الدرس في التعليق على مذكرة أحكام الصيام 59، ألقاها
يتناول هذا الفصل الأحكام الأساسية المتعلقة بصيام رمضان، مثل نية الصيام كل ليلة وحرمة الأكل والشرب بعد طلوع الفجر الصادق، وبطلان الصوم بنية قطع النية.
يشرح هذا الفصل أحكام التعامل مع الشهوة في نهار رمضان، مثل حكم خروج المذي وتقبيل الصائم لزوجته، وأحكام الغسل بعد الإنزال وإمساك بقية اليوم عند الإفطار بغير عذر.
يتضمن هذا الفصل أحكامًا متفرقة متعلقة بالصيام، مثل استعمال الطيب واستنشاق البخور والعادة السرية وإتيان البهيمة والكفارة والاحتلام أثناء النوم والإنزال بمجرد التفكير.
يناقش هذا الفصل حكم الإنزال أثناء الصوم بسبب النظر إلى الزوجة، ويوضح الفرق بين الإنزال دون تكرار للنظر والإنزال بتكرار النظر وتأثير ذلك على صحة الصيام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة محمد بن عبد الوهاب مصطفى، رحمه الله، في كتابه مذكرة في أحكام الصيام، في ذكره للفتاوى: قال الرابع والخمسون: إذا كان أذان الفجر الثاني مع طلوع الفجر الصادق، فلا يجوز الأكل والشرب معه. إذا كان أذان الفجر الثاني مع طلوع الفجر الصادق، يعني هذا الجواب في سؤال: هل إذا أذن الفجر هل لي أن آكل أو أشرب؟ فالجواب: إذا كان أذان الفجر الثاني مع طلوع الفجر الصادق، يعني في الوقت، في وقت الفجر الصادق الذي يحرم الطعام والشراب ويحل الصلاة. وقال: فلا يجوز الأكل والشرب معه، لا يجوز الأكل والشرب إذا أذن هذا المؤذن، ما دام أنه يؤذن في الوقت وهو يعلم بدخول وقت الفجر الصادق. أما إذا كان قبل الفجر الصادق، إذا كان هذا الأذان قبل الفجر بنحو ربع ساعة أو عشر دقائق أو نحو ذلك، فحينئذ لك أن تأكل وتشرب؛ لأنه لا يمنعك من الأكل والشرب إلا طلوع الفجر. والله عز وجل يقول: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾. قال الخامس والخمسون: لا بد من نية الصيام في كل ليلة لأيام رمضان؛ لأن صوم كل يوم عبادة مستقلة. لا بد من نية الصيام في كل ليلة لأيام رمضان، يعني كل يوم تنوي الصيام لهذا اليوم من الليل، من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له»، رواه أهل السنن من حديث حفصة رضي الله عنها. فحينئذ تبيت النية في كل ليلة من أيام رمضان. وبعض أهل العلم يقول: لا بأس أن ينوي الصائم نية عامة لجميع رمضان؛ وذلك أن يعني صيام رمضان أو صيام شهر رمضان العبادة فيه مضيقة، ما يستطيع الإنسان أن يصوم صوما غير رمضان، لو أراد أن يتنفل بصوم ما يستطيع، أو يقضي صياما عليه ما يستطيع، فالوقت كله والأيام كلها لصيام رمضان، فلو نية واحدة لجميع الشهر أجزأ ذلك، أجزأ ذلك. وهذا قول جماعة من العلماء، وهو الأظهر والله أعلم. قال السادس والخمسون: من نوى قطع النية في الصيام الواجب بطل صومه. من نوى قطع النية في الصيام الواجب بطل صومه، الصيام الواجب كرمضان، وصيام النذر، وصيام الكفارة، هذا كله من الصيام الواجب. إذا نوى قطع النية، نوى في قلبه أنه لا يصوم أو يقطع الصيام، فحينئذ يبطل صومه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». وهذا