الدرس في شرح اصول السنة للحميدي 9، ألقاها
أركان الإسلام الخمس تشمل الشهادتين، الصلاة، الزكاة، الصيام، والحج. تارك هذه الأركان بالكلية يعتبر كافرا باتفاق المسلمين.
ذكر أقوال لأهل العلم في حكم من ترك الفرائض مع الإقرار بوجوبها، وأكد أن من تركها بالكلية فهو كافر مستدلا بالأدلة الشرعية.
يؤكد النص على أهمية الصلاة ويستدل على كفر تاركها بالأدلة الشرعية، ويوضح شروط وجوب العبادات المختلفة في الإسلام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام بكر الحميد رحمه الله في رسالته «أصول السنة»: «وإنما الكفر في ترك الخمس التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت». فأما ثلاث منها فلا يناظر تاركها: من لم يتشهد، ومن لم يصل، ولم يصم؛ لأنه يؤخر شيء من هذا عن وقته. هكذا عندي، وأظن الصواب: أنه لا يؤخر شيء من هذا عن وقته. قال: لأنه لا يؤخر شيء من هذا عن وقته، ولا يجزئ من قضاه بعد تفريطه فيه عامدا عن وقته. لما ذكر رحمه الله أن أهل السنة لا يكفرون بشيء من الذنوب، ذكر أنهم يكفرون - أي أهل السنة - من ترك الأركان الخمس، أركان الإسلام التي بين النبي عليه الصلاة والسلام أن إسلام المرء لا يقوم إلا بها. فيقول: «إنما الكفر في ترك الخمس التي قال النبي صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس». فأركان الإسلام الخمس إذا تركها الإنسان بالكلية، تركها كلها فهو كافر، فهو كافر باتفاق المسلمين. من لم يتشهد، ولم يصل، ولم يصم، ولم يزكي، ولم يحج، فهذا كافر، ليس بمسلم. وإذا ترك الشهادتين، من لم يتشهد، فكما قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه «الإيمان الأوسط»: إنه يعتبر كافرا، يعتبر كافرا الذي لا يشهد بلسانه أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، مع قدرته على النطق بها. فهذا يعتبر كافرا، وهو كافر باطنا وظاهرا، كافر باطنا وظاهرا باتفاق سلف الأمة وأئمتها وعلمائها. وذكر رحمه الله عن طائفة من المرجئة الجهمية: بأنهم يقولون إذا صدق بقلبه ولم ينطق بلسانه فهو كافر في الظاهر، مؤمن في الباطن. كافر في الظاهر، مؤمن في الباطن. قالوا: هذا قول مبتدع في الإسلام، لم يقله أحد من الأئمة. إذا من ترك الشهادتين مع قدرته على النطق بها، فهو كافر ظاهرا وباطنا. وأما الفرائض الأربع: الصلاة والصيام والزكاة والحج، إذا جحد وجوبها مع بلوغ الحجة إليه، فهو كافر. إذا جحد وجوب الصلاة، قال: ليس هناك صلاة واجبة، وليس هناك صيام واجب، وليس هناك زكاة واجبة، ولا حج. جحدها وأنكر وجوبها مع بلوغ الحجة إليه، يعيش في أوساط المسلمين، ويسمع أن هذه من الواجبات والفرائض، ثم يجحد وجوبها، فهذا كافر. أما إن لم تبلغ الحجة، كان يكون نشأ في بادية بعيدة لم تبلغ شرائع الإسلام، فهذا يستتاب، وتقام عليه الحجة، فإن أقر بها فالحمد لله، وإن أصر على جحدها وإنكارها، فإنه يحكم عليه بالكفر. بقي لو أقر بها الإنسان، لم يجحدها، بل أقر بأنها - يعني - من الفرائض والواجبات، لكنه تركها تكاسلا وتهاونا، فهنا وقع النزاع والخلاف بين أهل العلماء في كفر من ترك هذه الفرائض مع إقراره بوجوبها. وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أقوالا للعلماء في حكم تاركها مع الإقرا ر، وهي روايات عن إمام أحمد رحمه الله. القول الأول: بأنه يكفر بترك واحد منها، أن من ترك فريضة من فرائض الإسلام، ولو واحد منها، فإنه يكفر بذلك. وذكر هذا القول عن طائفة من السلف. والقول الثاني: أنه لا يكفر بترك شيء من ذلك، أنه لا يكفر