شرح لمعة الإعتقاد 16

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 16، ألقاها

مقدمة في الرد على الجبرية والقدرية

يتناول المقطع الأول الرد على الجبرية والقدرية، موضحًا أن أفعال العباد مخلوقة لله ولكن العبد يفعلها باختياره. يُظهر أن الشر من خلق الله لحكمة.

تفصيل الرد على القدرية ومفهوم القضاء والقدر

يشرح المقطع الثاني الرد على القدرية ويوضح الفرق بين القضاء والمقضي، ويبين أن الإيمان بالقضاء والقدر لا يبرر ارتكاب الذنوب. يُظهر أن الله لا يحب المعاصي وإنما أرادها كونًا.

تأكيد الرد على الجبرية والقدرية وبيان الإرادة الإلهية

المقطع الثالث يشرح مفهوم القدر والإرادة الإلهية وعلاقتها بأفعال العباد، ويرد على الجبرية والقدرية. يُظهر أن العبد له إرادة واختيار في أفعاله، وأن الله خلق العبد وأفعاله.

الإيمان بالقضاء والقدر كأمر غيبي

المقطع الأخير يؤكد على أن القدر من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها دون خوض أو تساؤل. يُظهر ضرورة الإيمان به وعدم مناقشته بالعقل.

  • 20 جمادى الأولى 1439هـ - 05/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، ذكرنا في الدرس الماضي شيئًا مما يتعلق بباب القضاء والقدر، وأنه ظل في هذا الباب القدرية النفاة والجبرية الغلاة. والقدرية النفاة على قسمين، منهم غلاة القدرية، غلاة القدرية الذين نفوا العلم، نفوا العلم عن الله جل وعلا، وقالوا إن الله جل وعلا لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه. وهؤلاء كفرهم السلف، رب العالمين، الله تعالى، عليه من الصحابة ومن بعدهم. وهم الذين تبرأ منهم ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، كما في صحيح الإمام مسلم، حين قال: أخبرهم أني منهم بريء، وأنهم مني براء. وهؤلاء، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: ناظرهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوا به كفروا. وهذه الطائفة من القدرية ذكر العلماء أنهم انقرضوا، وبقي النوع الآخر من القدرية، وهم غير الغلاة، الذين يثبتون العلم، لكن ينفون الخلق أو المشيئة. وهؤلاء ظلال، ذكر المؤلف رحمه الله بعض الآيات والأحاديث الواردة في هذا الباب. ومن هذه الأحاديث حديث ابن عمر في حديث جبريل المشهور، والشاهد منه قوله عليه الصلاة والسلام حين أخبر عن الإيمان، ذكر من أركان الإيمان أن تؤمن بالقدر خيره وشره. قال جبريل: صدقت، يعني أن الخير والشر كله من عند الله، ومن خلق الله جل وعلا، وأن الله جل وعلا قضاه وقدره. وهذا فيه رد على الجبرية والقدرية. فالجبرية قالوا: إن العبد مجبور، فيفعل الشيء بلا استطاعة ولا قدرة، وإنما هو غير مخير، إنما هو مأمور بذلك ومسير. والقدرية الذين قالوا بأن فعل العبد لا مشيئة لله جل وعلا فيه، وأن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، وهذا أيضًا قول باطل. فإن الخير والشر من خلق الله جل وعلا، وفعل العبد له يفعله باختياره واكتسابه، يفعله باختياره وإرادته، وليس هو مجبورًا على ذلك، ولا كذلك أيضًا هو خالق لفعله، بل الله جل وعلا الخالق لأفعال العباد، كما قال الله جل وعلا: ﴿الله خالق كل شيء﴾، وقال سبحانه: ﴿الله خلقكم وما تعملون﴾. وفي الحديث السالف عند البخاري في خلق أفعال العباد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله خلق كل صانع وصنعته». إذن أفعال العباد مخلوقة، ومنها الشر، الشر من خلق الله، لكن ليس من فعل الله الشر، وليس في أفعال الله سبحانه وتعالى الشر. وكل أفعال الله جل وعلا خير، كل أفعال الله سبحانه