرة ورفع البلاء عنهم ورفع المصائب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». قال خامسا: المحافظة على إفشاء السلام، إفشاء السلام من الأمور المستحبة، وهي من أعظم أسباب إبقاء المحبة والمودة، ومن أسباب دخول الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لأدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم». إفشاء السلام بمعنى إظهاره وإعلانه، أن يسلم المسلم على من عرف ومن لم يعرف من المسلمين. قال سادسا: صلة الرحم ولو بالهاتف، الرحم كل من بينك وبينه ولادة قريبة أو بعيدة، فيكون محرما لك أو بينك وبينه رحم، فتصلهم ولو بالهاتف، باتصال تسأل عن أخبارهم وأحوالهم. قال سابعا: الإكثار من الإحسان إلى الأرحام، وقطع الرحم محرم وكبيرة من كبائر الذنوب، قال الله عز وجل: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله». الإكثار من الإحسان إلى الأرحام، الإحسان إليهم بالصدقة والعطاء إذا كانوا فقراء وأنت غني أو أحسن حالا، وفتح الله عليك، فمن الإحسان ومن الصلة أن تصلهم بالنفقة والصدقة والهدية ونحو ذلك، ولا يكفي مجرد الزيارة، ما يكفي مجرد الزيارة وهم ينتظرون منك شيئا زائدا عن ذلك، فيكون من صلة الرحم أن تعطيهم مما أعطاك الله جل وعلا. قال ثامنا: الإكثار من الصدقة، هذا مما يستحب للصائم وغيره الإكثار من الصدقة لعظيم فضلها وعظيم أجرها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول بحديث معاذ: «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار»، وبحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس»، والله عز وجل يقول: ﴿وما تنفقوا من خير تجدوه عند الله خيرا وأعظم أجرا﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»، تتصدق بنصف تمرة، «تقيك من النار»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «والصدقة برهان»، برهان على إيمان صاحبها وصدق إسلامه وإخلاصه، فالإكثار من الصدقة هذا مما ينبغي أن يتبع به المسلم، وخاصة إذا كان صائما، وهو يحرص على أن يتصدق ولو بالشيء اليسير، ما يشترط للصدقة كما ذكرنا في الدرس الماضي أن يكون بشيء كثير، ولو بشيء قليل، النبي صلى الله عليه وسلم بحديث عدي يقول: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»، نصف تمرة تتصدق بها قد تقيك من النار، فكيف ما هو أعظم من ذلك وأكثر من ذلك. قال تاسعا: الابتسامة في وجه أخيك المسلم، الابتسامة في وجه أخيك المسلم صدقة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وتبسمك في وجه أخيك صدقة»، وفي الحديث الآخر قال: «لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»، وجه مستبشر مبتسم، هذا من الصدقة والإحسان أن تلقى أخاك بوجه مبتسم تدخل عليه السرور والفرح، فيحرص على هذا الأمر المسلم والصائم خاصة؛ لأن بعض الصائمين إذا صام كشر وجهه وغير ملامحه وكأنه يقول: إياكم أن تقتربوا اليوم أنا صائم، اتقوا لا، الابتسامة والبشاشة ما تنافي الصوم أبدا، بل ينبغي أن يكون الصائم على أحسن الأخلاق وأكملها، وهو يقوم بهذه العبادة العظيمة التي يتقرب بها إلى الله جل وعلا. قال عاشرا: الإكثار من الإحسان إلى الجيران، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أبا ذر، إذا طبخت مرقا فأكثر ماءها وأطعم جيرانك»، وبحديث عائشة وابن عمر قال عليه الصلاة والسلام: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»، يعني من كثرة الوصية بالإحسان إليه، الإحسان إلى الجار يكفي الأذى عنه، لا تؤذه بلسانك ولا بيدك ولا بأي شيء من أنواع الأذية، وفي حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن»، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه»، يعني الذي لا يبعد شره عن جاره، هذا ناقص