الدرس في التعليق على مذكرة أحكام الصيام 47، ألقاها
تناول المقطع أحاديث ضعيفة وردت في فضل رمضان والصيام، مبينًا ضعف سندها لكن صحة معناها. رمضان كله رحمة ومغفرة وعتق من النار.
ناقش المقطع أحاديث ضعيفة وباطلة تتعلق بشهر رمضان، مثل حديث النبي يحب أن يفطر على ثلاث تمرات، ووضح ضعفها من قبل علماء الحديث.
تناول المقطع أحاديث ضعيفة وموضوعة عن الصيام، وأوضح عدم صحتها عن النبي، ثم اختتم الدرس بذكر الصلاة على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله في الدرس السادس والعشرون: أحاديث ضعيفة. أولًا: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموا تصحوا». هذا الحديث أخرجه ابن السني وأبو نعيم والطبراني، ورواه ابن عدي عن ابن عباس، وغفل الألباني في ضعيف الجامع. قال أبو إبراهيم رحمه الله: ومعنى صحيح، «صوموا تصحوا» من حيث السند ضعيف، ومن حيث المعنى صحيح، أن الصيام فيه صحة، الصيام فيه صحة للجسد؛ بإخراج المعدة الفضلات الموجودة فيها بسبب الإمساك عن الطعام والشراب، فيكون في ذلك يعني نظافة للمعدة وصحة للبدن. ثانيًا: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول شهر رمضان رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار». هذا الحديث رواه العقيلي، ومن عدي، والديلمي، وغيرهم. وقال الألباني رحمه الله في السلسلة الضعيفة: منكر. قال أبو إبراهيم رحمه الله: رمضان كله رحمة ومغفرة وعتق من النار. هذا الحديث حديث مشهور عند الخطباء، وهو حديث ضعيف، «أول شهر رمضان رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار»، فالحديث لا يصح. ورمضان كله رحمة ومغفرة وعتق من النار؛ قد مرت معنا الأحاديث الصحيحة التي فيها أن الله عز وجل يعني يعتق من النار كل ليلة من رمضان، وفي لفظ: كل يوم وليلة، إذن كله عتق من النار، كله عتق من النار، وهكذا أيضًا مغفرة ورحمة. ثالثًا: عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر يوم من شعبان، فقال: «أيها الناس، قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعًا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه رزق المؤمن، من فطر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء». قالوا: ليس كلنا نجد ما يفطر الصائم. قال: «يعطي الله، يعطي الله ثواب هذا الثواب من فطر صائمًا على تمرة، أو شربة ماء، أو مذقة لبن». وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، واستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غناء لكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه، وأما اللتان لا غناء لكم عنهما: فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار، ومن أشبع فيه صائمًا سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة». هذا الحديث أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، وغيره، وضعفه شيخ الألباني رحمه الله في الضعيفة، وقال: منكر. وفي سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. فالحديث ضعيف، وبعض فقرات الحديث يشهد لها بعض الأحاديث الصحيحة؛ كقوله: «فيه ليلة خير من ألف شهر»، وهكذا أيضًا: «وهو شهر الصبر»، ثبت هذا في الأحاديث الصحيحة تسميته بشهر الصبر. نعم، أيضًا فضل تفطير، من فطر صائمًا، بحديث زيد بن خالد، مر معنا. رابعًا: أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يفطر على ثلاث تمرات، أو شيء لم تصبه النار». الحديث أخرجه العقيلي، والضياء في المختارة، وضعفه الألباني رحمه الله في الضعيفة. هذا الحديث ضعيف، أن النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يفطر على ثلاث تمرات، أو شيء لم تصبه النار؛ يعني لم يطبخ، شيء لم يطبخ في النار. ومر معنا حديث أنس صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفطر على رطبات، فإن لم يكن فتمر، فإن لم يكن فحسى حسوات من ماء. خامسًا: عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شهر رمضان معلق بين السماء والأرض، لا يرفع إلى الله إلا بزكاة الفطر». الحديث أخرجه أبو حفص بن شاهين في فضائل رمضان، والضياء، وضعفه الشيخ الألباني رحمه الله في ضعيف الترغيب والترهيب. ومعنى «معلق بين السماء والأرض»: يعني لا يرفع فيه عمل العامل إلا بعد أن يؤدي زكاة الفطر، إلا بعد أن يؤدي زكاة الفطر. لكن الحديث ضعيف. سادسًا: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يوحي إلى الحفظة: لا تكتبوا على صوام عبادي بعد العصر سيئة». الحديث أخرجه الخطيب في التاريخ، والديلمي في مسند الفردوس، وقال الدارقطني: باطل. قال الحافظ: باطل. وقال الألباني في الضعيفة: باطل. الحديث حديث باطل، والحفظة يكتبون على العباد ما يحصل منهم في سائر أوقاتهم وأحوالهم؛ في الصباح أو في أول النهار، وفي آخره، وفي وسطه، وفي الليل. فقوله: «إن الله يوحي إلى الحفظة: لا تكتبوا على صوام عبادي بعد العصر سيئة»، لا تكتبوا عليهم بعد العصر سيئة؛ هذا ليس بصحيح. فالحفظة تكتب في سائر الأوقات تكتب على العباد ما يحصل منهم في سائر الأوقات: ﴿إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. وهذا الحديث «لا تكتبوا على صوام عبادي بعد العصر سيئة»؛ يعني معنى إذا فعلوا ما فعلوا من السيئات فلا تكتبوها عليهم، لا تكتبوا عليهم ما فعلوا من السيئات. وهذا لا شك أنه باطل؛ لأن معنى هذا أن الإنسان يفعل السيئة ويقول: الحفظة لا تكتب ما نفعل من السيئات بعد العصر. وهذا لا شك أنه باطل. سابعًا: عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر». قال: أخرجه المناوي والضياء في المختارة، وقال الألباني في الضعيفة: منكر. «صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر»؛ هذا أشبه ما تكون مقالة، ومعناها أن الصوم في السفر باطل؛ يعني من صام في السفر فصومه غير صحيح، حاله كحال من أفطر وهو في الحضر، حاله كحال من أفطر وهو في الحضر. ولا شك أن هذا باطل؛ لأن صوم الصائم في السفر يجوز، يجوز أن يصوم ويجزئه الصيام كما مر معنا في الأحاديث الصحيحة. ثامنًا: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مطر السماء بردًا بردًا، فقال لنا أبو طلحة: ناولوني من هذا البرد، فجعل يأكل وهو صائم، فعرفنا البرد الذي يخرج مثل الثلج من السماء، قال: وذلك في رمضان. قلت: أتأكل البرد وأنت صائم؟ قال: «إنما هو برد نزل من السماء، نطهر به قلوبنا، وإنه ليس بطعام ولا بشراب». قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك، فقال: «خذها عن عمك»؛ يعني أقره على هذا الفعل من أكل البرد وأنه غير مفطر. والحديث أخرجه الطحاوي في المشكل، وأبو يعلى في المسند، والسلف في الطيوريات، ومن عساكر في التاريخ، وقال الألباني: حديث منكر، حديث لا يصح. والبرد مفطر؛ البرد إذا أكله الإنسان فإنه يفطر مثل ما يفطر بالأكل والشراب. تاسعًا: عن سلمان بن عامر الضبي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصائم في عبادة، وإن كان راقدًا على فراشه». قال: أخرجه تمام، وضعفه الألباني في الضعيفة. وجاء بلفظ: «نوم الصائم عبادة»، رواه البيهقي، ورمز له السيوطي في الجامع الصغير بالضعف، وضعفته اللجنة الدائمة. هذا الحديث «الصائم في عبادة، وإن كان راقدًا على فراشه» حديث ضعيف لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. لكن هل يؤجر الإنسان على نومه؟ هل يؤجر الإنسان على نومه؟ وممكن أن يجعل النوم عبادة، الجواب: نعم ممكن إذا تعلقت به النية، إذا نام ونوى أن يتقوى بهذا النوم على قيام الليل مثلًا، هنا يؤجر على نومه كما يؤجر على قومته، إذا نام مثلًا في الليل ساعة أو ساعتين ونوى أن يتقوى بهذا النوم على إحياء الليل وقيام الليل فيؤجر؛ يؤجر على هذا النوم. أما أن ينام لقصد الراحة ويقول: أنا في عبادة، فلا، ليس الأمر كذلك. عاشرًا: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يسألون: نعيم المطعم والمشرب، والمفطر والمتسحر، وصاحب الضيف، وثلاثة لا يلامون على سوء الخلق: المريض، والصائم حتى يفطر، والإمام العادل». أخرجه الديلمي في مسند الفردوس، وقال الألباني في الضعيفة: موضوع؛ أي أن هذا الحديث كذب مختلق مما وضع عن النبي عليه الصلاة والسلام. فالحديث موضوع، «ثلاثة لا يسألون: نعيم المطعم والمشرب»؛ يعني الذي يطعم الناس ويشربهم فلا يسأل عما أعطاه الله عز وجل من النعيم، «والمفطر والمتسحر» كذلك من فطر غيره وأفطر، «وصاحب الضيف» الذي يطعم الضياف؛ هؤلاء لا يسألون عن نعيم؛ هذا باطل. «وثلاثة لا يلامون على سوء الخلق: المريض والصائم حتى يفطر، والإمام العادل»؛ يعني إذا صدر من هؤلاء سوء خلق ما يلام المريض إذا صدر منه سوء خلق من سب أو شتم أو لعن لا بأس ما عليه لوم، «والصائم حتى يفطر»؛ يعني الصائم في حال صومه إذا صدر منه سوء خلق من سب أو شتم أو قذف أو لعن لا بأس ليس عليه ملامة لأنه صائم، «والإمام العادل» الإمام إذا صدر منه سوء خلق فكذلك؛ هذا الحديث باطل. والإنسان ينبغي أن يكون على يعني كمال الخلق في سائر أحواله حتى في مرضه وفي حال صيامه، والنبي صلى الله عليه وسلم كما مر معنا يقول: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». الحادي عشر: عن أبي مسعود الغفاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: «لو يعلم العباد ما رمضان لتمنت أمتي أن تكون السنة كلها رمضان». أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، والبيهقي، وأبو الشيخ في الثواب، قال الألباني رحمه الله في ضعيف الترغيب: موضوع؛ أي كذلك كذب على النبي عليه الصلاة والسلام. الثاني عشر: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي». الحديث أخرجه البيهقي، وقال الألباني: موضوع. وله شاهد عن الحسن البصري مرسل، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع. هذا الحديث أيضًا موضوع لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، «رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي»، الأشهر كلها لله، الأشهر كلها لله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. وبهذا نكون انتهينا من يتعلق بهذا الدرس في ذكر الأحاديث الضعيفة. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.