بترك شيء من ذلك مع الإقرار بالوجوب. وقال هذا المشهور عن كثير من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي، وإحدى الروايات عن الإمام أحمد - يعني - عدم الكفر بترك شيء من هذه الفرائض إذا أقر بوجوبها. والقول الثالث: أنه لا يكفر إلا بترك الصلاة، لا يكفر إلا بترك الصلاة. قالوا: هذه الرواية الثالثة عن إمام أحمد، وقول كثير من السلف. والقول الرابع: أنه يكفر بترك الصلاة والزكاة فقط، يكفر بترك الصلاة والزكاة فقط. والقول الخامس: أنه يكفر بترك الصلاة والزكاة إذا قاتل الإمام عليها دون الصيام والحج. هذه خمسة أقوال ذكرها رحمه الله. وهذه الأقوال لأهل العلم في حكم من ترك هذه الفرائض الأربع مع الإقرار بوجوبها. ثم ذكر رحمه الله ما يعني قاعدة يبين بها أن من ترك هذه الفرائض الأربع بالكلية، فالذي تدل عليه الأدلة: أنه يكفر، أنه يكفر. وذلك أن هذه المسألة كما قال رحمه الله لها طرفان: الأول إثبات الكفر الظاهر، والثاني إثبات الكفر الباطن. ومن ترك هذه الفرائض الأربع - من ترك هذه الفرائض الأربع - مع دعواه أنه مؤمن، يدعي أنه مؤمن في الباطن، ثم يترك الصلاة والزكاة والصيام والحج، ويعيش داره كله لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم رمضان، ولا يزكي ماله، ولا يحج بيت الله الحرام، ثم يدعي أنه مسلم. قال: هذا ممتنع، هذا ممتنع أن يصدر من شخص إلا مع نفاق في القلب، إلا مع نفاق في القلب، وكذلك أيضا زندقة. فالمؤمن صحيح الإيمان الصادق لا يترك هذه الفرائض والواجبات، ثم يدعي أنه مؤمن. فالمؤمن حقا - كما سمعنا - يحافظ على هذه الفرائض والواجبات. أما أن يتركها كلها ثم يدعي أنه مسلم وأنه مؤمن، فهذا بعيد، إلا كما قال: أن يصدر من نفاق وإظهار للإيمان، وإدعاء وإلا هو في الحقيقة كافر في الباطن ككفره في الظاهر. وذكر بعض الأدلة الدالة على كفر من ترك الصلاة، وأن العبد إذا لم يصل فإن الأدلة تدل على كفره. ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم، وقول الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. أخبر النبي عليه الصلاة والسلام - كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد -: حين يجيء الرب جل وعلا يوم القيامة، فيسجد له المؤمنون، يسجد له المؤمنون، ويبقى أهل النفاق الذين كانوا يسجدون في الدنيا رياء، إذا أرادوا أن يسجدوا فلا يستطيعون، تصير ظهورهم كالطبق، فلا يستطيعون السجود. هذا في حق من كان يسجد لله رياء، من كان يسجد لله رياء، وسمع كحال المنافقين. فكيف بمن لا يعرف السجود؟ كيف بمن لا يعرف السجود ولا يسجد لله؟ إذا كان هذا حال المنافقين الذين سجدوا وصلوا لكن رياء، فلا يستطيعون يوم القيامة أن يسجدوا لله جل وعلا، فكيف بمن لا يعرف السجود من أصله؟ وهكذا أيضا ما ثبت في الصحيح من إخبار النبي عليه الصلاة والسلام: أن النار تأكل من ابن آدم كل شيء إلا موضع السجود، فإن الله حرم على النار أن تأكله. فالذي لا يسجد لله معناه أن النار ستأكله كما تأكل غيره من الكفار. وكذلك أيضا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: أنه يعرف أمته يوم القيامة بآثار الوضوء، فإنهم يأتون غرا محجلين من آثار الوضوء. فالذي لا يتوضأ ولا يصلي فلا يعرف النبي عليه الصلاة والسلام، فلا يكون من أمته. وهكذا أيضا أن الله عز وجل أعلق التوبة في حق الكفار وإثبات الأخوة في الدين بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾. مفهوم الآية: أنهم إن لم يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فليسوا