الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 9، ألقاها
كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع نخلة، فلما صنع له المنبر حن الجذع وبكى لتركه. أتاه النبي صلى الله عليه وسلم ومسحه حتى سكت.
يروي جابر بن عبد الله الأنصاري قصة حنين جذع النخلة عند استبداله بالمنبر، حيث حن كما تحن الناقة ثم سكن بعد أن وضع النبي يده عليه. روايات مختلفة وردت في صحيح البخاري.
يستدل من حزن الجذع على فراق النبي صلى الله عليه وسلم على شدة حزن البشر على فراق أحبائهم. ينبغي للمسلم أن يلازم سنة نبيه عليه الصلاة والسلام ويعبر عن اشتياقه لها.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: باب ما أكرم النبي صلى الله عليه وسلم بحنين المنبر. قال: أخبرنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا معاذ بن العلاء، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر حن الجذع حتى أتاه فمسحه. هذا الحديث البخاري. كان يخطب عليه الصلاة والسلام إلى جذع، يعني يستند عليه ويتكئ عليه، فلما صنع للنبي عليه الصلاة والسلام المنبر ترك الجذع، فحن الجذع، يعني بكى، بكى الجذع لما تركه النبي عليه الصلاة والسلام، حتى أتاه، أي النبي صلى الله عليه وسلم، فمسحه، أي مسح هذا الجذع، وجعل يسكته حتى سكت. قال: أخبرنا محمد بن حميد، وهو الرازي، تهم بالكذب، قال: حدثنا تميم بن عبد المؤمن، قال: حدثنا صالح بن حيان، هو القرشي، ضعيف، قال: حدثني ابن بريدة، عن أبيه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب قام فأطال القيام، فكان يشق عليه قيامه، فأتي بجذع نخلة فحفر له وأقيم إلى جنبه قائما للنبي صلى الله عليه وسلم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب فطال القيام عليه استند إليه فاتكأ عليه. فبصر به رجل كان ورد المدينة فرآه قائما إلى جنب ذلك الجذع، فقال لمن يليه من الناس: لو أعلم أن محمدا يحمدني في شيء يرفق به لصنعت له مجلسا يقوم عليه، فإن شاء جلس ما شاء وإن شاء قام، يعني المنبر. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتوني به، فأتوه به، فأمر أن يصنع له هذه المراقي الثلاث أو الأربع، هي الآن في منبر المدينة، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك راحة. فلما فارق النبي صلى الله عليه وسلم وعمد إلى هذه التي صنعت له، جزع الجذع فحن كما تحن الناقة حين فارقه النبي صلى الله عليه وسلم. فزعم ابن بريدة، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع حنين الجذع رجع إليه فوضع يده عليه، وقال: اختر أن أغرسك في المكان الذي كنت فيه فتكون كما كنت، وإن شئت أن أغرسك في الجنة فتشرب من أنهارها وعيونها فيحسن نبتك وتثمر فيأكل أولياء الله من ثمرتك ونخلك، ففعلته. فزعم أنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول له: نعم، قد فعلته مرتين. فسئل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اختار أن أغرسه في الجنة. الحديث في هذا السند ضعيف. قال: أخبرنا محمد بن كثير، عن سليمان بن كثير، وسليمان بن كثير ضعيف في الزهري، وروايته هنا عن الزهري، قال: عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم إلى جذع قبل أن يجعل المنبر، فلما جعل المنبر حن ذلك الجذع حتى سمعنا حنينه، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده عليه فسكن، يعني سكت. وهذا الحديث البخاري، لكن بهذا السند فيه ضعف، لكن أصله صحيح. قال: حدثنا محمد بن كثير، قال: حدثنا سليمان بن كثير، عن يحيى بن سعيد، عن حفص بن عبيد الله، عن جابر بن عبد الله، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إلى خشبة، فلما صنع المنبر فجلس عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حنت حنين العشار، يعني الإبل، حتى وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده عليها فسكنت. قال: وأخبرنا فروة، قال: حدثنا يحيى بن زكريا، عن أبيه، عن أبي إسحاق، ورواية أبي زكريا عن أبي إسحاق متكلم فيها، عن سعيد بن أبي كرب، ابن أبي كرب، عن جابر بن عبد الله، قال: حنت الخشبة حنين الناقة الخلوج، والناقة الخلوج التي انتزع منها ولدها. والحديث في الشواهد. قال: وأخبرنا زكريا بن عدي، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن محمد بن عطيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصل إلى جذع ويخطب إليه، إذ كان المسجد عريشا، يعني مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، أول ما بني كان عريشا. قال: فقال له رجل من أصحابه: ألا نجعل لك عريشا تقوم عليه يراك الناس يوم الجمعة وتسمع من خطبتك؟ قال: نعم. فصنع له الثلاث درجات، هن اللواتي في المنبر. فلما صنع المنبر ووضع في موضعه الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد المنبر وقف عليه، فلما جاوزه خار الجذع حتى تصدع وانشق، فرجع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسحه بيده حتى سكن، ثم رجع إلى المنبر. قال: فكان إذا صلى صلى إليه. فلما هدم المسجد أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب، فلم يزل عنده حتى بلي وأكلته الأرضة وعاد رفاتا. وهذا الحديث لبعض فقراته شواهد. وكما مر معنا أن أصل هذا الحديث صحيح، في بعض الروايات في صحيح البخاري في حنين الجذع حين تركه النبي عليه الصلاة والسلام، وفي بعضها كما في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو تركته لحن إلى يوم القيامة، لو تركته، يعني يبكي، لبقي على هذا الحال إلى يوم القيامة. وإذا كان هذا، يعني جذع جماد بكى لمفارقة النبي عليه الصلاة والسلام له، فكيف بحال البشر وبني آدم؟ لا شك أن الإنسان والمسلم والمؤمن والمحب للخير والمحب للنبي عليه الصلاة والسلام يحن لمفارقته ومفارقة سنته. لا شك أن فراقها، يعني حرمان عظيم وخسارة كبيرة، أن يفارق المسلم سنة نبيه عليه الصلاة والسلام، والذي ينبغي أن يكون المسلم ملازما لسنته عليه الصلاة والسلام. صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.