خلق الرفق 2

الدرس في خلق الرفق 2، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

أهمية الرفق واللين في الدعوة النبوية ونماذج من تعامل النبي مع المخطئين

يؤكد المقطع على مكانة الرفق واللين في دعوة النبي ﷺ، مستعرضاً مثالين عمليين: تعليم الغلام عمر بن أبي سلمة آداب الأكل، ونصح المرأة الباكية عند القبر بالصبر وتقوى الله. وقد أقرها النبي ﷺ على أن الصبر الحقيقي يكون عند الصدمة الأولى، مما يبرز أثر اللين في التربية.

رفق النبي ﷺ وتعليمه في التعامل مع أخطاء الناس ومواقفهم الحرجة

يسرد المقطع مواقف متعددة من سيرة النبي ﷺ تظهر رفقه مع المخطئين كالأعرابي الذي بال في المسجد والشاب الذي استأذن في الزنا. عالج النبي ﷺ هذه المواقف باللين والحوار الهادئ والدعاء، فآتت ثمارها بتوبة المخطئين ومحبتهم له.

حديث معاوية بن الحكم السلمي وأدب النبي ﷺ في تعليم الجاهل بالرفق

يروي الحديث قصة معاوية بن الحكم السلمي الذي تكلم في الصلاة جهلاً، فعامله النبي ﷺ بالرفق وأرشده لآداب الصلاة، ثم دار حوار حول أمور الجاهلية واعترف معاوية بضرب جاريته. أمر النبي ﷺ بإعتاقها بعد ثبوت إيمانها، ليكون درساً في حسن التعامل مع الجاهل والمخطئ بالحكمة.

خاتمة الدرس ودعاء الختام واستكمال النماذج النبوية

يختم المتحدث الدرس بالإشارة إلى تعامل النبي ﷺ مع مختلف فئات الناس لجذبهم إلى الإسلام، داعياً الله بالتوفيق ومعلناً استكمال النماذج في الدرس القادم. ويبرز الختام أثر السيرة النبوية في الدعوة والتربية بالرفق واللين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله أحده، الصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أشهد أن لا إله إلا الله أحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنكمل ما تقدم ذكره في الكلمة السابقة عن أمر الرفق واللين وهميته للمسلم وللداعية إلى الله عز وجل على وجه الخصوص. فهذا الخلق العظيم الذي تحلى به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في دعوته، وعلم الناس كيف يصنعون في المواقف وفي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. وفي هذا المقام نذكر بعض النماذج من حياته صلى الله عليه وسلم ودعوته للناس؛ لأنه رحمة للعالمين، كيف يتعامل مع المخطئ الذي أخطأ أمامه أو أمام الناس، كيف يعالج النبي عليه الصلاة والسلام المخطئ إذا أخطأ. وحياته عليه الصلاة والسلام كلها في تعليم الناس دين الله سبحانه وتعالى؛ لأنه يدعو الناس إلى هذا الدين العظيم وأن يتمسكوا به. وهكذا كل من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه أن يتحلى بالأخلاق الفاضلة والآداب الكريمة. النموذج الأول: كان مع أحد الغلمان أو الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم. جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه أنه قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة، أي في قصعة الطعام، فكان يأكل مع النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا من حسن أخلاقه وأدبه عليه الصلاة والسلام أنه يأكل مع الغلمان، فلا يستكبر أن يأكل مع الغلمان ولو كان نبيًا عليه الصلاة والسلام، بل يعلم الناس ذلك أنه يأكل مع الفقير، ويأكل مع الصغير، ويأكل مع الصبي، ويأكل كذلك مع الكبير الشيخ الكبير؛ لأن هكذا تكون حياة المسلم ليس فيها كبر والعياذ بالله. فيقول عمر: كانت يدي تطيش في الصحفة، يعني أنه كان يأكل من جميع الجوانب، يعني إذا رأى شيئًا أعجبه ولو كان بعيدًا منه فإن يده تذهب إليه وتتناوله، فتطيش يده في الصحفة ها هنا وها هنا وها هنا. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام معلمًا له: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». في رواية الترمذي أنه قال: «يا بني، أدنِ، يا بني، أدنِ». ففيه أن النبي عليه الصلاة والسلام خاطبه بـ «يا بني»؛ فالكبير إذا رأى الصغير قد أخطأ يعامله بهذه المعاملة: «يا بني، تعالي، يا بني، أقرب»، فيأتي له بالألفاظ الطيبة التي تجعله يقترب وينتبه لما سيقال. فعمر رضي الله عنه وعى هذه الكلمات من النبي عليه الصلاة والسلام. جاء في البخاري أيضًا أنه قال: أي عمر هذا؟ قال: فما زالت تلك طعمتي بعد، طعمتي بعد، يعني هذه الكلمات حفظها وعمل بها. فهذا هو أثر التعليم وأثر الرفق بمن أخطأ. فإذا كان الشخص أخطأ وعاملته بالرفق فإنه يأخذ منك. فعمر رضي الله عنه يقول: فما زالت تلك طعمتي بعد، ما نساها، فكان يأكل مما يليه، وكان يسمي الله عز وجل: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». وهذا من آداب الطعام التي ينبغي أيضًا للمسلم أنه إذا أكل طعامًا مع أناس أنه يتأدب بهذا الأدب العظيم، الأدب النبوي الذي علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يكون جشعًا أنانيًا، وإنما يكون متأدبًا عند الطعام فيسمي الله عز وجل، ويأكل مما يليه، ويأكل بيمينه. هذه من آداب الطعام التي علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة، وهي للأمة جميعًا. الحديث الثاني: هو حديث امرأة، حديث امرأة هذه المرأة كانت تبكي عند قبر، فمر بها النبي عليه الصلاة والسلام. الحديث متفق عليه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. مر النبي عليه الصلاة والسلام بامرأة تبكي عند قبر، وهذا الميت أحد أقاربها، إما أن يكون زوجها أو ابنها أو أن يكون أخاها أو نحو ذلك من أقاربها، فجلست تبكي عند القبر. فمر بها النبي عليه الصلاة والسلام موازيًا لها، فقال لها: «اتقي الله، اصبري». يعني المرأة ما ينبغي لها أن تفعل ذلك، وإنما عليها أن تتقي الله عز وجل وأن تصبر على فراق الحبيب. فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي. ولم تعرفه أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقيل لها أي بعدما ذهب النبي عليه الصلاة والسلام: إنه النبي صلى الله عليه وسلم. قالت: فجاءت تجري إلى بيته، فلم تجد عنده بوابين، ما وجدت أحدًا يمنعها. هذا الإمام الأعظم عليه الصلاة والسلام، الرسول ما كان يجعل أحدًا يمنع الناس من ماذا؟ من مقابلته. ما عنده حراس لأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: فلم تجد عنده بوابين، فدخلت عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقالت: يا رسول الله، لم أعرفك. فاعتذرت أن ما عرفت النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه ما كان ينبغي لها أن تقول ذلك الكلام: «إليك عني»، أي ابتعد، فإنك لم تصب بمصيبتي. وإنما كان على المؤمن أنه إذا سمع كلام النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقول: سمعنا وأطعنا. فلو عرفته من البداية لقالت: سمعنا وأطعنا؛ لأنها أمرها بتقوى الله وأمرها بالصبر على المصيبة، فكان ينبغي لها التسليم، ولكنها ظنته شخصًا آخر، ولم تعرف أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أوجب الله عليها أن تطيعه وأن تسمع كلامه وأن لا ترد عليه. فقالت: فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام بعد قولها: «لم أعرفك يا رسول الله»، ما عنفها عليه الصلاة والسلام، وإنما قال لها: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». إنما الصبر عند الصدمة الأولى، يعني الصبر الحقيقي عندما تصاب من البداية، يأتيك الخبر بموت أحد أقاربك وتفجع به فتصبر وتحتسب وتقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، ﴿إِنَّا لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى﴾. ما أعطى. وفي رواية مسلم أن بينت الرواية أن هذه المرأة أصابها مثل الموت متى؟ لما قيل لها إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أصابها مثل الموت. يعني شيء عظيم أن ترد الرسول عليه الصلاة والسلام وتقول له ذلك، يعني وجدت نفسها ارتكبت خطأ كبيرًا حتى أصابها مثل الموت، مثل ما ينزل الموت بك عندما ترى أنك أخطأت في أمر عظيم، فأصابها مثل الموت لأنها ما عرفت أنه النبي عليه الصلاة والسلام إلا بعد ذلك. فانظروا كيف أثر التعليم والرفق من النبي صلى الله عليه وسلم بحال هذه المرأة. فأنت قد تجابه مثل هذه المواقف، تأتي عند شخص مصاب إصابته أليمة وكبيرة، فربما تواسيه بكلمة تقول له: اصبر واحتسب وكذا، فيرد عليك ربما في تلك اللحظة وهو في لحظة المصيبة بكلام غير طيب. فأنت لا تحنق ولا تغضب ولا تأخذ شيء في نفسك، هذا مصاب من الله عز وجل بمصيبة، فأنت تعذره. فالنبي عليه الصلاة والسلام عذرها أنها كانت عندها مصيبة، فقال لها: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». وكذلك أيضًا الحديث الثالث: ما رواه البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن أعرابيًا دخل المسجد، مسجد المدينة، قال: فبال في ناحية المسجد. فقال له الصحابة رضي الله عنهم: مه، مه، وهي كلمة زجر: مه، مه. فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: «دعوه، لا تزرموا، لا تزرموا». كلمة بمعنى: لا تعنفوا ولا تزعجوا. «دعوه يكمل بوله في المسجد». فأكمل الأعرابي بوله. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام بعدما أمرهم أن يضعوا على هذا البول سجلًا من ماء، أي دلوا من ماء، فذهب ذلك أثر النجاسة. فقال له عليه الصلاة والسلام: «إن هذه المساجد لا يصلح أن يبال فيها، إنما بنيت لذكر الله». فعلمه النبي عليه الصلاة والسلام. في رواية خارج الصحيح في ابن ماجه أنه قال: «بأبي وأمي»، هو عليه الصلاة والسلام، يعني فدى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبيه وأمه، وما يفدى إلا الغالي. فهذا الأعرابي لما رأى حسن تعامل النبي عليه الصلاة والسلام معه، وأنه هدأ الصحابة، قال لهم: «دعوه حتى يكمل بوله». فحسن المعاملة والأخلاق جعل ذلك الأعرابي يفدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأبيه وأمه، لأنه ما عنفه. فهذا المعلم الذي يعلم الناس كيف يتعاملون في المواقف. وفي رواية عند الحاكم أن هذا الأعرابي قال: «اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا»، لما رأى من حسن تعامل النبي عليه الصلاة والسلام. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد حجرت واسعًا، الرحمة للجميع، ما هي لي ولك فقط، وإنما رحمة الله واسعة». فانظروا كيف التعامل الطيب مع أنه ارتكب خطأ أن يبال في مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن الرفق واللين في تعليم المخالف وتعليم الجاهل إذا جهل وليس معاندًا له أثر في النفوس، فأثرت في نفس هذا الأعرابي حتى قال ذلك الكلام الطيب الذي فيه أنه يفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبيه وأمه، وأنه ما شهد أحدًا مثله معلمًا عليه الصلاة والسلام. الحديث الرابع: ما رواه الإمام أحمد، حديث أبي أمامة رضي الله عنه أنه قال: كنا جلوسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء شاب فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا. فقال القوم: مه، يعني كلام عظيم هذا، يريد الرسول صلى الله عليه وسلم يأذن له في الزنا، فزجر الصحابة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوه، ائذنوا». يا غلام، أو يا أيها الشاب، فدنى من النبي عليه الصلاة والسلام، فسأله بضعة أسئلة. هذه الأسئلة حوار تثير ما في النفس، النفس فيها غريزة، فيها شهوة، وهذا الشاب جاء عنده هذه الشهوة، فكيف يردعه النبي عليه الصلاة والسلام ويرده عما كان فيه وعما كان عليه، ويجعله يبغضها ويكرهها بعدما كان جاء يأتي ليستأذن النبي عليه الصلاة والسلام فيها؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أترضاه لأمك؟» سؤال عظيم، العاقل سيقول: لا. وهذا ما قاله الشاب: لا، والذي بعثك بالحق. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا الناس يرضونه لأمهاتهم». ثم قال له: «أترضاه لابنتك؟ لو عندك ابنة ترضى لها؟» فقال له: والذي بعثك بالحق، لا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا الناس يرضونه لبناتهم». ثم قال له: «أترضاه لأختك؟» فقال: لا يا رسول الله. فقال: «ولا الناس يرضونه لأخواتهم». «أترضاه لعمتك؟» قال: لا. قال: «ولا الناس يرضونه لعماتهم». «أترضاه لخالتك؟» قال: لا. قال: «ولا الناس يرضونه لخالاتهم». فهذه الأسئلة حركت قلب ذلك الشاب أن أمر الزنى خطير، وأنه عاقبته وخيمة، وأن الناس لا يرضونه كما أنت لا ترضاه لأهل بيتك، فالناس لا يرضونه لبيوتهم وأهلهم. ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه». فوضع يده على صدره ثم دعا له، فقال: «اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه، اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه». قال: فما التفت ذلك الشاب بعد ذلك إلى هذا الأمر. خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم طاهرًا صافي القلب مما جاء قبل لحظات، قبل لحظات يريد الرسول عليه الصلاة والسلام أن يأذن له في أن يزني، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام برفقه ولينه، فما قال: إيش تقول أيها الفتى؟ وقال: اضربوه أو كذا. فالصحابة هموا به، سؤال خطير، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام برفقه وتعامله مع الشاب، خرج الشاب من عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت إلى هذا الأمر أبدًا، ولا يحب هذا الأمر أبدًا. فهذا يدل على أثر، على أثر الرفق واللين في حسن التعامل. الحديث الخامس: حديث عظيم، وهو لصحابي حديث عهد بجاهلية، يعني أسلم قريبًا، ثم جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فشاهد معه الصلاة، دخل في الصلاة وهو لا يدري ما أحكام الصلاة. فكثير من الناس ربما يجهل أحكام الصلاة من عدم الكلام والأكل والالتفات ونحو ذلك. فجاء هذا الصحابي من البادية ودخل في الصلاة. هذا الصحابي هو معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه، حديث رواه الإمام مسلم. فدخل في الصلاة، فعطس رجل في القوم، عطس رجل، فقال له: يرحمك الله، في الصلاة. «يرحمك الله» لا يجوز أن تشمت العاطس في الصلاة. فالقوم الذين بجانبه رموه بأبصارهم، كل واحد يقول له كأنه يقول له: ماذا تقول؟ يعني اسكت. قال: فقلت: واثكل أمي، ما لكم تنظرون إلي؟ زيد على الأول، هذا الأول «يرحمك الله» هين، لكن الآن زيادة: «وثكل أمي، ما لكم تنظرون إلي؟» قال: فضرب القوم بأفخاذهم، يعني اسكت. قال: ولكني صمت، لما رأى أن الجماعة كلهم يضربون بأفخاذهم يعني اسكت، ولكني صمت. قال: فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بأبي وأمي، ما كهرني. ومعنى «ما كهرني»: أي ما نهرني، ولا ضربني، ولا شتمني. يعني هذا حسن التعليم في الصلاة. سمع النبي عليه الصلاة والسلام ما قاله هذا الرجل في الصلاة وتكلمه في الصلاة، والكلام في الصلاة يبطلها، لكنه كان جاهلًا، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «يا معاوية، إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وقراءة القرآن». يعني هذه الصلاة ذكر لله سبحانه وتعالى، ولا يصلح أن يتكلم الإنسان فيها بشيء من كلام الناس. فهنا حسن التعامل معه جعله يتكلم، ينطق بالذي في نفسه، ويخرج ما في نفسه. فقال معاوية: يا رسول الله، أنا حديث عهد بجاهلية، يعني لا تؤاخذني فيما قلت وفيما فعلت، أنا توني أسلمت قريب، يعني كأنه اعتذار لما حصل منه، يقدم اعتذار للنبي صلى الله عليه وسلم. انظروا حسن، لما الشخص يعاملك بالتي هي أحسن، أنت كذلك. هذا المخطئ ربما يكون عنده عذر لا تعلمه، فينطق ما في نفسه. الله يقول لك: والله صح كلامك، طيب كلامك صحيح، يعني أنت الذي يتقبل منك، أنت الذي قلته كلامك صحيح، طيب، جزاك الله خير، بس أبين لك أنا أيش الذي كان عندي، لماذا أنا فعلت هذا الكلام أو هذا الأمر، لماذا أنا سويت هذا الكلام، فيبين لك عذره، وقد قبل منك. لكن لو أنك عملته في البداية بغلظة وقسوة، فسيرد عليك مباشرة، ولا يبين لك عذره، مثل المرة: «يا رسول الله ما عرفتك»، لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا أيضًا معاوية رضي الله عنه قال: يا رسول الله، أنا حديث عهد بجاهلية، ألم أعرف هذا أنه في الصلاة لا يجوز الكلام. ثم قال: يا رسول الله، عندنا أقوام، هنا يأتي الحوار مع النبي صلى الله عليه وسلم. قال: يا رسول الله، عندنا أقوام يأتون الكهان. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «فلا تأتهم». قال: يا رسول الله، إن منا ناس يتطيرون، يعني الطيرة والتشاؤم. فقال: «ذاك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدنهم». قال: وإن منا رجالًا يخطون، يعني يستخدمون الخط. فقال: «قد كان نبي يخط، قد كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه خطه فذاك». فمن وافق خطه خطه فذاك. ثم قال معاوية: يا رسول الله، وإن لي جارية كانت ترعى لي غنمًا. انظروا إلى دخل في حديث عظيم في فوائد الأمة. قال: وإنها كانت يا رسول الله لي جارية، وإنها كانت ترعى لي غنمًا، وإن الذئب ذهب بشاة من غنمها، ولكني رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون. هنا عندما يستشعر الشخص أنه مذنب وأنه مخطئ، يطلب منك ماذا؟ يطلب منك الخلاص، كيف تحلوا هذا الأمر؟ أنا وقعت والله في خطأ، عندي أمور سابقة. حسن التعامل من النبي عليه الصلاة والسلام والرفق واللين جعل الصحابي يخرج ما عنده من الأشياء. أنت تستطيع بأسلوبك الطيب ولطف قولك وحسن أدبك وأخلاقك أنك تخرج من هذا المسكين الذي أخطأ عنده أشياء أيضًا قديمة في رأسه، فقد تكون معينًا له في ماذا؟ في إصلاحها. ما كان يقولها لحد، ولا يمكن أن يقولها لحد، ربما مستحي، ربما يقول: هذا سيضحك علي. لكن لما يرى أنك تريد إعانته، فإنه سيخرج لك ما عنده. فقام هذا الرجل فقال: يا رسول الله، عندي جارية، وإن الذئب قد ذهب بشاة من الغنم ترعى للغنم، وإني بشر، آسف كما يأسفون، أغضب كما يغضبون، وإني سكتها سكة، يعني ضربها في وجهها، سكتها سكة. يا رسول الله، إني أرى أن أعتقها، لجأ إلى العتق مباشرة، ما في كفارة لهذا الذنب إلا، فماذا ترى يا رسول الله؟ يعني نرى أني أعتقها حتى أكفر عن ذنبي. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ائتني بها». فأتى بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: «يا جارية، أين الله؟» قالت: في السماء. قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها، فإنها مؤمنة». أعتقها، فإنها مؤمنة. هذا نموذج من النماذج العظيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعامله ورفقه بأصحابه وأمته، وكيف الإنسان يعالج الأخطاء. عند كذلك في البيت، ربما يرتكب الأطفال، الأبناء، النساء، ارتكبون أخطاء، تحصل منهم هفوات، زلات، فلا تغضب، تكون سريع الغضب مباشرة، تسب وتلعن، أو كذلك ترمي بشيء في يدك، أو تضرب. لا، عالج الخطأ بأسلوب حكيم، بأسلوب طيب، يوقع أثرًا في نفس ذلك الشخص أنه يصلح من شأنه، وأنه لا يعود في ارتكاب ذلك الخطأ، وأنه يظل في قلبه على ماذا؟ على محبتك وإجلالك وتقديرك وتعظيمك. فكما كان النبي عليه الصلاة والسلام يتعامل مع الصغار والنساء والرجال والشيبان والكبار والأعراب وغيرهم، تعامل معهم بمعاملة الذي يحبب الناس في ماذا؟ في دين الإسلام. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وإن شاء الله نكمل بعض النماذج في الدرس القادم بإذنه وحوله وقوته. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.