بإخوة لنا في الدين. وهكذا أيضا قوله عليه الصلاة والسلام في حديث بريدة: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». رواه الترمذي. وهكذا أيضا حديث جابر، في قوله عليه الصلاة والسلام: «بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة». وفي مسند الإمام أحمد، عن معاذ رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ترك الصلاة متعمدا فقد بريأت منه الذمة». من ترك الصلاة متعمدا فقد بريأت منه الذمة. وهكذا أيضا أن شعار المسلمين هو بأدائهم الصلاة وإقامتهم الصلاة، لهذا يقال لأهل الإسلام: ماذا أهل القبلة؟ أو يقال فيهم: أهل الصلاة أو المصلون. هذا شعار أهل الإسلام. فكيف يعني ينسب العبد للإسلام وهو لا يعرف للصلاة حقا، ولا يعرف لله جل وعلا سجودا ولا طاعة ولا عبادة؟ والنبي عليه الصلاة والسلام يقول - كما في صحيح الإمام مسلم -: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم، له مالنا وعليه ما علينا». من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم. فجعل النبي عليه الصلاة والسلام وصف الإسلام في حق من أقام الصلاة. فمفهوم هذا الحديث: أن من لم يصل صلاتنا ويستقبل قبلتنا فليس بمسلم، وليس له مالنا ولا عليه ما علينا. فهذه أدلة ظاهرة، صريحة، بينة في كفر تارك الصلاة. قال: «فأما ثلاث منها فلا يناظر تاركها: من لم يتشهد، ولم يصل، ولم يصم؛ لأنه لا يؤخر شيء من هذا عن وقته». لا يجوز تأخير هذه العبادات عن وقتها. فالصلاة تؤدى في وقتها، إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا. كذلك التشهد لا يصير العبد مسلما إلا بالشهادتين، متى ما قدر على النطق بها فأبى أن ينطق بها فإنه كافر. كذلك الصلاة تصلى في وقتها المحدد شرعا. وهكذا الصيام يصام في الشهر الذي فرض الله عز وجل صيامه، وهو شهر رمضان. فلا يجوز له تأخير الصيام عن وقته. قال: «ولا يجزئ من قضاه بعد تفريطه فيه عامدا عن وقته». يعني الذي يؤخر الصلاة عن وقتها متعمدا، ما عنده عذر، متعمدا. ما يجزئه قضاء هذه الصلاة، ما يجزئه. وهذا والقول الصحيح ما ذكره المؤلف رحمه الله، هو قول جماعة من المحققين: كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وابن حزم، وابن القيم، وغيرهم. إلى أن من ترك العبادة متعمدا من غير عذر حتى خرج وقتها، فلا ينفعه قضاؤها، لا ينفعه قضاؤها. لأنه ترك العبادة بلا عذر، تركها بلا عذر حتى خرج وقتها وانتهى وقتها. فمن ترك الصلاة متعمدا متكاسلا حتى خرج وقتها، فإنه لا ينفعه أن يقضيها، لا ينفعه، ولو صلى مئة صلاة بدل هذه الصلاة، ما تنفعه. عليه أن يتوب إلى الله جل وعلا توبة نصوحة. وحكمه في الشرع: أن يستتاب، يستتاب من ترك صلاة حتى خرج وقتها، يستتاب. إما أن يصلي، وإما أن يقتل. فإذا تركها وأراد أن يقضيها فلا ينفعه ذلك. وهكذا من ترك الصيام، إذا ترك صوم يوم من رمضان متعمدا لم يصمه، وأراد قضاءه، فلا ينفعه القضاء، لا ينفعه القضاء. عليه أن يتوب إلى الله عز وجل توبة نصوحة. فإذا ترك الزكاة والحج، أخرها المؤلف رحمه الله؛ لأن الزكاة والحج يجوز - يعني - تأخيره. الحج معلق بالاستطاعة، والزكاة معلقة ببلوغ النصاب وحولان الحول. بخلاف التشهد، التوحيد، الشهادتين. والصلاة والصيام، فهذه تجب على كل مسلم، تجب على كل مسلم. أما الزكاة فلا تجب إلا على من ملك مالا تجب فيه الزكاة. والحج لا تجب إلا على من كان مستطيعا. وإلى هنا نكتفي بهذا القدر، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.