نوى قطع الصيام، فحينئذ ينقطع صومه ويبطل صومه. قال السابع والخمسون: يجب على الخبازين والطباخين صيام رمضان، أي لا يجوز لهم الفطر، وهكذا من كان عمله شاق، فإنه كذلك يجب عليه الصيام. فقد يعتذرون بأن يعني الخباز والطباخ فيه تعب وحرارة النار وشيء من ذلك، هذا لا يجيز لهم الفطر، يجب عليهم أن يصوموا؛ لأنه ليس لهم عذر من الأعذار الشرعية المبيحة للفطر. قال الثامن والخمسون: نزول المني عمدا من غير إيلاج في نهار رمضان يترتب عليه أربعة أحكام، وهي: أولا التوبة، ثانيا الغسل، ثالثا إمساك بقية اليوم، رابعا القضاء. نزول المني عمدا من غير إيلاج في نهار رمضان، من غير إيلاج يعني من غير حصول جماع، من غير حصول جماع. فإذا نزل المني عمدا بأي طريقة من الطرق، سواء كان بمباشرة، كان يباشر أهله ثم ينزل في غير الفرج، أو يكون بالاستمناء، وإن كان محرما فكذلك. إذا حصل ذلك ترتب عليه هذه الأمور الأربعة، أولها التوبة، أولها التوبة؛ لأن هذا الأمر لا يجوز أن يفعله الصائم، والصائم ملزم بإمساك شهوته، كما قال ربنا جل وعلا في الحديث القدسي: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». والشهوة هي الإنزال، هي الإنزال. فإذا أنزل معنى أنه لم يمسك شهوته، وقد ارتكب شيئا محرما عليه في أثناء الصيام، وعليه أن يتوب إلى الله جل وعلا. ثانيا الغسل؛ لأنه بهذا صار جنبا، لما حصل منه الإنزال أصبح جنبا، فوجب عليه الغسل؛ لأنه قول الله جل وعلا: ﴿إن كنتم جنبا فاطهروا﴾. ثالثا إمساك بقية اليوم؛ لماذا؟ لأنه أفطر بغير عذر شرعي، أفطر بغير عذر شرعي، فيلزمه أن يمسك، ما يقول الله: أنا قد أفطرت، سأكل وأشرب، يقال له: لا، أنت أفطرت بغير عذر شرعي، فعليك أن تمسك، ولا يجوز لك أن تأكل وتشرب. رابعا القضاء، أي قضاء هذا اليوم الذي أفطره. وبعض أهل العلم يذهب إلى أن من أفطر متعمدا فإنه لا ينفعه القضاء، وعليه التوبة، أن يتوب توبة نصوحا صادقة من هذا الفعل الذي فعله، وإفساد عبادة الصيام بغير عذر شرعي، فإن القضاء لا ينفعه. قال التاسع والخمسون: صيام رمضان ليس المقصود منه الإمساك عن الطعام والشراب والجماع فحسب، ولكنه صيام كل الجوارح عما حرم الله. فيصوم اللسان عن الغيبة والنميمة وقول الزور، وتصوم العين عما حرم الله النظر إليه، وتصوم الأذن عن الاستماع إلى الحرام. وهذا مر الكلام عليه بنحوه في الفتاوى السابقة: أن المقصود من الصيام ليس هو ترك الطعام والشراب وغيرها من المباحات، ثم يقع الصائم في أنواع من المحرمات، بل المقصود هو تحقيق تقوى الله جل وعلا بفعل أوامره واجتناب نواهيه. فالصائم يحفظ نفسه وصيامه وجوارحه عما حرم الله جل وعلا من فعل الزور وقول الزور والغيبة والنميمة واستماع الحرام والنظر إلى الحرام وغير ذلك مما حرم الله جل وعلا. قال الستون: خروج المذي من الصائم لا يفسد صومه على الصحيح. خروج المذي، المذي مادة لزجة تخرج من الإنسان عند ثوران الشهوة، بسبب التفكير مثلا في أمور الجماع ونحوها، أو عند مباشرة الرجل أهله، تخرج هذه المادة المسماة بالمذي، وهي لا تفطر الصائم