وتعالى خير، حتى الشر الذي خلقه الله جل وعلا خلقه لحكمة ولغاية، ليس في خلق الله جل وعلا شر محض، ليس في خلق الله جل وعلا شر محض. حتى النار التي خلقها الله جل وعلا خلقها لحكمة، يخوف بها العباد وينذرهم عقابه وعذابه حتى يستجيبوا له ويؤمنوا به ويطيعوه. إبليس الذي هو من رؤوس الكفر والطواغيت خلقه الله جل وعلا لحكمة، يبتلي به العباد لينظر من يطيعه ومن يعصيه. وهكذا سائر المخلوقات، فالشر من خلق الله، لكن لا ينسب إلى الله جل وعلا فعلًا، وإنما ينسب إلى الله خلقًا وإيجادًا. وإنما الذي يفعل الشر هو العبد الذي يفعله بنفسه، وهو ينسب إلى الله خلقًا وإيجادًا، لا ينسب إليه فعلًا. ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام من دعائه أنه كان يقول: «والشر ليس إليك»، يعني لا ينسب إليك خلقًا، لا ينسب إليك فعلًا، فليس في أفعال الله جل وعلا شر، مع كون الله جل وعلا هو خالق الخير والشر. ولهذا القدرية لما ظلوا في هذا الباب نفوا خلق الله جل وعلا للشر، حتى إن بعض القدرية، كواصل بن عطاء، كان إذا قرأ قول الله عز وجل: ﴿من شر ما خلق﴾ يقرأها بتنوين الراء «من شرٍ ما خلق»، الآية فيها الاستعاذة من شر ما خلقه الله جل وعلا من المخلوقات، «قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق»، ما موصولة بمعنى الذي، أي من شر الذي خلقه الله. فيأتي ينوّن الراء ويجعل «ما» نافية بدل أن تكون موصولة «من شر ما خلق»، يعني ما خلق الله الشر. انظروا كيف إلى الظلال حتى جعله يحرّف آيات القرآن. وهكذا أيضًا ذكر أن قدريًا قال لرجل سني: «سبحان من تنزه عن الفحشاء»، ظهر من هذه العبارة إذا سمعها الإنسان يقول أنه أراد أن ينزه الله، وهو أراد أن ينفي خلق الله جل وعلا للشر. ففطن لذلك السني فقال: «سبحان من يقع في ملكه ما يشاء». قال: «أو يحب ربنا أن يعصى؟» فقال السني: «أو يعصى ربنا قهرًا؟» يعني يقول هذا القدري: هل الله عز وجل يحب المعاصي؟ فقال السني: وهل يعصى ربنا جل وعلا قهرًا أم يفعل العبد المعصية بخياره؟ والله عز وجل لا يحب الشر ولا يحب المعاصي والذنوب، وإنما أرادها كونًا ولم يردها شرعًا. قال: «فإن منعني الهدى وقضى علي بالردى، أأحسن إلي أم أساء؟» فقال السني: «إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له فإنه يفعل في ملكه ما يشاء». فخصم السني هذا القدري. فالمقصود أن العبد يؤمن بأن الخير والشر كله من خلق الله سبحانه وتعالى. ولهذا عد القدرية من مجوس هذه الأمة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام قال عليه الصلاة والسلام: «القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشيعوهم»، والحديث ثابت بطرقه. لماذا مجوس هذه الأمة؟ لأن المجوس أثبتوا خالقين، خالق الخير، خالق النور، وخالق الشر أو خالق الظلمة، خالق النور وخالق الظلمة. قالوا: الخير خالق النور، والشر خالق الظلمة. وهؤلاء المجوس القدرية أثبتوا أكثر من خالقين، خالق الخير الله، وخالق الشر هو العبد، فجعلوا كل عبد هو خالق لفعله، فلذلك سموا بمجوس هذه الأمة. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره»، هذا الحديث بهذا اللفظ فيه ضعف. قال: ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي علمه الحسن من علي يدعو به في قنوت الوتر: «وقيني شر ما قضيت»، الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم من أهل السنن، وهو صحيح. كان يدعو النبي عليه الصلاة والسلام أو علم الحسن من علي أن يدعو في قنوت الوتر بهذا الدعاء: «اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وقيني شر ما قضيت»، وقيني شر ما قضيت، يعني شر المقضي، للقضاء قضاء الله جل وعلا كله خير، قضاء الله جل وعلا كله خير. أما المقضي فمنه ما هو خير، ومنه ما هو شر، أي بالنسبة للعبد. فإذا كان قضاء الله جل وعلا للعبد بالرزق والولد والمال والصحة والعافية، فهذا خير في القضاء وخير في المقضي. وإذا كان قضاء الله جل وعلا على العبد بشيء من المصائب وشيء من المحن، فهو خير في القضاء، وشر في المقضي بالنسبة للعبد، لما قضاه الله عز وجل عليه، فهو شر بالنسبة له. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو بهذا الدعاء، وعلم الحسن يدعو به «وقني شر ما قضيت»، ما موصولة بمعنى الذي، أي وقني شر الذي قضيته، أي المقضي مما قضاه الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل. قال الله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾. أراد أن يبين رحمه الله أن كون الخير والشر من قضاء الله جل وعلا، وأن الأمور كلها بيد الله، الأمور كلها بيد الله، وأن الله جل وعلا قد قدر مقادير الخلائق، لا يجعل قضاء الله وقدره حجة في ترك الأوامر واجتناب النواهي، فيترك الواجبات والطاعات ويفعل المعاصي والذنوب ويقول: قدر الله علي. ويحتج بالقدر على ذلك، فيقول: يجب أن نؤمن ونعلم أن لله جل وعلا علينا حجة، ولذلك أنزل الله جل وعلا الكتب وأرسل جل وعلا الرسل. ثم إن الله جل وعلا أضاف فعل العبد إلى نفسه، أضاف فعل العبد إلى نفسه، وأنه ما يعمله فهو من كسبه، كما قال جل وعلا: ﴿اليوم تجزى كل نفس بما كسبت﴾، يعني بنفسها بما عملته. فدل هذا على أن الإنسان يعمل الشيء بماذا؟ بكسبه واختياره. وكذلك أيضًا أن الله جل وعلا أمر العبد أوامر ونهاه عن نواهي، ولم يكلفه شيئًا فوق قدرته واسطاعته، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. ولو كان العبد يفعل الشيء بغير اختياره لكان يفعل الشيء بغير استطاعته وقدرته، وهذا منافي لما أخبر الله سبحانه وتعالى به أنه لا يفعل الشيء إلا باستطاعته وإما هو في قدرته وكذلك إمكانه. وهكذا أيضًا أن فعل العبد المعصية قبل أن يفعلها ما يدري من الذي قدر له عند الله جل وعلا؟ لماذا هذا العاصي الذي يحتج بالمعصية لا يسلك طريق الهدى والصلاح والخير والاستقامة ويقول: قدر الله علي أن أكون من أهل الهدى وأن نكون مستقيما ومهتديا؟ فلماذا يحتج بالقدر على فعل المعاصي؟ وزد على ذلك أيضًا أن الإنسان يفرق بين فعله للشيء على جهة الاختيار والإرادة، وفعله الشيء على جهة الإكراه وعدم القدرة، ففرق بين هذا وهذا. وهكذا أيضًا لو أن إنسانًا اعتدى على هذا المحتج بالقدر على المعاصي في ماله أو في نفسه، لو جاء شخص ولطم هذا المحتج بالقدر على المعاصي والذنوب أو أخذ ماله وقال: قضى الله علي بذلك، هل يرضى بذلك ويسلم له؟ الجواب: لا. إذا احتجاجه بالقدر باطل على فعله الذنوب والمعاصي. وكذا أيضًا أن الله جل وعلا أرسل الرسل لقطع الحجة على العباد، لألا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. ولو كانوا لو كان العباد ليس لهم قدرة واختيار، وأنهم يفعلون ما يفعلون من الذنوب والمعاصي محتجين بالقدر على ذلك، وأنهم ملزمون على فعلها، لكان لهم حجة عند الله جل وعلا فيقول: يا رب، أنت قضيت علينا بذلك وكتبت علينا ذلك. لكن الله جل وعلا ما جعل هذا حجة للعبد، بل أرسل الرسل وأنزل الكتب، وأبان طريق الهدى من طريق الضلال، وهديناه النجدين، إن هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا، ليسلك أحد الطريقين باختياره وإرادته. فإن سلك طريق الهدى كان من أهله وجوزي بجزاء المهتدين، وإن سلك