الإيمان، وهكذا أيضا الإحسان إليه بالعطاء والهدية والصدقة بما يتيسر، هذا أيضا من الإحسان. قال حادي عشر: الإكثار من الإحسان إلى الضعفاء والمساكين والأيتام، والله عز وجل يقول في مدح أهل الإيمان من أهل الجنة: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا﴾، وهكذا أيضا أوصى الله جل وعلا باليتامى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده﴾، وقال جل وعلا: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾، فالإحسان إلى الضعفاء والمساكين والأيتام أمر مطلوب، ويعظم الأجر إذا كان في حال الصيام أو في رمضان لشرف الزمان وشرف الشهر، فيعظم فيه الأجر. قال ثاني عشر: المحافظة على الكلام الطيب، المحافظة على الكلام الطيب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «والكلمة الطيبة صدقة»، الكلمة الطيبة بمنزلة الصدقة تتصدق بذلك، والله عز وجل طيب لا يقبل إلا طيبا، قال: المحافظة على الكلام الطيب، ويبتعد المسلم عن الكلام الخبيث، ولا يكون فاحش القول، «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء»، حديث أبي مسعود رضي الله عنه في الصحيح، وقال عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها: «إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش»، فالمؤمن يحرص أن يكون كلامه طيبا ويبتعد عن الكلام الفاحش والبذيء والكلام الذي فيه سفه ومخالف للشرع أو مخالف للمروءة. قال ثالث عشر: الإكثار من الذكر، يستحب للصائم وغيره أن يكثر من ذكر الله جل وعلا، والله عز وجل يقول: ﴿والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما﴾، ويقول جل وعلا: ﴿فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم حتى في أحاديث كثيرة على ذكر الله جل وعلا، وقال في حديث أبي هريرة: «سبق المفردون، سبق المفردون، سبق المفردون»، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: «الذاكرين الله كثيرا والذاكرات»، وفي أحاديث كثيرة في فضل الذكر، فالمسلم يحرص على الإكثار من ذكر الله، وأن يجعل لسانه رطبا بذكر الله، بكثرة الذكر، حيث قال عبد الله بن بسر: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فمرني بشيء أتشبث به -يعني أتمسك به- ولا تكثر علي فأنسى، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يزال لسانك رطبا بذكر الله»، يعني تكثر من ذكر الله حتى يصير الذكر رطبا على لسانك سهل أن تذكر الله عز وجل بسبب الاعتياد وكثرة الذكر. قال الرابع عشر: الإكثار من التوبة والاستغفار مئات المرات، الإكثار من التوبة والاستغفار مئات المرات؛ لأن هذا من هدي النبي عليه الصلاة والسلام، كان عليه الصلاة والسلام يستغفر الله عز وجل في اليوم مئة مرة، يستغفر الله جل وعلا في اليوم مئة مرة، إذا كان هذا حال نبي عليه الصلاة والسلام الذي قد غفر الله سبحانه وتعالى له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فنحن أولى أن نكثر من الاستغفار، وهذا بالحقيقة نحن في غفلة عن الاستغفار وكثرة منه، فينبغي أن نحرص على أن نكثر من الاستغفار، إذا جلست مجلسا تكثر من الاستغفار، استغفر الله، تجعل الاستغفار دائما على لسانك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث عبد الله: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا»، طوبى قيل: شجرة في الجنة، وقيل: هو جزاء وثواب يناله المسلم في الجنة إذا وجد في صحيفته -أي صحيفة أعماله- استغفارا كثيرا؛ لأن الاستغفار يحبط السيئات والذنوب، فالمسلم يحرص على الإكثار من التوبة والاستغفار: استغفر الله وأتوب إليه، ونحو ذلك من أدعية الاستغفار والتوبة، تكثر منها عسى الله عز وجل أن يغفر لنا ذنوبنا وسيئاتنا. صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.