الدرس في مختصر كرامات الأولياء 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع خلاف الأشاعرة والمعتزلة في كرامات الأولياء، حيث أفرط الأشاعرة في إثباتها مساوين بها معجزات الأنبياء، بينما أنكرها المعتزلة لاشتباهها بالسحر. ويرد شيخ الإسلام ابن تيمية على الفريقين مستدلاً بآيات قرآنية تثبت كرامات الأولياء كقصة أصحاب الكهف ومريم عليها السلام.
يرد شيخ الإسلام على إنكار المعتزلة بتواتر مشاهدة الكرامات ونقل الثقاة، مؤكداً أنها تابعة لمعجزات الأنبياء ولا تستلزم عصمة الولي. ويبين أن ثبوت الكرامة يشترط فيه النقل الصحيح بالسند أو المشاهدة العينية مع ثقة الناقلين وضبطهم.
يبيّن المقطع أن الكرامة لا تُسقِط الواجبات ولا تُحلّ الحرام، وأن صاحبها لا يدّعي الولاية ولا يُجزَم له بها لكونها من الغيب. ويحذر من الاعتماد على الرؤى المخالفة للشرع، مستشهداً بقصة عبد القادر الجيلاني في رد من ادّعى الربوبية.
يوضح المقطع أن الكرامة الحقيقية لا تتضمن دخول الجنة، ولا الاطلاع على الغيب، ولا إباحة ترك الواجبات. ويؤكد أن مثل هذه المزاعم ليست من الكرامة في شيء، مشيراً إلى تنبيه ابن الحاج في ذلك.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله أحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، طيب، نواصل إن شاء الله ما ذكره المؤلف حفظه الله. تطرق إلى مسألة المذاهب المخالفة لأهل السنة في باب كرامات الأولياء، فكما تعلمون أن أهل السنة وسط في أبواب كثيرة من أبواب الدين، سواء كان في الإيمان أو كذلك في الأسماء والصفات، وهكذا في باب كرامات الأولياء، فإن هناك مذهبين مخالفين لمذهب أهل السنة والجماعة، وهما طرفان متقابلان. فذهب الأشاعرة إلى جواز وقوعي الكرامات بدون حد، فقالوا: ما جاز وقوعه لنبي جاز وقوعه لولي، فغلوا في هذا الباب، فأثبتوا الكرامات مطلقا من غير قيود ولا حدود، ومن غير زمام ولا خطام، بل جعلوا دينهم وأصل دعوتهم الاعتماد على ما يظهر من خوارق على أيدي أتباعهم، وهذا ضلال وانحراف في هذا الباب. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، وهو يرد على الأشاعرة في هذا الباب: «ثم هؤلاء أي الأشاعرة جوزوا كرامات الصالحين، ولم يذكروا بين جنسها وجنس كرامات الأنبياء فرقا، بل صرح أئمتهم أن كل ما خرق لنبي يجوز أن يخرق للأولياء، حتى معراج محمد صلى الله عليه وسلم، وفرق البحر لموسى عليه السلام، وناقة صالح عليه السلام، وغير ذلك». ولذلك تتعجب لما يذكرون كرامات أتباعهم، ربما ما وقعت للأنبياء والمرسلين، بل من أمور الغيب، فأجازوا لأتباعهم أن يطلعوا على اللوح المحفوظ، وعلى أمور الغيب، وأن يعلموا من يدخل الجنة ومن يدخل النار، وهذا مستطير في كتبهم. ومن هؤلاء في بلدنا هذه الصوفية، فضحوا أنفسهم بهذه الخزعبلات، وألفوا الكتب فيما يزعمون أنها كرامات، وهذا ضلال وهذا انحراف في هذه العقيدة، عقيدة الإيمان بكرامات الأولياء. وهناك طرف آخر وهو طرف نقيض، وهم المعتزلة العقلانيون، فإن المعتزلة منعوا وقوع خرق العادات لغير الأنبياء، ولم يثبتوها إلا للأنبياء فقط، وهذا أيضا ضلال في هذا الباب، ولهم حجج عقلية كما هي عادتهم في رد العقائد والأحكام، فذكروا في إنكارهم لكرامات الأولياء حججا عقلية. فمن هذه الحجج ومن هذه الشبه التي أوردها المعتزلة أنهم قالوا: لو أثبتنا كرامات الأولياء لاشتبه علينا الساحر بالولي والولي بالنبي، لأن كلها خوارق عادات، كيف نميز؟ وهذا في الحقيقة لا عقول لهم، قولهم: كيف نميز؟ لأنهم لا عقول لهم، وهم يدعون أنهم أصحاب الفهوم والعقول، وفي الحقيقة هم أصحاب الخبل وعدم الإدراك والعقل. فكما تقدم أن هناك فروقا بين ما يظهره الله عز وجل على أيدي الأنبياء، وعلى أيدي الأولياء، وعلى أيدي الساحر والكاهن والمشعود، وقد تقدم شيء من ذلك. فإذا ظهر الخارق على يد رجل مؤمن تقي صالح، هذه كرامة، لكن إذا ظهر هذا الخارق على أيدي فاجر فاسق ساحر مشعود، ليس عنده إيمان ولا تقوى ولا استقامة، علمنا أن هذا كاهن ساحر مشعود، فتستطيع أن تفرق. فهم في الحقيقة لم يوفقوا لرد هذه المسألة، مسألة الإيمان بكرامات الأولياء. وقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، بل رد عليهم برد عقلي، وهذا ليس معناه أنه لا يوجد أدلة شرعية، في القرآن مليء بذكر كرامات الأولياء، كما سيأتي معنا كقصة أصحاب الكهف، وكقصة مريم عليها السلام، وهكذا الذي عنده علم من الكتاب، وغير ذلك مما ورد في القرآن، وهؤلاء ليسوا بأنبياء، وإنما هم أولياء. فرد عليهم شيخ الإسلام بحجج عقلية نظير ما يؤمنون به من الأدلة، وهو تقديم العقل، فرد عليهم شيخ الإسلام بقوله: «أن هذه الخوارق التي تظهر على أيدي الأولياء قد تواترت وشاهدها الناس، وهذا كاف في الرد على المعتزلة». قال شيخ الإسلام: «والمنازع لهم أي للمعتزلة يقول: هي أي الخوارق موجودة، مشهودة لمن شهدها، متواترة عند كثير من الناس، أعظم مما تواترت عندهم بعض معجزات الأنبياء، وقد شهدها خلق كثير لم يشهد معجزات الأنبياء، فكيف يكذبون بما شهدوا؟» المعتزل يقول: لا، لا توجد كرامات. طيب، أنا رأيت هذا بعيني، كما وقع لكثير من الأولياء، لاسيما كان في زمن الصحابة أو زمن التابعين، ونقل إلينا بالنقل الثابت الصحيح، فكيف نكذب ما شاهدناه ونصدق ما قلتموه بعقولكم القاصرة الفاسدة؟ فهذا كاف في الرد عليهم. فالخلاصة أن مذهب أهل السنة في كرامات الأولياء هو ما يشهد له الدليل من الكتاب والسنة، ويؤكده الواقع والحوادث التي ينقلها الثقات، وهو ما ذهب إليه سلف الأمة من جواز وقوع كرامات الأولياء بما هو دون خوارق الأنبياء، لأن ما يقع للأولياء هو في الحقيقة تابع لما أظهره الله على أيدي الأنبياء، لأن هؤلاء الأولياء ما أكرمهم الله بذلك إلا لاتباعهم للأنبياء. ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: «أما الصالحون الذين يدعون إلى طريق الأنبياء، لا يخرجون عنها، لا يخرجون عن طريق الأنبياء، فتلك خوارقهم من معجزات الأنبياء، فإنهم يقولون: نحن إنما حصل لنا هذا باتباع الأنبياء، ولو لم نتبعهم لم يحصل لنا هذا». نعم، ولذلك الولي لا يدعو الناس إلى اتباعه في كل ما يقول، وفي كل ما يدين به من أحكام ونحو ذلك. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، كما في كتابه «النبوات»: «وكرامات الصالحين تدل على صحة الدين الذي جاء به الرسول، لا تدل على أن الولي معصوم، ولا على أنه يجب طاعته في كل ما يقول». ليس معنى إذا ظهر خارق من خوارق العادات على يد الولي أن يقدس هذا الولي، وأن يدعى فيه العصمة، لا، وإنما يحب ويقدر ويعظم تعظيما شرعيا، لا إفراط ولا تفريط. وننتقل إلى مسألة أخرى تتعلق بكرامات الأولياء، وهي بما تثبت الكرامة. تقدم معنى أن ظهور الكرامات على أيدي الصالحين قد ثبت بالكتاب والسنة، وأيده الواقع كما تقدم من كلام شيخ الإسلام. فما ورد في الكتاب فهذا لا يبحث عن صحته، لأن الكتاب كل ما فيه حق، أي القرآن. وأما ما ثبت في السنة فإنه يبحث عن صحته، لأن الكرامة لا تثبت إلا بأمرين اثنين. الأمر الأول: ما صح وثبت بالنقل الصحيح، وهذا يشمل الأحاديث، ويشمل كذلك ما وقع لبعض الصالحين من الكرامات. ليس بمجرد أن تخبر بأن فلانا وقعت له كرامة تصدق، كما هو حال غلاة الصوفية، ملأوا كتبهم بذكر كرامات لأتباعهم دون زمام ولا خطام، ولا أسانيد، ولا نظر في الناقل. فالكرامات حكم شرعي يثبت للولي، فلابد من التثبت فيه، وذلك بالنظر في سند هذه الكرامة، سواء كان في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، أو كذلك فيما وقع للصحابة، أو للتابعين، أو تابعيهم، أو لعلماء هذه الأمة من بعدهم. فهذا هو الأمر الأول الذي