الدرس في خلق الرفق 3، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يُبرز المقطع كيف تعامل النبي ﷺ برفق وحكمة مع الصحابي سلمة بن صخر الذي جامع امرأته في نهار رمضان، فلم يوبخه بل أرشده إلى كفارات الشرع تدريجيًا. ولما عجز عن جميعها وجه النبي ﷺ قبيلته للتصدق عليه ليطعم أهله، مظهرًا الرحمة العملية والتيسير على المذنب التائب.
يبرز المقطع أهمية تحلي الداعية بالأخلاق الحسنة وعدم التعنيف عند الفتوى، مستعرضًا قصة ثمامة بن أثال الذي أسلم لحسن معاملة النبي ﷺ له بعد أسره. كما يذكر قصة الأعرابي الذي أراد قتل النبي ﷺ فعفا عنه ودعاه للإسلام، مما يدل على أن العفو عند المقدرة وحسن المعاملة من أعظم وسائل الدعوة.
يبرز المقطع أخلاق النبي ﷺ في الرفق واللين مع الناس حتى مع من آذاه، حيث كان يعفو ويصفح ولا ينتقم لنفسه، بل يختار أيسر الأمرين ما لم يكن إثماً. كما يبين أن شدة النبي ﷺ كانت فقط في إقامة حدود الله دون رأفة أو محاباة، كما في قصة المخزومية وشفاعته أسامة، مؤكداً أن الرفق هو السائد في سيرته ﷺ بينما الحزم محله في حدود الله.
يؤكد المقطع على أهمية التعامل مع بعض المسائل بالرفق واللين والحكمة والصبر لتجنب النفور والاستكبار عند المخاطبين. ويختتم بالتأكيد على هذا المنهج النبوي والدعاء للفقه في الدين والصلاة على النبي ﷺ.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنكمل حديثنا في موضوع الرفق واللين في الدعوة إلى الله جل وعلا. وذكرنا في الدرس السابق بعض النماذج التي كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتعامل بها مع الناس، سواء كانوا أطفالًا أو نساء أو رجالًا، كل ذلك يتألف النبي عليه الصلاة والسلام قلوبهم ويحببهم في دين الله عز وجل. ومن النماذج أيضًا ما رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى من حديث سلمة بن صخر الأنصاري رضي الله عنه، والحديث بشواهده حسّنه الألباني رحمه الله في الإرواء؛ لأن له روايات متعددة فيها ذكر الظهار. وهذا الصحابي الجليل سلمة بن صخر يحكي قصته، وكيف تعامل النبي عليه الصلاة والسلام معه حينما وقع في أمر عظيم، وهو الجماع في نهار رمضان. فيحكي قصته رضي الله عنه فيقول: «كنت من أشد الرجال قوة في أمر النساء»، يعني: الله عز وجل أعطاه قوة وشهوة شديدة في أمر النساء، فكان كثير الجماع. قال: «فبينما نحن في رمضان إذ كانت امرأتي تخدمني، فانكشف لي شيء منها، فوثبت عليها»، وكان قبل ذلك أنه ظاهر منها، أي: حرم نفسه عليها من أجل أن لا يقع فيها في شهر رمضان، لكن أمر الله عز وجل قضاه. وفيه تعليم لهذه الأمة أن هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه ارتكب هذا الأمر العظيم، فوقع على امرأته في نهار رمضان. قال: «فجئت إلى قومي، وقلت لهم: نذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال: «فأبوا علي، وردّوني ردًّا عنيفًا: اذهب وشأنك، أنت تريد أن ينزل الله عز وجل فينا قرآنًا، ويكون ذلك علينا طوال الدهر». يعني: أنهم ما أرادوا أن يعينوه في هذا الأمر، أن يذهبوا معه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، خوفًا أن ينزل الله عز وجل القرآن فيهم جميعًا؛ لأنه ارتكب خطأً عظيمًا. فلذلك قالوا: «اذهب وشأنك»، وتركوه ولم يعينوه في هذا الأمر. وكان الأولى هو إسداء النصح والتوجيه لمن وقع في خطأ؛ فإذا جاءك من يستعينك في أمر من الأمور، في فتوى تريدها، فإنك تعينه في هذا الأمر، وترشده إلى الصحيح وإلى الصواب في هذه المسألة. لكنهم ما فعلوا ذلك. فذهب سلمة رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر، قال له عليه الصلاة والسلام: «أنت بذاك؟» فقال: «نعم، أنا بذاك». فقال له عليه الصلاة والسلام: «أنت بذاك؟» أي: أنت الملم بذاك، الملم بهذا الإثم العظيم والذنب الكبير، وهو الجماع في نهار رمضان في هذا الشهر المبارك. فقال الصحابي: «نعم، أنا بذاك». ثم ردّد عليه النبي صلى الله عليه وسلم الثالثة: «أنت بذاك؟» فقال الصحابي: «نعم يا رسول الله»، وماذا يعني؟ يريد الخلاص من هذا الذنب الذي ارتكبه. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أعتق رقبة». قال: فضربته على صفحة عنقي، فقلت: «والذي بعثك بالحق، لا أملك هذه، لا أملك إلا هذه». يعني: ما عندي شيء من الرقاب أعتقها، وإنما أملك رقبتي فقط. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «فصم شهرين». فقال: «وهل وقع ما وقع إلا في الصيام؟» يعني: وقع في نهار رمضان، وهل وقع ما وقع إلا في الصيام؟ ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «فتصدق». فقال: «والله يا رسول الله، بتنا بلا عشاء». فوق ذلك أنهم باتوا بلا عشاء، يعني: ما عنده شيء حتى يتصدق به. وفي رواية في الصحيح أنه قال: «ما بين لابتيها أفقر رجل مني». فما عنده شيء هذا الصحابي رضي الله عنه حتى يطعم ستين مسكينًا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اذهب إلى صدقة بني زريق، فأخبرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم أن يدفعوا لك صدقاتهم». قال: «فذهبت إلى قومي، فأخبرتهم ما كان من النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قال لهم: وجدت عندكم الضيق، ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم السعة والبركة، فادفعوا إلي صدقاتكم». فدفعوا له الصدقة التي أمر النبي عليه الصلاة والسلام بها. فخرج هذا الصحابي من عند النبي عليه الصلاة والسلام بحل عظيم لما اقترفه من الجماع في نهار رمضان. يعني: وجد سعة، كان في غم وكان في هم عظيم أنه ارتكب هذا الذنب، ولا يعلم ما كفارة ذلك. فلما استرشد وأراد من قومه الإعانة لم يعينوه، فذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فما كان منه عليه الصلاة والسلام إلا أن لم يغضب عليه، ولم يشتمه، ولا نحو ذلك، وإنما النبي عليه الصلاة والسلام أمره بما أمر الله عز وجل المجامع في نهار رمضان: وهي عتق رقبة، أو كذلك طعام ستين، أو صيام شهرين متتابعين، أو كذلك عتق رقبة. ولما لم يجد هذا الصحابي شيئًا يتصدق به، قال النبي صلى الله عليه وعلا: «اذهب فأطعمه عيالك». فانظروا كيف السعة، وكيف كذلك الرفق، وكيف اللين والرحمة والشفقة من النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا يدل على أن الداعي إلى الله عز وجل ينبغي أن يتخلق بالأخلاق، ولا يحجر ولا يضيق على من جاءه يستفتيه، فيجد له المخرج من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، دون تثريب، ودون تعنيف، ودون كذلك الحط من قدره؛ لأن الإنسان قد يقع في الخطأ وهو مجتهد. وهكذا أيضًا روى الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «انطلقت خيل للنبي صلى الله عليه وسلم جهة نجد، فجاءوا برجل من اليمامة يقال له: ثمامة بن أثال». قال: «فربطوه في سارية من سواري المسجد». فجاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال: «عندي خير. إن تقتل، تقتل ذا دم، وإن تنعم، تنعم على شاكر، وإن تريد المال، فسل تعطى منه». ما شهد هذا كان سيد قومه، ثمامة بن أثال، سيد من سادات بني حنيفة، وهم يسكنون اليمامة الموجودة الآن في الرياض، واليمامة هذا مكان معروف في مدينة الرياض. فهذا سيد من سادات بني حنيفة، وأخذته خيل النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يريد العمرة. فلما ربطوه وجاءه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ماذا عندك يا ثمامة؟» قال: «عندي خير». يعني: اختر إحدى الأمور الثلاثة: «إن تقتلني، فإنك تقتل رجلًا ذا دم»، يعني: له قبيلة وله عشيرة ستأخذ بثاره. «إن تقتلني، تقتل رجلًا في قومه سيدًا»، ما هو تقتل رجلًا عاديًا. يعني: يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف من هو، والنبي عليه الصلاة والسلام قد علم من هو، لكن هذا شأن الرجال إذا كانوا في علية من قومهم، فيقول للنبي صلى الله عليه وسلم: «إن تقتل، تقتل ذا دم، وإن تنعم، تنعم على شاكر، وإن تريد المال، فسَل منه تعطَ ما شئت»، لأنه كان سيد قومه وعنده مال كثير. فتركه النبي عليه الصلاة والسلام، ثم جاءه في اليوم الثاني، فقال: «ماذا تقول يا ثمامة؟» فرد عليه مثل القول الأول: «إن تقتل، تقتل ذا دم، وإن تنعم، تنعم على شاكر، وإن تريد المال، فتعطى منه ما شئت». فتركه النبي صلى الله عليه وسلم. فجاءوا في اليوم الثالث، فقال: «ماذا عندك يا ثمامة؟» ردّ نفسه الجواب. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أطلقوا ثمامة». فأطلقوه. يعني: ما عنفه عليه الصلاة والسلام، ولا قتله، ولا ضربه، ولا شيء. قال: «أطلقوا ثمامة»، يعني: عفا عنه. وكان ذلك منه تأليفًا صلى الله عليه وسلم أن يسلم هذا الرجل، فيسلم قومه. فذهب إلى حائط من حيطان المدينة، فاغتسل، فدخل المسجد، فقال: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله». دخل الإسلام في قلبه من حسن تعامل النبي عليه الصلاة والسلام معه. ثم قال: «يا رسول الله، إنه لم يكن وجه على وجه الأرض أبغض إليّ من وجهك، والله لقد صار وجهك أحب الوجوه إليّ. وإنه لم يكن دين على وجه الأرض أبغض إليّ من دينك، فإن دينك صار من أحب الأديان إليّ. وإنه لم يكن بلد أبغض إليّ على وجه الأرض من بلدك، فقد صار بلدك أحب البلاد إليّ. وإن رجالك قد أخذوني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟» فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «فبشره بخير، ثم أمره بأن يكمل عمرته، ويذهب إلى العمرة». فذهب إلى العمرة، وقد شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فقال له الناس في مكة: «قد صبوت»، يعني: تبعت النبي عليه الصلاة والسلام، يقال له: صاب، «قد صبوت». قال لهم: «لا، ولكني أسلمت، أسلمت». هذا هو الصحيح أن يقال: «أسلمت»، ولا يقال: «صبوت». فقال لهم: «أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. والله يا معشر قريش، لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم». حسن إسلام ثمامة رضي الله عنه بحسن تعامل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهكذا يفعل المسلم في حياته في معاملته مع الناس، يحسن إليهم ويحببهم في دين الله عز وجل. ونموذج آخر أيضًا ما رواه الإمام مسلم من حديث جابر رضي الله عنهما: أنهم كانوا في سفر مع النبي عليه الصلاة والسلام، فاستظل الناس تحت الشجر، واستظل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة، وعلق سيفه عليها. فجاء رجل فأخذ السيف، والنبي عليه الصلاة والسلام نائم، فقال: «من يمنعك مني؟» فقال النبي عليه الصلاة والسلام بعدما استيقظ والسيف على رأسه صلتًا: «الله». قال: «فوقع السيف من يد الرجل». فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «من يمنعك مني؟» فقال: «كن خير آخذ». فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟» فقال: «لا، ولكني أعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك». قال: «فأطلق النبي عليه الصلاة والسلام سراحه، اذهب». عفا عنه صلى الله عليه وسلم بعدما أراد أن يقتله. فهذا العفو عند المقدرة، قدر عليه النبي عليه الصلاة والسلام، وما قدر هو على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67]، عصمه الله من هذا الرجل. والنبي عليه الصلاة والسلام عفا عنه بعد ذلك، وأطلق سراحه، بعدما دعاه إلى الإسلام، دعاه إلى الإسلام رجاء أن يسلم، وربما يكون وراءه من يسلم بعده. فذهب الرجل إلى قومه وهو يقول: «جئتكم من عند خير الناس». انظروا يا عباد الله كيف تحول أبغض الناس إلى قلبه، وهو يريد قتله، تحول عنده بمعاملة في فترة قصيرة. عفا عنه صلى الله عليه وسلم، ودعاه إلى الإسلام، ولم يكرهه. فقال هذا الرجل: «جئتكم من عند خير الناس». فهكذا تفعل المعاملة الحسنة، مهما كان الذي أمامك، فإنك تدعوه برفق ولين، فإن الله عز وجل يجعل في قلبه بعد ذلك القبول لما تقول، كما قال الله عز وجل: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]. حتى العدو لك، الذي هو عدو في الظاهر، أنك إذا عاملته بالمعاملة الحسنة والكلام الطيب، وبلغه ذلك، فربما يلين الله عز وجل قلبه، ويصلح الله عز وجل أمره وشأنه، فتصبحان حميمين، صديقين متحابين، بعدما كنتم عدوين. ينبغي للمسلم أن ينظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في التعامل والأخلاق والآداب، حتى يجذب الناس إلى دين الإسلام، ويجذبهم كذلك إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لا يكون شديدًا، ولا يكون عنيفًا، ولا يكون كذلك سَلِيط اللسان ونحو ذلك، فيقبح القول، فيقبح الفعل، فيتأذى الناس من قوله ومن فعله، وربما لا يأتون إلى ما كان عليه الناس، أو كان عليه أهل السنة والجماعة من الخير، بسبب تعامله الفظ الغليظ، العياذ بالله. وتبيّن عائشة رضي الله عنها حسن أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام بقولها كما في البخاري: «ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإذا كان إثما كان أبعد الناس عنه. وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله أو حرمات الله، فإذا انتهكت حرمات الله انتقم لله». هكذا النبي عليه الصلاة والسلام، ما يغضب لنفسه، وما ينتقم لنفسه. أن شخصًا آذى عليه الصلاة والسلام في مكة، وأوذي كذلك في المدينة، ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يصفح، يقول: «أنا سِجَاءٌ عَرَابِيٌّ». والنبي عليه الصلاة والسلام داخل المسجد، هذا في المدينة، وهو في البخاري الحديث، قال: «فجذبه جذبة شديدة حتى أثرت في عنقه، فقال: يا محمد، أعطني من مال الله الذي عندك، ليس مالك ولا مال أبيك». قال: «فما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن تبسم، وأمر له بعطاء من بيت المال». انظروا كيف تعامل عليه الصلاة والسلام مع من يؤذيه، يصبر صلى الله عليه وسلم. هذا شيء في نفسه، ولم تنتهك حرمات الله فيغضب. وهذا جاهل بحقه، وإلا فإن حق النبي عليه الصلاة والسلام أن لا يعامل هكذا، فلا يجذب عليه الصلاة والسلام، ولا يقال له: يا محمد، بل يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام بلفظ النبوة وبلفظ الرسالة، وهكذا خفض الصوت عنده كما أمر الله عز وجل. لكن أعرابي جاء من بادية، ولا يعرف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم، فلم يقرأ القرآن، أو لم يبلغه كلام الله عز وجل وما عليه النبي عليه الصلاة والسلام، وجاء لأجل المال. ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، من لم ينتقم لنفسه، فما ينتقم عليه الصلاة والسلام لنفسه بمجرد كلمة تقال له، إلا أن يكون فيها انتهاك لحرمة الله عز وجل. فهنا يغضب عليه الصلاة والسلام، وينتقم لله، ولا ينتقم لنفسه صلى الله عليه وسلم. بمعنى أنه إذا رأى منكرًا ومنكرًا، فإنه يغضب لله عز وجل، ويغير ذلك المنكر. فأموره صلى الله عليه وسلم في الرفق واللين أكثر، وتعامله عليه الصلاة والسلام برفق ولين أكثر. ولا يعني ذلك أنه لا يغضب، وتكون عنده شدة في أمر الله سبحانه وتعالى. بل هناك، إن شاء الله، سنذكر في الدرس القادم المواضع التي كان النبي عليه الصلاة والسلام شديدًا فيها، شديدًا في أمر الله سبحانه وتعالى، كما قالت عائشة: «فينتقم لله سبحانه وتعالى». فالشدة لها مواضع، لكن رافته ورحمته صلى الله عليه وسلم وليه هو الغالب، هو السائد عليه صلى الله عليه وسلم. حتى أمر الشدة كان عليه الصلاة والسلام يعالجها بشدة، لكن مع، كما يقال، رحمة بهذا المخالف وهذا المرتكب للذنب، فإنه كان عليه الصلاة والسلام رحمة كذلك، لا يريد من وراء هذه الشدة صلى الله عليه وعلى آله وسلم التنفير، وإنما إقامة حدود الله سبحانه وتعالى. فيقيم الحدود دون رافة. ألم يغضب عليه الصلاة والسلام حينما كلموه في أمر المخزومية، وجاءه من يشفع، وهو أسامة، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه؟ فغضب النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «أَتُشَفِّعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟» والذي نفسي بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. ما في رأفة في إقامة الحدود، لأن الله عز وجل قال في الزاني والزانية: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2]. ما في رأفة في إقامة حد من حدود الله، كالجلد إذا جلد ذلكم الزاني غير المحصن، أو كذلك رجم الزاني المحصن، فإنه لا رأفة في ذلك، بل نقيم حد الله عز وجل دون شفقة ودون رأفة بهذا الذي يقام عليه الحد، لأنه حد الله وأمر الله عز وجل. فهكذا أمرنا الله نقيمه كما أمر الله عز وجل. لكن هناك بعض الأمور تعالج برفق ولين وحكمة وصبر، من أجل أن لا يكون وراءها بعد ذلك ما يكون من النفور، ومن العتو، ومن الاستكبار. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في ديننا، إنه ولي ذلك وهو القادر عليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.