الدرس في التعليق على منظومة السير إلى الله للسعدي 4، ألقاها
المحبة هي أصل العبادة وتقتضي تعلق القلب بالله ولزوم الحب له، وهي سبب للمسارعة في طاعته والتقرب إليه. المحبة لله تعظم في قلب العبد حتى يصبح حب الله مقدمًا على سائر المحاب.
المحبة لله منزلة عظيمة يوفق لها عباد الله المؤمنين، وتجعل كل أفعال العبد لله وحده. المحبة تعني الإنكفاف عما يكرهه الله والمبادرة إلى ما يرضيه.
أسباب نيل محبة الله تشمل كثرة ذكر الله وتدبر كلامه ومجالسة المحبين وفعل الطاعات ومتابعة النبي. الصلاة على النبي لها أهمية كبيرة في الإسلام وتعبر عن التقدير والاحترام له.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعد رحمه الله في منظومته «السير إلى الله والدار الآخرة»: «وهم الذين ملأ إله قلوبهم بوداده ومحبة الرحمن». قال رحمه الله: هذه المنزلة، وهي منزلة المحبة، هي أصل المنازل كلها، ومنها تنشأ جميع الأعمال الصالحة والأعمال النافعة والمنازل العالية. ومعنى المحبة تعلق القلب بالمحبوب، ولزوم الحب للقلب، فلا تنفك عنه، وهي تقتضي من صاحبها الإنكفاف عما يكره الحبيب، والمبادرة إلى ما يرضيه، بقلب منشرح وصدر رحيب. فإن تكلم، تكلم بالله، وإن سكت، سكت لله، وإن تحرك، فلله، وإن سكن، فله. ويحدث عن الحب الشوق إلى الله والقلق، فلا يكاد صاحبه يستقر. إن قيل: فهل المحبة التي هي أعلى المراتب من وسيلة وسبب؟ قيل: لم يجعل الله مطلبا إلا جعل لحصوله سببا، فمن أكبر أسباب الإنكفاف عن كل قاطع بالقول والفعل والأفكار الردية، والإكثار من ذكر الله بحضور قلب، وتدبر كلامه الكريم، مطالعة نعمه العظيمة على العبد، والوقوف بين يديه بحضور قلب وأدب، ومجالسة المحبين، ومجانبة كل قاطع. فمن فعل ذلك نال محبة الله إن شاء الله، والله المستعان. أشار رحمه الله في هذا البيت إلى أن من صفات هؤلاء السعداء الذين ساروا إلى الله جل وعلا، وفي طريقهم إلى الله عز وجل والدار الآخرة، بما يرضي الله سبحانه وتعالى، أن قلوبهم امتلأت محبة لله سبحانه وتعالى. وهذا في قوله: «وهم الذين ملأ الإله قلوبهم بوداده ومحبة الرحمن»، أي امتلأت قلوبهم محبة لله سبحانه وتعالى، فصار حبهم لله جل وعلا مقدما على كل المحاب، فلا يحبون شيئا ولا يقدمون محبة شيء على حبهم لله سبحانه وتعالى. وهذا هو أصل العبادة، إذ أن أصل العبادة هي المحبة والذل، كما قال ابن القيم رحمه الله: «عبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده، هما قطبان، وعليهما فلك العبادة دائر ما دار، حتى قامت القطبان بالأمر، أمر الله، أمر رسوله، أو مداره بالأمر، أمر رسوله، لا بالهوى والنفس والشيطان». فهذه المنزلة، منزلة المحبة، منزلة عظيمة، لا يوفق الله سبحانه وتعالى لها من عباده إلا من أحبه الله سبحانه وتعالى. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله جل وعلا يحب ويحب، يحب جل وعلا عباده المتقين والمؤمنين والصالحين، ويحبه عباده المؤمنون. قال الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾، وقال جل وعلا: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾، وقال عز وجل: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾، وغيرها من الأدلة الكثيرة التي فيها إثبات المحبة لله جل وعلا. وفي حديث علي رضي الله عنه في الصحيح، قال: «قال نبي صلى الله عليه وسلم: لعطينا الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه». فالمحبة من صفات الله جل وعلا الفعلية التي يفعلها الله سبحانه وتعالى متى شاء. وأنكرها أهل البدع والأهواء من المعتزلة والأشاعر وغيرهم، فقالوا: المحبة هي إرادة الثواب، أو هي الثواب، أي محبة الله لعباده، أي أنه يثيبهم أو يريد أن يثيبهم، لا أن الله عز وجل يحب حبا حقيقيا. قالوا: لو أثبتنا أن الله عز وجل يحب عباده، لزم من ذلك الوقوع في المماثلة، مماثلة الله عز وجل لخلقه، إذ أن حب الإنسان لغيره فيه معنى الميل إليه والاحتياج إليه الآخر. وهذا في الحقيقة ما وقعوا فيه، إلا حين مثلوا صفة الله عز وجل بصفة المخلوقين، فوقعوا في التمثيل، فأرادوا أن ينزه الله عز وجل فوقعوا في التعطيل. وعلى كل، فكما ذكر رحمه الله أن المحبة منزلة عظيمة، يوفق الله سبحانه وتعالى لها عباده المؤمنين. فإذا امتلأت قلوبهم محبة لله جل وعلا، وتعلقت قلوبهم بالله سبحانه وتعالى، وصار حب الله جل وعلا في قلوبهم مقدما على سائر المحاب، فحينئذ لا يتكاسلون، ولا يتخاذلون عن القيام بطاعة الله سبحانه وتعالى وعبوديته، والمسارعة في طاعة الله جل وعلا، والتقرب إليه بأنواع الطاعات والقربات، والمسابقة في فعل الأعمال الصالحات التي يحبها الله سبحانه وتعالى. ولهذا أشار رحمه الله إلى أن كل أفعال العبد التي قد وقع حب الله جل وعلا في قلبه، فتكون لله سبحانه وتعالى. إن تكلم، فلله، أي يتكلم بما يرضي الله سبحانه وتعالى. وإن سكت، سكت لله، خوفا من غضب الله جل وعلا وانتقامه. وإن تحرك، فلله، أي لا يذهب إلا إلى الأماكن التي ترضي الله جل وعلا، استجابة لأمر الله أو القيام بطاعة الله سبحانه وتعالى. وإن سكن، أي فلم يتحرك، فلله، فكل أعماله وكل حركاته فهي لله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا يحدث له الحب الشوق إلى الله سبحانه وتعالى، لأن من أحب شيئا ولم يره، فإنه يتعلق قلبه شوقا إلى لقائه ورؤيته. ونحن نعلم أن أعظم نعيم أهل الجنة هو رؤية الله جل وعلا. فإذا تعلق قلب العبد بالله سبحانه وتعالى محبة وتعظيما وإجلالا، فإن ذلك يسوق إلى الشوق إلى لقاء الله جل وعلا. وإذا اشتاق إلى لقاء الله، فإنه سيسلك ويعمل كل ما يرضاه محبوبه، حتى يكون ذلك سببا في لقائه به ورضاه عنه يوم القيامة. ثم ذكر رحمه الله شيئا من أسباب نيل محبة الله سبحانه وتعالى. وقبل ذلك نعلم أن محبة الله جل وعلا وتقديم العبد لمحبة الله على غيره من المحاب، هذا من كمال الإيمان، لا يكمل إيمان العبد إلا بذلك، ولا يجد لذة الإيمان إلا بذلك. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يقذف في النار أو يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار». ثم ذكر رحمه الله بعض الأسباب التي بها ينال العبد محبة الله جل وعلا، ومنها تعلق القلب بالله سبحانه وتعالى، وانقطاع القلب عن غير الله جل وعلا، فهو في سائر أحواله وفي سائر أوقاته منشغلا بطاعة ربه سبحانه وتعالى، والتفكر في عظمته جل وعلا، وفي عظمة مخلوقاته. وهكذا أيضا التفكر في آيات الله جل وعلا الكونية والشرعية التي توجب للعبد حب الله سبحانه وتعالى وتعظيمه. وهكذا أيضا الاكثار من ذكر الله، ومن أحب شيئا أكثر من ذكره. فأنت تجد بعض المفتونين بحب الغناء والمغنين ربما تجده يغني وهو يمشي، وربما غنى وهو في الحمام في قضاء حاجته، أو غنى وهو يعمل، لماذا؟ لأنه أحب الغناء، وزين له الشيطان ذلك، فيكثر من ذكره. وقس على ذلك غير ذلك مما يقع فيه كثير من الناس في محبتهم لبعض الأمور المحرمة، فيكثر من ذكرها بسبب حبه لها. وهكذا إذا أحب العبد ربه جل وعلا، فإنه يلهج لسانه بذكر الله، بتكبير وتسبيح وتحميد وتهليل، وقراءة للقرآن، وغير ذلك من أنواع الذكر، لماذا؟ لبسبب محبته لله سبحانه وتعالى. وهكذا تدبر كلامه الكريم، من أحب الله عز وجل أحب كلامه، فيكثر من قراءة القرآن وتدبره وتلاوته واستماعه. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾، وكما قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: «لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام ربكم». وقال بعض السلف: «إذا أردت أن تعرف مدى محبتك لله، فانظر كيف أنت مع كتابه، كيف أنت مع القرآن؟ هل تكثر من تلاوته وقراءته وتدبره وتعلمه؟ إن كان كذلك، فهذا دليل على محبتك لله». وأما إن كنت هاجرا له، لا تتلوه ولا تقرأه إلا ربما من الأسبوع إلى الأسبوع، أو من الشهر إلى الشهر، أو من السنة إلى السنة، فهذا من قلة حبك لله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا من أسباب نيل محبة الله جل وعلا الوقوف بين يدي الله جل وعلا، ومناجاته سبحانه، والتضرع بين يديه في الصلاة والقيام، فإن ذلك مما يحبه الله سبحانه وتعالى. فيحرص العبد على أن يؤدي هذه العبادة والطاعة، فيناجي ربه سبحانه وتعالى، ويقف بين يديه ذليلا منكسرا متضرعا، يرجو رحمته ويخاف عذابه. وهكذا أيضا مجالسة المحبين وأهل الصلاح والخير، فإن مجالسة أهل الخير والصلاح سبب لنيل محبة الله سبحانه وتعالى. الذين يجلسون في مجالس العلم يتذاكرون القرآن والسنة، فيذكرهم الله عز وجل ويحبهم سبحانه وتعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: وجبت محبتي للمتباذلين فيها، والمتجالسين فيها، والمتزاورين فيها». فالله عز وجل أوجب محبته للمتجالسين فيه، الذين ما جلسوا إلا لأجل الله سبحانه وتعالى، فنالوا بذلك محبة الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا فعل كل ما يحبه الله سبحانه وتعالى من الطاعات والقربات، ومن ذلك أن تحرص أن يراك الله عز وجل في المحل الذي يحب، وأن لا يفقدك في المحل الذي يكره. يعني في أماكن المعاصي والذنوب التي حرمها الله سبحانه وتعالى ويبغضها الله جل وعلا، فلا يراك الله عز وجل فيها، ولا يفقدك سبحانه وتعالى في الأماكن التي يحب أن يراك فيها، من أماكن الطاعات والقربات. ومنها أيضا مما لم يذكره المؤلف رحمه الله التقرب لله جل وعلا بنوافل الطاعات بعد التقرب إليه بالفرائض، ويدل عليه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في صحيح البخاري: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». وهكذا أيضا متابعة النبي عليه الصلاة والسلام، فإنها سبب لنيل محبة الله جل وعلا. قال الله عز وجل: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾. فجامع الأعمال التي بها ينال العبد محبة الله سبحانه وتعالى هو لزوم طاعة الله، والبعد عن معصية الله جل وعلا، فإن ذلك سبب عظيم لنيل محبة الله سبحانه وتعالى. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.