تثبت به الكرامة، وهو ما صح وثبت بالنقل الصحيح. الأمر الآخر الذي تثبت به الكرامة: أن يرى بعينه هذه الكرامة، فيثبت هذه الكرامة، وله أن ينقلها إلى غيره. فإن كانت سلسلة نقل هذه الكرامة من الثقات الذين لم يعهد عنهم كذب ولا تخليط ولا عدم ضبط ولا شيء من ذلك، فإن هذه الكرامة تثبت حينئذ. فهذا أمر لا بد منه. وهناك أمر آخر ينبغي التنبه له كذلك في مسألة إثبات الكرامات، وهذا الشيء هو أن صاحب هذه الكرامة لا يدعي الولاية، لأن الولاية كما تقدم هي درجة في الدين رفيعة، لا يصل إليها العبد إلا إذا قام بهذا الدين ظاهرا وباطنا، ولا يجزم لعبد بذلك، لا يستطيع أحد أن يجزم لعبد بأنه ولي، لأن ذلك من أمور الغيب. ولكن نرجو له ذلك، من ظهر على يديه شيء من الخوارق، وكان مؤمنا تقيا مستقيما، نرجو له، لكن لا نجزم ولا ندعي له ذلك، خلافا لغلاة الصوفية، إذا رأوا خارقا لأحد أتباعهم، ولو كان فاسقا، قالوا: هذا ولي، وربما يتمسحون به، وربما يرفعونه إلى منزلة الأنبياء في العصمة وفي الانقياد له والطاعة، وهذا خطأ. فالولي لا يدعي الولاية، ومن وصفه بذلك أنكر عليه، لأن هذا من التقوى والإيمان، أن لا يرضى العبد أن يجزم له بالولاية، بل ولا يدعي ذلك لنفسه. وقد قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، قال القرطبي في تفسير هذه الآية: «فقد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسه». وهكذا مما ينبغي أن يعلم في هذا الباب، وفي إثبات الكرامات، أن لا تكون هذه الكرامة سببا في ترك شيء من الواجبات. ليس معنى أن تظهر على يدي هذا الصالح كرامة أن تسقط عليه الواجبات، لا، ليس معنى ذلك. فهذا مما يقع فيه بعض هؤلاء، فبعضهم مثلا يذكر في كرامات أتباعه أن فلانا يحمله الجن إلى عرف ليلة عرفة، فيحجم عن الناس، ثم يعيده إلى بلده من غير إحرام ولا ميقات، هذا مخالف لأعمال الحج. وهكذا إذا كان في هذه الكرامة تحليل حرام أو تحريم حلال. وقد ذكر شيخ الإسلام قصة في ذلك عن عبد القادر الجيلاني، ذكر هذه القصة في «التوسل والوسيلة»، وفي الفتاوى، المجلد الأول، صفحة 172، أن عبد القادر الجيلاني عطش عطشا شديدا، يعني أصابه ظمأ، فإذا سحاب قد أقبلت وأمطرت عليه شبه الرذاذ حتى شرب، ثم نودي من سحابة: يا فلان، أنا ربك، قد أحللت لك المحرمات، فقال له الجيلاني: اذهب يا لعين، فاضمحلت السحابة. قيل له: بم عرفت أنه إبليس؟ قال: بقوله: قد أحللت لك المحرمات. فكيف بمن يرى رؤيا؟ هؤلاء من أصول دينهم، غلاة الصوفية، وغلات إثبات الكرامات، من أصول دعوتهم ومنهجهم الاعتماد على الرؤى المنامية، فلربما أثبتوا عبادة برؤيا منامية لم يرد بها دليل لا من كتاب ولا من سنة، بل ويتبجحون بذلك، وينشرون ذلك في مواقع التواصل، بل وبالفيديو، كذاك الذي يزعم أنه رأى الرسول في المنام وعلمه ذكرا وصلاة، فيأتي ويعلم الناس هذه الصلاة التي لم ترد في الصلوات الصحيحة على النبي عليه الصلاة والسلام. هذا ليست بولاية، وليست بكرامة، هذا ضحك على عقول الجهال، وعلى عقول كذلك من لا عقل له. فمن شرط الكرامة أنها لا تكون سببا في ترك شيء من الواجبات، أو في تشريع عبادة لم يشرعها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا مما ينتبه له في باب الكرامة أن هذه الكرامة لا تخالف أمرا من أمور الدين. فلو رأى مثلا، أو لو ناداه منادي: أن أجزت لك الزنا، أو أجزت لك ترك الصلاة، أو نحو ذلك، هذا ليست بكرامة، هذا شيطان ناداه، كما جاء في القصة التي أوردها شيخ الإسلام ابن تيمية، فينتبه لهذا. وهكذا مما ينبغي أن يعلم وأن ينتبه له في باب الكرامة، أن هذه الكرامة لا يكون فيها تجاوز بدخول جنة، أو بالاطلاع على أمر غيب، أو بوصول إلى درجة من الولاية بحيث أنك تترك الواجبات أو نحو ذلك، فهذا أيضا مما يعلم أنه ليس من الكرامة في شيء. وقد ذكر ابن الحاج رحمه