التعليق على أصول في التفسير للعثيمين  6

التعليق على أصول في التفسير للعثيمين 6

الدرس في التعليق على أصول في التفسير للعثيمين 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

عناية الله بتفريج كرب العباد

يوضح هذا المحور كيف أن معرفة أسباب النزول تكشف عناية الله بتفريج كرب العباد، مستشهداً بآية التيمم وحادثة الإفك وتوبة الثلاثة. كما يبين أن السبب يسهم في فهم الآية على وجهها الصحيح ويمنع التوهمات الخاطئة.

التدرج في التشريع والدعوة بالحكمة

يركز المحور على فائدة التدرج في التشريع كما ظهر في تحريم الخمر ومشروعية التيمم، وكيف يُستفاد منه في الدعوة بالحكمة. ويشير إلى أن نزول الآيات المناسب للوقائع يخفف عن المؤمنين ويزيل غمهم.

فهم الآيات الصحيحة ودفع التوهمات

يتناول هذا المحور دور أسباب النزول في توضيح المعنى الصحيح للآيات ودفع التوهمات، مستشهداً بآية التوبة على الثلاثة وآية الصفا والمروة. كما يبرز أهمية الاستدلال بمراحل التشريع التدرجية في منهج الدعوة.

التدرج في إنكار المنكر والدعوة بالحكمة

يشرح المحور ضرورة التدرج في إنكار المنكر والدعوة بالحكمة، مستعيناً بمثال الاختلاط والطعام المغطى والمكشوف. ويحذر من المواجهة العنيفة بلا سلطان مستفيداً من مراحل التشريع في أسباب النزول.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فوقفنا عند معرفة أسباب النزول، وذكر الشيخ رحمه الله الحكمة أو الفوائد التي يستفيدها طالب هذا الفن، معرفة أسباب النزول، وذكر سببين، أو ذكر فائدتين من فوائد أسباب النزول: الأول بيان أن القرآن نزل من الله، وذكر على ذلك الأمثلة، والثاني بيان عناية الله تعالى برسوله في الدفاع عنه، وذكر مثالا. وذكرنا أيضا بعض الأمثلة الأخرى. قال: ثالثا: من فوائد معرفة أسباب النزول بيان عناية الله تعالى بعباده في تفريج كرباتهم وإزالة غمومهم، وهذا أيضا مما يزيد الإيمان ومما كذلك يقويه في أن الله عز وجل يفرج كروبات المؤمنين بعد الشدائد، وهذا مصداقه الله عز وجل ﴿ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾، وقال الله سبحانه وتعالى ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾، وسيذكر أمثلا، ولعلنا نزيد عليها بعض الأمثلة الأخرى. قال: مثال ذلك آية التيمم، ففي أول الأمر كان لابد من الوضوء بالماء، لم يشرع التيمم، وهذا فيه مشقة على المسلمين إذا لم يجدوا الماء أو كان الماء بعيدا، كما سيأتي في ذكر هذا المثال، ففرج الله عز وجل عنهم بنزول آية التيمم. قال: ففي صحيح البخاري أنه ضاع عقد، أنه ضاع عقد لعائشة رضي الله عنها، العقد يعني الذي يلبس على الصدر ويكون في الرقبة، فضاع هذا العقد، وكان من ذهب، وهي مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم لطلبه، يعني تأخر النبي عليه الصلاة والسلام من أجل العثور والبحث على هذا العقد، قال: ﴿ وَأَقَامَ النَّاسُ عَلَى غَيْرِ مَا ﴾، يعني انتظر الناس مع النبي عليه الصلاة والسلام، وما كان يوجد ماء، ما كان يوجد ماء، فشكوا ذلك إلى أبي بكر، يعني قالوا له: نجد مشقة في وجود الماء، ما عندنا ماء في هذا المكان، فينبغي علينا أن نشد السير ونمشي، فذكر الحديث، وفيه فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا، يعني في هذا الحال نزلت آية التيمم، وكانت فسحة ورخصة للمؤمنين، فلذلك قال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، إذ أن بسبب ضياع هذا العقد كانت هذه الرخصة الشرعية العظيمة، فهذه من البركة، فهذه من البركة، فهذا فيه تفريج، فيه تفريج للمؤمنين، والحديث في البخاري مطولا، والشيخ هنا ذكر منه موضع الشاهد. وأيضا من الأمثلة على ذلك كذلك حادثة الإفك، وكانت شديدة على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى عائشة وعلى أبويها، ففرج الله بنزول آيات البراءة، هذا تفريج كذلك. حديث الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك: كعب بن مالك، ومرار بن الربيع، وهلال بن أمية، فكانوا في كرب عظيم، أليس كذلك؟ هجروا خمسين ليلة، انظر خمسين ليلة ما يكلمهم أحد، للرسول ولا الصحابة، أمر الصحابة أن لا يكلمونهم، وبعد مضي الأربعين أمر أزواجهم، أو أمرهم أن لا يقربوا أزواجهم، فانظروا إلى هذا البلاء، والأمر كما وصف الله في القرآن، ﴿ فَإِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾، كرب عظيم، صح، فنزلت آية، ماذا نزلت؟ آية التوبة: ﴿ أَنَّ اللَّهَ تَابَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾، فهذه كذلك من الأدلة على أن من فوائد معرفة أسباب النزول تفريج كربات المؤمنين. قال: رابعا: فهم الآية على الوجه الصحيح، فلربما يظن القارئ لهذه الآية دون الرجوع لسبب النزول أن معناها كذا وكذا على ظاهرها، ولكن إذا رجع إلى أسباب النزول تبين له أن معناها على خلاف ما يظن، أو على خلاف ما يفهم، وذكر على ذلك أمثلة. قال: أو مثالا، قال: مثال ذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾، قد يفهم من قوله ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾ أن الأمر للإباحة، صح، من شاء طاف ومن شاء لم يطف، قد يفهم هذا لأن رفع الحرج معناه الفعل وعدمه، صح، لكن ليس معنى الآية هذا، يجب الطواف بالسعي بين الصفا والمروة كما هو معلوم في الحج والعمرة، لكن ما المراد بهذه الآية؟ بينها سبب النزول، بينها سبب النزول. قال: أي أن يسعى بينهم، فإن ظاهر قوله ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ ﴾ أن غاية أمر السعي بينهما أن يكون من قسم المباح، من شاء فعل ومن شاء لم يفعل، لكن قال: وفي صحيح البخاري عن عاصم، عن سليمان، قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه عن الصفا والمروة، قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما، لأن أهل الجاهلية كانوا يفعلون ذلك، يسعون بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام ظن الصحابة أن هذا السعي ليس من الإسلام وإنما هو من فعل أهل الجاهلية، فتحرجوا من فعله حتى لا يشابه أهل الجاهلية، حتى لا يشابه أهل الجاهلية، فأمسكوا عن ماذا؟ عن الطواف بينهما، وتحرجوا من ذلك، قال: فأنزل الله تعالى ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ إلى قوله ﴿ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾، وبهذا عرف أن نفي الجناح ليس المراد به بيان أصل الحكم السعي، يعني من شاء سعى ومن شاء لم يسعى، لا، ليس المراد بالحرج ذلك، وإنما المراد نفي تحرجهم بإمساكهم عنه، يعني لا تتحرجوا ويكون في نفوسكم شيء من السعي بين الصفا والمروة لأن أهل الجاهلية يفعلون ذلك، لا، بل طوفوا ولا حرج عليكم في ذلك، بل يجب عليكم أن تطوفوا أو أن تسعوا بين الصفا والمروة، فإذن هذا الآن، فإذا من أين استفدنا هذا المعنى؟ استفدنا هذا المعنى من سبب النزول، من سبب النزول. وذكروا مثالا آخر وهو قول الله عز وجل: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾، فقد يفهم منه أن لا يدخل الشجاع بين الكفار لقتالهم، كما فهم بعض الصحابة ذلك، وربما عد بعض الناس أن هذا من أن يلقي بنفسه إلى التهلكة، أو أن يدخل المجاهدون في وسط الكفار، قد يقول: قال هذا من التهلكة، وليس الأمر كذلك، بل المراد بالتهلكة هنا كما جاء في سبب هذا النزول، نزول هذه الآية، أن الأنصار حدث بعضهم بعضا أنهم لو أصلحوا أموالهم وتركوا الخروج مع النبي عليه الصلاة والسلام، يعني اهتموا بزراعة الأرض والأشجار وتعمير الأرض واشتغلوا بذلك، فأنزل الله ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾، لأن هذا من الحرص على الدنيا، فجعل ذلك التهلكة، وكل ما كان بهذا المعنى مما يصدك عن الدين وعن العبادة وعن الواجبات فهو من التهلكة، أو ما يؤدي بحياتك أيضا إلى الموت والهلاك، هذا أيضا يدخل في عموم الآية، واضح هذا الآن، فكيف فهم هذا المعنى؟ بسبب النزول، واضح هذا الآن. قال: وبهذا عرف أن نفي الجناح ليس المراد فيه بيان أصل حكم السعي، وأن المراد نفي تحرجهم بإمساكهم عنه حيث كانوا يرون أنها من أمر الجاهلية، أما أصل حكم السعي فقد تبين بقوله ﴿ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾. ذكر أربعة، وذكر شيخنا الوادعي رحمه الله في مقدمة كتابه أسباب النزول فوائد لمعرفة أسباب النزول، وذكر بعض ما ذكره الشيخ ابن عثيمين، وزاد عليه من هذه الفوائد: الاستفادة من مراحل التشريع، الاستفادة من مراحل التشريع. ما معنى الاستفادة من مراحل التشريع؟ يعني أسباب النزول تبين لك التدرج في تشريع الأحكام، التدرج في تشريع الأحكام. مثال ذلك، مثلا على سبيل المثال، ما جاء في الخمر وتحريمها، فإن الشرع تدرج في تحريمها، صح، تدرج في تحريمها، فأول الأمر ذكر أن ضرها أكثر من نفعها، وهذه إشارة إلى التقليل منها، صح، كون ضرها أكثر من نفعها، ثم نهاهم عن شرب الخمر في الصلاة: ﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾، ثم جاء بماذا؟ بتحريمها: ﴿ فَانْتَهُوا ﴾، وما هو سبب ﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾؟ أن بعضهم ربما شربوا فأتوا الصلاة فلا يدري ما يقول في هذه الصلاة، فنزلت هذه الآية، وهكذا، ود الصحابة أن تحرم الخمر، وكان ذلك في نفوسهم كما جاء عن عمر، فجاء القرآن بتحريم الخمر، فإذا نستفيد من هذا، الاستفادة من مراحل التشريع، وهذا يستفيد منها الداعي لله عز وجل أنه يتدرج في دعوته ولا يأتي للناس مباشرة بما لا يستسيغونه أو لا يقبلونه مباشرة، وهذا من الحكمة، وهذا من الحكمة. فمثلا لو وجدت في مجتمع، هذا المجتمع يتعلقون بمبتدع من المبتدعين، صوفي أو حزبي أو نحو ذلك، يحبونه، وأنت الآن تريد تحذرهم منه، تدرج في بيان حال هذا الرجل لهؤلاء حتى يقبلوا تحذيرك فيما بعد، ومقصودك من ذلك في أول الأمر تأتي لهم بمسائل، مثلا تخالف ما يدعوهم إليه هذا المبتدع، دون أن تذكر اسمه، تقول مثلا: بعض الناس يقول كذا وكذا، والحق الذي دل عليه الكتاب والسنة كذا وكذا، فهم سينتبهون، إذن فلان يدرسنا خطأ، دون أن تذكر شيء، ولو مسائل فقهية، تتدرج معهم، ثم بعد ذلك مثلا تبين لهم مثلا كلام العلماء، شيء من يقول كذا وكذا، دون ذكر الاسم، فأنت تتدرج معهم، تتدرج معهم، حتى في النهاية لو ذكرت اسمه لاستساغوا ذلك لأنهم قد عرفوا مخالفاته، وقد عرفوا كلام العلماء في منهجه وطريقته، واضح هذا الآن، فهذا من الحكمة. كذلك جئت في مجتمع، فهذا من التدرج في الدعوة، يا الله، عز وجل جئت مثلا في مجتمع مبتلى بمثلا الاختلاط، اختلاط الرجال مع النساء، فأنت تتدرج معهم في إنكار هذا المنكر، فمثلا أولا تبين لهم حكم الاختلاط، وربما قبل ذلك تذكر لهم أمثلة عامية، قل لهم: لو أن طعام أحدهم مكشوف والآخر مغطى، فأيهما أحب إليكم؟ المغطى أو المكشوف الذي ربما تقع عليه الذباب والفراش؟ وأيهما أفضل؟ تتدرج معهم، سيقول الجميع: المغطى أفضل، صح، لأنه أنظف، تقول لهم: هكذا المرأة المغطاة أفضل لأنها أنظف، ما ينظر إليها أحد ولا يمسها أحد، ولا تتدرج معهم، أما من باشرة تأتي، ممنوع تجلسون اختلاط، هذا حرام، هذا كذا، وهكذا بالقوة، وأنت ما عندك استطاعة، لست واليا عليهم ولست أميرا عليهم، فلربما ضربوك، وربما أخرجوك، وزادوا في فعلهم هذا، فإذا تتدرج معهم، تتدرج معهم، فكما ذكر الشيخ أن من فوائد أسباب النزول الاستفادة من مراحل التشريع، الاستفادة من مراحل التشريع. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا.الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فوقفنا عند معرفة أسباب النزول، وذكر الشيخ رحمه الله الحكمة أو الفوائد التي يستفيدها طالب هذا الفن، معرفة أسباب النزول، وذكر سببين، أو ذكر فائدتين من فوائد أسباب النزول: الأول بيان أن القرآن نزل من الله، وذكر على ذلك الأمثلة، والثاني بيان عناية الله تعالى برسوله في الدفاع عنه، وذكر مثالا. وذكرنا أيضا بعض الأمثلة الأخرى. قال: ثالثا: من فوائد معرفة أسباب النزول بيان عناية الله تعالى بعباده في تفريج كرباتهم وإزالة غمومهم، وهذا أيضا مما يزيد الإيمان ومما كذلك يقويه في أن الله عز وجل يفرج كروبات المؤمنين بعد الشدائد، وهذا مصداقه الله عز وجل ﴿ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾، وقال الله سبحانه وتعالى ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾، وسيذكر أمثلا، ولعلنا نزيد عليها بعض الأمثلة الأخرى. قال: مثال ذلك آية التيمم، ففي أول الأمر كان لابد من الوضوء بالماء، لم يشرع التيمم، وهذا فيه مشقة على المسلمين إذا لم يجدوا الماء أو كان الماء بعيدا، كما سيأتي في ذكر هذا المثال، ففرج الله عز وجل عنهم بنزول آية التيمم. قال: ففي صحيح البخاري أنه ضاع عقد، أنه ضاع عقد لعائشة رضي الله عنها، العقد يعني الذي يلبس على الصدر ويكون في الرقبة، فضاع هذا العقد، وكان من ذهب، وهي مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم لطلبه، يعني تأخر النبي عليه الصلاة والسلام من أجل العثور والبحث على هذا العقد، قال: ﴿ وَأَقَامَ النَّاسُ عَلَى غَيْرِ مَا ﴾، يعني انتظر الناس مع النبي عليه الصلاة والسلام، وما كان يوجد ماء، ما كان يوجد ماء، فشكوا ذلك إلى أبي بكر، يعني قالوا له: نجد مشقة في وجود الماء، ما عندنا ماء في هذا المكان، فينبغي علينا أن نشد السير ونمشي، فذكر الحديث، وفيه فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا، يعني في هذا الحال نزلت آية التيمم، وكانت فسحة ورخصة للمؤمنين، فلذلك قال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، إذ أن بسبب ضياع هذا العقد كانت هذه الرخصة الشرعية العظيمة، فهذه من البركة، فهذه من البركة، فهذا فيه تفريج، فيه تفريج للمؤمنين، والحديث في البخاري مطولا، والشيخ هنا ذكر منه موضع الشاهد. وأيضا من الأمثلة على ذلك كذلك حادثة الإفك، وكانت شديدة على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى عائشة وعلى أبويها، ففرج الله بنزول آيات البراءة، هذا تفريج كذلك. حديث الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك: كعب بن مالك، ومرار بن الربيع، وهلال بن أمية، فكانوا في كرب عظيم، أليس كذلك؟ هجروا خمسين ليلة، انظر خمسين ليلة ما يكلمهم أحد، للرسول ولا الصحابة، أمر الصحابة أن لا يكلمونهم، وبعد مضي الأربعين أمر أزواجهم، أو أمرهم أن لا يقربوا أزواجهم، فانظروا إلى هذا البلاء، والأمر كما وصف الله في القرآن، ﴿ فَإِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾، كرب عظيم، صح، فنزلت آية، ماذا نزلت؟ آية التوبة: ﴿ أَنَّ اللَّهَ تَابَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾، فهذه كذلك من الأدلة على أن من فوائد معرفة أسباب النزول تفريج كربات المؤمنين. قال: رابعا: فهم الآية على الوجه الصحيح، فلربما يظن القارئ لهذه الآية دون الرجوع لسبب النزول أن معناها كذا وكذا على ظاهرها، ولكن إذا رجع إلى أسباب النزول تبين له أن معناها على خلاف ما يظن، أو على خلاف ما يفهم، وذكر على ذلك أمثلة. قال: أو مثالا، قال: مثال ذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾، قد يفهم من قوله ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾ أن الأمر للإباحة، صح، من شاء طاف ومن شاء لم يطف، قد يفهم هذا لأن رفع الحرج معناه الفعل وعدمه، صح، لكن ليس معنى الآية هذا، يجب الطواف بالسعي بين الصفا والمروة كما هو معلوم في الحج والعمرة، لكن ما المراد بهذه الآية؟ بينها سبب النزول، بينها سبب النزول. قال: أي أن يسعى بينهم، فإن ظاهر قوله ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ ﴾ أن غاية أمر السعي بينهما أن يكون من قسم المباح، من شاء فعل ومن شاء لم يفعل، لكن قال: وفي صحيح البخاري عن عاصم، عن سليمان، قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه عن الصفا والمروة، قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما، لأن أهل الجاهلية كانوا يفعلون ذلك، يسعون بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام ظن الصحابة أن هذا السعي ليس من الإسلام وإنما هو من فعل أهل الجاهلية، فتحرجوا من فعله حتى لا يشابه أهل الجاهلية، حتى لا يشابه أهل الجاهلية، فأمسكوا عن ماذا؟ عن الطواف بينهما، وتحرجوا من ذلك، قال: فأنزل الله تعالى ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ إلى قوله ﴿ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾، وبهذا عرف أن نفي الجناح ليس المراد به بيان أصل الحكم السعي، يعني من شاء سعى ومن شاء لم يسعى، لا، ليس المراد بالحرج ذلك، وإنما المراد نفي تحرجهم بإمساكهم عنه، يعني لا تتحرجوا ويكون في نفوسكم شيء من السعي بين الصفا والمروة لأن أهل الجاهلية يفعلون ذلك، لا، بل طوفوا ولا حرج عليكم في ذلك، بل يجب عليكم أن تطوفوا أو أن تسعوا بين الصفا والمروة، فإذن هذا الآن، فإذا من أين استفدنا هذا المعنى؟ استفدنا هذا المعنى من سبب النزول، من سبب النزول. وذكروا مثالا آخر وهو قول الله عز وجل: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾، فقد يفهم منه أن لا يدخل الشجاع بين الكفار لقتالهم، كما فهم بعض الصحابة ذلك، وربما عد بعض الناس أن هذا من أن يلقي بنفسه إلى التهلكة، أو أن يدخل المجاهدون في وسط الكفار، قد يقول: قال هذا من التهلكة، وليس الأمر كذلك، بل المراد بالتهلكة هنا كما جاء في سبب هذا النزول، نزول هذه الآية، أن الأنصار حدث بعضهم بعضا أنهم لو أصلحوا أموالهم وتركوا الخروج مع النبي عليه الصلاة والسلام، يعني اهتموا بزراعة الأرض والأشجار وتعمير الأرض واشتغلوا بذلك، فأنزل الله ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾، لأن هذا من الحرص على الدنيا، فجعل ذلك التهلكة، وكل ما كان بهذا المعنى مما يصدك عن الدين وعن العبادة وعن الواجبات فهو من التهلكة، أو ما يؤدي بحياتك أيضا إلى الموت والهلاك، هذا أيضا يدخل في عموم الآية، واضح هذا الآن، فكيف فهم هذا المعنى؟ بسبب النزول، واضح هذا الآن. قال: وبهذا عرف أن نفي الجناح ليس المراد فيه بيان أصل حكم السعي، وأن المراد نفي تحرجهم بإمساكهم عنه حيث كانوا يرون أنها من أمر الجاهلية، أما أصل حكم السعي فقد تبين بقوله ﴿ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾. ذكر أربعة، وذكر شيخنا الوادعي رحمه الله في مقدمة كتابه أسباب النزول فوائد لمعرفة أسباب النزول، وذكر بعض ما ذكره الشيخ ابن عثيمين، وزاد عليه من هذه الفوائد: الاستفادة من مراحل التشريع، الاستفادة من مراحل التشريع. ما معنى الاستفادة من مراحل التشريع؟ يعني أسباب النزول تبين لك التدرج في تشريع الأحكام، التدرج في تشريع الأحكام. مثال ذلك، مثلا على سبيل المثال، ما جاء في الخمر وتحريمها، فإن الشرع تدرج في تحريمها، صح، تدرج في تحريمها، فأول الأمر ذكر أن ضرها أكثر من نفعها، وهذه إشارة إلى التقليل منها، صح، كون ضرها أكثر من نفعها، ثم نهاهم عن شرب الخمر في الصلاة: ﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾، ثم جاء بماذا؟ بتحريمها: ﴿ فَانْتَهُوا ﴾، وما هو سبب ﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾؟ أن بعضهم ربما شربوا فأتوا الصلاة فلا يدري ما يقول في هذه الصلاة، فنزلت هذه الآية، وهكذا، ود الصحابة أن تحرم الخمر، وكان ذلك في نفوسهم كما جاء عن عمر، فجاء القرآن بتحريم الخمر، فإذا نستفيد من هذا، الاستفادة من مراحل التشريع، وهذا يستفيد منها الداعي لله عز وجل أنه يتدرج في دعوته ولا يأتي للناس مباشرة بما لا يستسيغونه أو لا يقبلونه مباشرة، وهذا من الحكمة، وهذا من الحكمة. فمثلا لو وجدت في مجتمع، هذا المجتمع يتعلقون بمبتدع من المبتدعين، صوفي أو حزبي أو نحو ذلك، يحبونه، وأنت الآن تريد تحذرهم منه، تدرج في بيان حال هذا الرجل لهؤلاء حتى يقبلوا تحذيرك فيما بعد، ومقصودك من ذلك في أول الأمر تأتي لهم بمسائل، مثلا تخالف ما يدعوهم إليه هذا المبتدع، دون أن تذكر اسمه، تقول مثلا: بعض الناس يقول كذا وكذا، والحق الذي دل عليه الكتاب والسنة كذا وكذا، فهم سينتبهون، إذن فلان يدرسنا خطأ، دون أن تذكر شيء، ولو مسائل فقهية، تتدرج معهم، ثم بعد ذلك مثلا تبين لهم مثلا كلام العلماء، شيء من يقول كذا وكذا، دون ذكر الاسم، فأنت تتدرج معهم، تتدرج معهم، حتى في النهاية لو ذكرت اسمه لاستساغوا ذلك لأنهم قد عرفوا مخالفاته، وقد عرفوا كلام العلماء في منهجه وطريقته، واضح هذا الآن، فهذا من الحكمة. كذلك جئت في مجتمع، فهذا من التدرج في الدعوة، يا الله، عز وجل جئت مثلا في مجتمع مبتلى بمثلا الاختلاط، اختلاط الرجال مع النساء، فأنت تتدرج معهم في إنكار هذا المنكر، فمثلا أولا تبين لهم حكم الاختلاط، وربما قبل ذلك تذكر لهم أمثلة عامية، قل لهم: لو أن طعام أحدهم مكشوف والآخر مغطى، فأيهما أحب إليكم؟ المغطى أو المكشوف الذي ربما تقع عليه الذباب والفراش؟ وأيهما أفضل؟ تتدرج معهم، سيقول الجميع: المغطى أفضل، صح، لأنه أنظف، تقول لهم: هكذا المرأة المغطاة أفضل لأنها أنظف، ما ينظر إليها أحد ولا يمسها أحد، ولا تتدرج معهم، أما من باشرة تأتي، ممنوع تجلسون اختلاط، هذا حرام، هذا كذا، وهكذا بالقوة، وأنت ما عندك استطاعة، لست واليا عليهم ولست أميرا عليهم، فلربما ضربوك، وربما أخرجوك، وزادوا في فعلهم هذا، فإذا تتدرج معهم، تتدرج معهم، فكما ذكر الشيخ أن من فوائد أسباب النزول الاستفادة من مراحل التشريع، الاستفادة من مراحل التشريع. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا.