التعليق على مقدمة سنن الدارمي 51

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 51، ألقاها

أهمية اتباع سبيل المؤمنين

يوصي ابن مسعود بالسير على نهج السلف الصالح ويحذر من مخالفته، مؤكدًا أن الصحابة كانوا على الهدى المستقيم. اتباع سبيل المؤمنين يحقق الاستقامة على دين الله.

أسباب هدم الإسلام وآثاره

ذكر عمر بن الخطاب ثلاثة أسباب لهدم الإسلام وهي زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب وحكم الأئمة المظلين. هذه الأسباب تؤدي إلى ضلال الناس وتشكيكهم في دينهم.

التوسط والاقتصاد في الدين

يُناقش أهمية التمسك بالسنة والاقتصاد فيها مع التحذير من الغلو أو التفريط، ويوصي بالتوسط في الدين وعدم التشديد. التوسط يحقق السداد والمقاربة في العبادة والطاعة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب بابٌ في كراهية أخذ الرأي، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن واصل عن امرأة يقال لها عائدة، قالت: رأيت ابن مسعود يوصي الرجال والنساء ويقول: «من أدرك منكم من امرأة أو رجل فالسمت الأول، فإنكم على الفطرة». قال عبد الله: السمت الطريق. وهذا الأثر صحيح، فعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه كان يوصي الرجال والنساء بالسير على ما كان عليه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. فيقول: «من أدرك منكم من امرأة أو رجل فالسمت الأول، فإنكم على الفطرة»، يعني كونوا على ما كان عليه السلفكم ومن سبقكم من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، بسلوك طريقهم والسير على ما كان عليه في باب العقيدة، في باب العبادة، وفي غيرها من الأبواب، لأن ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم فهو الحق والهدى الذي ينبغي اتباعه والسير على طريقه. والله عز وجل يقول: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا﴾، ويقول جل وعلا: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾، فقوله جل وعلا: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾، يعني غير ما كان عليه أهل الإيمان، ومن اتفقوا عليه، وأول من ينقل في ذلك الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا خير هذه الأمة، وكما مر معنا أثر ابن مسعود في حثه على اتباع الصحابة رضوان الله عليهم، بأنهم خير هذه الأمة، فهم أفقاهم علما، وأرقهم قلوبا، وأقلهم تكلفا، قوم نصطفاهم لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام، فكانوا على الهدى المستقيم، شاهدوا التنزيل، وعاشوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، سمعوا منه القرآن، وسمعوا منه السنة، وجاهدوا معه، فهم أعلم الناس بدين الله جل وعلا، بل إنهم الواسطة بيننا وبين النبي عليه الصلاة والسلام في معرفة هذا الدين. فلا شك أن الهدى والسداد والاستقامة بالسير على ما كانوا عليه رضي الله تعالى عنهم. والشاهد من ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أهل علم وفق يجيبون بما يعلمون من كتاب الله جل وعلا، من سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ولم يكونوا أهل آراء واتباع للأهواء. فلأجل ذلك فكما سمعنا، فالهدى والخير والسداد والصلاح والاستقامة بالسير على طريقهم. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن عيينة قال: أخبرنا علي وابن مصر عن أبي إسحاق عن الشعبي عن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: «هل تعرف ما يهدم الإسلام؟» قال: قلت: لا، قال: «يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المظلين». وهذا الأثر صحيح، وزياد بن حدير تابعي وثقة، سمع من عمر وعلي. يقول: قال لي عمر -أي الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه-: «هل تعرف ما يهدم الإسلام؟» قال الطيبي رحمه الله: المراد بقوله الإسلام هنا أركان الإسلام، يعني ما يضيع ويذهب بمعالم الإسلام الظاهرة، وهي أركانه: الشهادتين، إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصيام، والحج، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس». قال: قلت: لا، قال: «يهدمه زلة العالم»، يهدمه زلة العالم، زلة العالم يعني خطأه وزلته التي يقع فيها بتقصير منه، يقع فيها بتقصير منه، وذلك أن العالم محل قدوة واقتداء، فإذا زل وأخطأ لربما زل بسبب زلته الكثير من الناس ممن يقتدي به وممن يتبعه ويأخذ بقوله، فلذلك زلته لها أثر عظيم في ضلال كثير من الناس. وهذا كما قلنا خاصا إذا حصلت على جهة التقصير والتفريط، بخلاف ما قد يحصل من العالم يعني خطأ عن غير قصر، فهذا يغفر له إن اجتهد فأخطأ، له أجر على اجتهاده وخطأه مغفور. لكن المقصود أن يحصل منه الزلة بتقصير منه أو بتفريط أو كذلك يعني بتقصير، فهذا الذي يكون سببا في هدم الإسلام، كأن يعني يفتي مثلا على خلاف الصواب لهوى في نفسه، أو كذلك أيضا يتكلم بقول كذلك خلاف الحق والهدى لشيء في نفسه. قال: «وجدال المنافق بالكتاب»، جدال المنافق بالكتاب، المراد بالمنافق الذي يظهر السنة ويخفي البدعة، يظهر السنة ويخفي البدعة، فيأتي يجادل في كتاب الله جل وعلا ويستدل مثلا بالآيات المتشابهة، فهذا كذلك أيضا يهدم الإسلام، فيظهر مثلا أن القرآن فيه تناقض أو أن القرآن فيه آيات متعارضة، وأن الصواب خلاف ما دلت عليه هذه الآيات، ونحو ذلك مما قد يقوم يقع فيه من الجدال، فيشكك الناس في كتاب ربهم. وهذا لا شك أيضا أنه معول الهدم للإسلام، وكذلك أيضا يعني تزهيدا في السنة وذما لها ونحو ذلك. وخص الكتاب لأن الجدال فيه أعظم، الجدال في كتاب الله جل وعلا أعظم لأنه قد يوصل إلى حد الكفر، قد يوصل إلى حد الكفر. قال: «وحكم الأئمة المظلين»، يعني كذلك مما يهدم الإسلام حكم الأئمة المظلين، وهذا عام، وكأنه المراد به هنا وكأنه المراد به هنا بالأئمة يعني الإمام العام الحاكم والرئيس. بعد أن ذكر العالم ذكر هنا حكم الأئمة المظلين، يعني المائلين عن الحق إلى الباطل، فهذا أيضا مما يهدم الإسلام، عندما يكون إمام المسلمين وحاكمهم على ضلال، فإذا حكم بشيء وهو له النفوذ وله القوة وله الشوكة، لا شك أن هذا سيؤثر في يعني عامة الناس بما له من قوة السلطان، فيكون فيه كذلك هدم للإسلام. قال رحمه الله: أخبرنا هارون قال: عن حفص عن ابن غياث عن ليث، ومن يبي سليم -ضعيف- عن الحكم عن محمد بن علي قال: «لا تجالسوا أصحاب الخصومات، فإنهم يخوضون في آيات الله». هذا الأثر ضعيف. قال: أخبرنا الحسين بن منصور قال: حدثنا أبو أسامة عن مبارك -وهو نضالة وهو ثقة إلا أنه مدلس، فإذا دلس رواية العنعنة فإنه يضعف حديثه وروايته- قال: عن الحسن. وهنا رواية العنعنة، قال: «سنتكم -والله الذي لا إله إلا هو- بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الإطراف في إطرافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك -إن شاء الله- فكونوا». الأثر بهذا السند لا يصح، لكن أصل هذا الأثر أو ما ورد فيه قد صح وثبت عن جماعة من أهل العلم. معنى ما في هذا الأثر من الحث على الاقتصاد في السنة، كقول ابن مسعود رضي الله عنه: «اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة». فكون الإنسان يكون وسطا في السنة من غير إفراط أو تفريط، فهذا هو المطلوب، فيكون المرء في السنة بين الغالي والجافي، بين الغالي أي من عنده غلو وإفراط حتى يصل به الحد إلى الوقوع في البدعة بسبب يعني الغلو والتشدد. وكذلك أيضا بين المفرط المغفل للسنة، المميع لها، فالأمر وسط، خير الأمور أوساطها. وهكذا أيضا تواصي أهل السنة بعضهم ببعض، فإن أهل السنة قليل، قالت: لأنه أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، وهذا أيضا قال جماعة من السلف: ما أوصى أو تواصى بها أهل السنة خيرا، فإنهم غرباء، فإنهم غرباء. وهكذا أيضا الصبر على السنة في لزومها والتمسك بها والدعوة إليها والعمل بها، هذا كذلك أيضا أمر مطلوب. قال رحمه الله: أخبرنا موسى بن خالد قال: حدثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن عمارة ومالك بن الحارث عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله -أي ابن مسعود- قال: «القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة». وهذا الأثر حسن. القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة، يعني كون الإنسان اقتصد في السنة فيعمل في السنة وإن كان بشيء يسير، هذا خير من أن يجتهد فيقع في البدعة. فمثلا في باب الصيام لو أن الإنسان اقتصر على أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، هذا خير كبير، هذا عمل بالسنة، اقتصاد بالسنة، يعني الصيام مستحب، فكونه يصوم ثلاثة أيام من كل شهر فقط، هذا أمر حسن، خير من أن يجتهد فيوقع نفسه في البدعة. كأن يصوم مثلا الدهر كله، هذا خلاف السنة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا صام من صام الدهر». أو هكذا أيضا في باب الصلاة وقيام الليل، لو أنه قصد على أن يقوم جزءا من الليل أو يصلي ما يتيسر من الليل ويستمر على ذلك، هذا خير كبير، أفضل من أن يجتهد فيوقع نفسه في مخالفة السنة. كمن مثلا يقوم الليل كله كل يوم، ويحرم على نفسه النوم، ويمنع نفسه من النوم، هذا خلاف السنة، أو قد يصل به الحال إلى إحداث في دين الله جل وعلا ما ليس منه، كإحداث الموالد أو بعض الأدعية والأذكار المحدثة بقصد التقرب إلى الله جل وعلا، هؤلاء اجتهدوا فوقعوا في البدعة. فاقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة، عمل قليل موافق للسنة خير من عمل كثير مخالف لها. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «سددوا وقاربوا، القصد القصد تبلغوا»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «إن هذا الدين يسر، وليشاد الدين أحد إلا غلبه»، وليشاد الدين أحد إلا غلبه، يعني من شدد على نفسه وشدد وأتعب نفسه وكلفها فوق طاقتها، فإنه سيكون في آخر أمره التفريط والتضييع والترك والإهمال. لذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم على المقاربة والسداد، السداد والمقاربة والاقتصاد في العبادة والطاعة، كما أوصى بذلك جمع من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. هذا الأثر آخر الأثر في هذا الباب، في باب كراهية الأخذ بالرأي. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله.

شاركنا على