طريق الردى سلكه بإرادته واختياره، وكان له جزاء الظالمين والكافرين. قال: ونعلم أن الله سبحانه وتعالى ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحدًا على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة. قال الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، وقال الله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، وقال تعالى: ﴿اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم﴾. فدل على أن للعبد فعلًا وكسبًا يجزى على حسنه بالثواب وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره. فالله جل وعلا أمر العبد، نهاه بنواهي، وأمره بأوامر، وأخبر بأن ذلك في استطاعة العبد وقدرته، وأنه لم يجبر أحدًا على فعل المعصية، ولا اضطر العبد إلى ترك الطاعة، بل جعل ذلك باختياره وإرادته. ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، إذا إنسان عنده استطاعة في تقوى الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي. لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، دل هذا على أنه يفعل الشيء باختياره وإرادته. ولو كان مجبرًا لكان يفعل الشيء بغير وسعه، وهذا مخالف لما أخبر الله سبحانه وتعالى به. وهكذا اليوم تجزى كل نفس بما كسبت، فنسب الأعمال والأفعال إلى فاعلها وهو العبد، وأنها من كسبه، فدل هذا على أنه فعلها باختياره وإرادته، حتى إنه يجزى بالحسنات بالثواب، ويجزى على السيئات بالعقاب. فوكون هذه الأفعال مخلوقة لله جل وعلا لا ينافي أن يفعلها العبد باختياره وإرادته، وذلك أن العبد نفسه وأفعاله التي هي من صفاته كلها مخلوقة لله جل وعلا. فالله عز وجل خلق العبد وخلق أفعاله، فهي مخلوقة لله جل و الله خالق الأسباب والمسببات، خالق جل وعلا الأسباب والمسببات. وأفعال العبد صادر منه بإرادة قلبية وقوة بدنية، ويفعل الشيء وقد أراده بقلبه ونواه وعزم على فعله، ثم يفعله ببدنه بقوته وإرادته واختياره. إذن هو ليس مجبرًا على فعل ما يفعل، وإنما يفعله باختياره. والله عز وجل هو الخالق لهذه الأسباب التي يفعلها العبد، كما أنه جل وعلا هو الخالق للمسببات. وعلى كل فيؤمن العبد بأن جميع الأشياء وجميع المخلوقات فهي من خلق الله سبحانه وتعالى. وهذا الذي ظل فيه القدرية والجبرية أنهم قالوا: كيف يقدر الله جل وعلا الشر والذنوب والمعاصي ويخلقها جل وعلا ثم يعاقب العبد عليها؟ والله عز وجل لا يحب الذنوب والمعاصي والكفر، كما قال سبحانه: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾. فلذلك وقعوا في هذه البدعتين، بدعة الجبر وبدعة القدر. فالجبرية نفوا المشيئة عن العبد، وقالوا: لا مشيئة للعبد. والقدرية أثبتوا المشيئة للعبد، نفوها عن الله، وجعلوا للعبد مشيئة مستقلة عن مشيئة الله جل وعلا. وكلا الطائفتين على خطأ. ويرد عليهم بقول الله جل وعلا: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾. فقوله جل وعلا: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾، هذا فيه رد على الجبرية، لأن الله أثبت للعبد مشيئة. وقوله: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ رد على القدرية الذين نفوا المشيئة عن الله جل وعلا وأثبتوها للعبد. وكذا مثله قول الله: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾. وخلاصة أيضًا ما يتعلق بهذا الباب أن باب القدر من الأمور الغيبية التي اقتص الله جل وعلا بها، فلذلك العبد يؤمن ويسلم، ولا يخوض في باب القدر بعقله، لا يخوض في باب القدر بعقله، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على