على الصحيح. وقوله: على الصحيح، إشارة إلى الخلاف في هذه المسألة، والصحيح أنه لا يفطر أو لا يفطر بخروجه الصائم؛ لعدم الدليل الدال على الفطر. قال الحادي والستون: تقبيل الصائم لزوجته في نهار رمضان له ثلاث حالات. الحالة الأولى: يحرم، وهي إذا كان ذا شهوة وغلب على ظنه أنه إذا قبل زوجته أو باشرها بما دون الفرج أنزل. الحالة الثانية: يكره، وهي إذا كان ذا شهوة ولا يغلب على ظنه أنه ينزل، لكنه لا يأمن أن يحصل منه ذلك. الحالة الثالثة: يباح، وهي من كان التقبيل والمباشرة بما دون الجماع لا يحرك شهوته. هذه ثلاث حالات في حكم تقبيل الصائم لزوجته في نهار رمضان. الحالة الأولى: أنه يحرم عليه ذلك إذا كان ذا شهوة وغلب على ظنه أنه إذا فعل ذلك، قبل زوجته أو باشرها، أنزل، يعني لم يتحمل فأنزل وأمنى، ولو كان ذلك بما دون الفرج، فهذا يحرم عليه؛ يحرم عليه مباشرة أهله، وذلك لأن المباشرة وإن كانت مباحة فإن هذا المباح سيؤدي إلى ماذا؟ إلى الوقوع في الحرام، سيؤدي إلى الوقوع في الحرام، فلأجل ذلك يمنع. الحالة الثانية: يكره، وهي إذا كان ذا شهوة ولا يغلب على ظنه أنه ينزل، لكن لا يأمن أن يحصل منه ذلك، يكون عنده شهوة ولا يغلب على ظنه أنه ينزل، لكن لا يأمن، يقول: أنا والله ما آمن على نفسي، الله أعلم، قد أملك نفسي، قد لا أملك نفسي، هذا يقال له: يكره لك أن تباشر أهلك، وعليك أن تجتنب، لكن لا يصل إلى حد التحريم في حقه؛ لأنه غير متيقن من حصول الإنزال. الحالة الثالثة: أنه يباح له ذلك إذا كان التقبيل والمباشرة لا يحرك شهوته، يعني يكون عنده شيء من البرودة، فإذا حصل منه ذلك لم تتحرك شهوته، فمثل هذا لا بأس، أنه يقبل ويباشر ولا يضر ذلك في صيامه. والدليل على ذلك قول عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه»، كان أملككم لإربه، يعني لحاجته، كان يملك شهوته عليه الصلاة والسلام، فكان يقبل ويباشر، لكن لا يحصل منه الإنزال، فمن كان كذلك جاز له المباشرة، ومن كان يعلم من نفسه أنه لا يملك نفسه فهذا يجتنب ويبتعد. قال الثاني والستون: لا مانع من الطيب للصائم، الطيب العطر، لا بأس أن يستعمله الصائم، يستعمله ويشم رائحته، فذلك أن يعني الطيب ليس له جرم يدخل إلى جوف الإنسان، مجرد رائحة، فلا يضر استعماله. قال الثالث والستون: ينبغي للصائم أن يجتنب استنشاق البخور، وأما تبخير الثياب والعمامة فلا بأس به. ينبغي للصائم أن يجتنب استنشاق البخور؛ ما معنى استنشاق البخور؟ يعني استنشاقه، استنشاق البخور بالأنف، هذا يجتنبه؛ لماذا؟ لأن البخور له جرم، له جرم إذا أتى بالمبخرة واستنشقها دخل البخور إلى داخل الجوف، فلهذا لا يفعل هذا. لكن هل له أن يبخر الثياب ويبخر يعني جسده؟ لا بأس بهذا، يبخر ثيابه، قميصه وعمامته، هذا ما فيه شيء. أما كونه يستنشق البخور فهذا الذي ينبغي أن يجتنبه. قال الرابع والستون: العادة السرية محرمة وهي مفسدة للصيام، ويجب قضاء الأيام التي فعلها فيها إذا كان الصيام واجبا. العادة السرية محرمة، وهو الإنزال عن طريق دل الفرج، الذكر أو حكه أو نحو ذلك، هذه تسمى العادة السرية، وهي محرمة. والدليل على تحريمها قول الله جل وعلا: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾، من ابتغى وراء ذلك، أي غير إتيان الزوجات وملك اليمين، فهو من العادين المعتدين، واحتراز الاستمناء هو من غير الزوجات وملك اليمين، إذن فيكون صاحبه من العادين، فيدل ذلك على تحريم هذه العادة، فهي محرمة. ومع كونها محرمة إذا فعلها الصائم فسد صومه، فسد صومه، ويجب عليه القضاء الأيام أو اليوم الذي حصل منه ذلك. قال الخامس والستون: إتيان البهيمة محرم ومفسد للصوم، ويجب قضاء ذلك اليوم إذا كان الصيام واجبا كذلك. إتيان البهيمة محرم، كالدابة مثلا، الأتان ونحو ذلك، هذا فعل محرم لا يجوز، فلو حصل ذلك كان آثما، وإذا كان صائما فسد صومه، فسد صومه، ويجب عليه قضاء هذا اليوم الذي فعل فيه ذلك وفسد فيه صيامه. ومن فعل ذلك فإنه يعزر، يعزر، يعزر بالسجن أو بضرب أو شيء من ذلك. قال السادس والستون: الكفارة خاصة بالجماع في نهار رمضان. الكفارة خاصة بالجماع في نهار رمضان، يعني لو أن إنسان عليه قضاء من رمضان، أفطر أيام من رمضان، ثم قضى هذه الأيام بعد رمضان، في أثناء القضاء أتى أهله، أتى أهله وهو صائم، يصوم إلا في نهار رمضان، إلا إذا كان في نهار رمضان، أما إذا كان في غير رمضان فلا تجب الكفارة، الكفارة المغلظة في الجماع خاصة في شهر رمضان، في نهار رمضان فقط. قال السابع والستون: احتلام الصائم وهو نائم لا يفسد صومه؛ لأنه بغير اختياره. إذا احتلم الصائم نام فاحتلم، قام من النوم وإذا ثوبه قد ابتل، هل فسد صومه؟ بهذا الجواب لا، صومه صحيح؛ لماذا؟ أليس قد أنزل؟ الجواب: نعم، لكنه بغير اختياره، حصل هذا الانزال بغير اختيار، هو نائم، والنائم معذور، رفع القلم عن ثلاثة، وعن النائم حتى يستيقظ، إذن هو معذور، ليس له في ذلك اختيار، فصومه صحيح، وعليه أن يغتسل ويستمر في صيامه، هذا إذا أنزل. أما إذا لم ينزل، رأى احتلاما لكن لم ير ماء، فليس عليه غسل. قال الثامن والستون: الإنزال في نهار رمضان بمجرد التفكير لا شيء فيه. الإنزال في نهار رمضان بمجرد التفكير، إنسان يفكر في أمر الجماع ونحو ذلك، يعني ربما يكون قريب عهد بزواج، فجلس يفكر في هذا الأمر حتى أنزل، ماذا عليه؟ هل يفسد صومه؟ الجواب: لا، صومه صحيح؛ لماذا؟ لأن التفكير ليس بعمل، التفكير ليس بعمل، فلهذا لا يؤاخذ به. وإن كان هناك بعض العلماء يقولون بأنه يفطر، لكن الصحيح، وهذه فتوى اللجنة الدائمة: أنه لا يفسد صومه؛ الصحيح لأن التفكير ليس بعمل، بخلاف المباشرة والاستمناء ونحو ذلك، هذا فعل وعمل عمله حتى حصل منه الإنزال، لكن مجرد التفكير فإن ذلك لا يضر بصيامه، صومه صحيح. ومثل ذلك النظر، إذا نظر إلى زوجته من غير تكرار، طيب وهو شديد الشهوة مثلا فأنزل، فصومه صحيح، فصومه صحيح، إلا إذا كرر النظر، فجعل ينظر وينظر وينظر حتى تثور شهوته فأنزل، فهذا يفسد صومه في قول أي جماعة، كثير من أهل العلم؛ لأن هذا عمل منه أدى إلى حصول الإنزال. صلى الله وسلم على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين.