القواعد والأصول الجامعة 60

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 60، ألقاها

مقدمة في تفضيل المصالح وتقديم الأعلى منها

إذا تزاحمت المصالح قدم الأعلى منها، مثل تقديم الواجب على المستحب. هذا المبدأ يساعد في تحديد الأولويات عند التعارض.

اتباع الأحسن ومراتب الواجبات والمستحبات

يشرح الحسن البصري أهمية اتباع الأحسن في الأقوال والأفعال، ويبين مراتب الواجبات والمستحبات وتفاوتها. هذا يساعد في فهم كيفية التعامل مع المواقف المختلفة.

تطبيق مبدأ تقديم الواجب على المستحب

إذا تعارض الواجب والمستحب، قدم الواجب. هذا المبدأ يطبق في مختلف العبادات مثل الصلاة والصدقة والصيام والحج والعمرة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعد رحمه الله في كتابه "القواعد والأصول الجامعة" القاعدة الثالثة والثلاثون: إذا تزاحمت المصالح قدم الأعلى منها، فيقدم الواجب على المستحب، والراجح من الأمرين على المرجوح. وإذا تزاحمت المفاسد وطر إلى واحد منها، فقدم الأخف منها. هذه القاعدة من القواعد العظيمة، إذا تزاحمت المصالح، مفهوم المخالفة إن لم تتزاحم، فإنه يؤتى بكل المصلحتين، هذا لا إشكال فيه. لكن إذا حصل تزاحم، إما هذه وإما هذه، فأيهما نقدم؟ قال: يقدم الأعلى منها، ننظر أيهما أعلى من المصلحتين، فنقدم الأعلى. قال: فيقدم الواجب على المستحب؛ لأن الواجب أوكد. قال: والراجح من الأمرين على المرجوح؛ إذا كان عندنا أمرا راجحا وأمرا مرجوحا، فيقدم الراجح؛ لأنه أعلى وأولى. وإذا تزاحمت المفاسد، وطر إلى واحد منها، فقدم الأخف منها. إذا تزاحمت المفاسد، الأصل أننا ندفع المفاسد كلها ونجتنبها، لكن إذا حصل أنه لا بد من ارتكاب إحدى المفسدتين، لا مفر من ذلك، إما هذه وإما هذه، فأيهما نرتكب؟ قال: فنرتكب الأخف، نرتكب أخف المفسدتين لدفع الأعلى منهما؛ وذلك أن الشريعة جاءت لتحقيق المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها. قال: وهذان أصلان عظيمان. قال الله تعالى: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ أي أصلح وأحسن؛ يعني إلى الطريق التي أفضل وأحسن وأصلح. قال: وقال: ﴿اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾ اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم. إذن عندنا حسن وعندنا أحسن، وإن كان كل ما أنزله الله سبحانه وتعالى فهو حسن وفضل، وفيه فضيلة، لكن هذه الفضيلة تتفاوت. أو يراد كذلك بالأحسن ما أمر الله سبحانه وتعالى بفعله، ما أمر الله سبحانه وتعالى بفعله وترك ما أمر الله سبحانه وتعالى باجتنابه، فيكون قوله جل وعلا: ﴿اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾ أي ما أمر الله سبحانه وتعالى أن نفعله من الطاعات والقربات. ولا شك أن الواجب أحسن من المستحب، الواجب أحسن من المستحب، والتقرب لله جل وعلا في الواجب أحب إلى الله جل وعلا من التقرب إليه بالمستحب. وهكذا أيضا التقرب إلى الله جل وعلا بترك الحرام والمحرم، هذا أيضا مما يحبه الله سبحانه وتعالى. قال الحسن البصري رحمه الله في تفسير هذه الآية: "التزموا طاعته واجتنبوا معصيته؛ فإن القرآن ذكر القبيحة لتجتنبها، وذكر الحسن لتفعلها، وذكر الأحسن لتؤثره" يعني تقدمه على غيره. فالله عز وجل ذكر الفواحش والمحرمات والمنكرات لأجل أن نجتنبها، وذكر جل وعلا الطاعات والقربات لأجل أن نفعلها، وأمرنا جل وعلا بفعلها واختيار الأحسن منها. وقال: ﴿والذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه؛ أي أحسن القول؛ لأن من القول ما هو حسن وما هو أحسن، فالله أمرنا أن نتبع الأحسن والأفضل. قال: فالواجب أحسن من المستحب. ولهذا قال ربنا جل وعلا في الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه». إذن فعل الواجب أفضل وأكمل من فعل المستحب. قاله أحد الواجبين أو المستحبين أرجح مما دونه أحسن. كذلك الواجب نفسه فيه مراتب، الواجب المتفق عليه ليس كالواجب المختلف فيه، فالواجب المتفق عليه أقوى وأوجب من الواجب المختلف فيه. وهكذا أيضا كذلك المستحبات تتفاوت، فالمستحب الذي جاء فيه الأمر بفعله ليس كالمستحب الذي لم يأت فيه الأمر، مجرد يعني ذكر فضل أو أجر في فعله، فهذا دون المستحب الذي جاء فيه الأمر. يعني مثلا قول النبي عليه الصلاة والسلام: "صلوا قبل المغرب" قال: "لمن شاء صلاة ركعتين قبل المغرب"، هذه مستحبة وجاء فيها الأمر، إذن استحبابها أوكد من استحباب صلاة ركعتين لم يأت فيها الأمر، كصلاة ركعتين الوضوء، كصلاة ركعتي الوضوء؛ لأن هذا المستحب جاء فيه الأمر، فهذا أوكد. قال: وقصة الخضر في خرقه للسفينة وقتله الغلام تدل على الأصل الآخر؛ يعني ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما. وذلك أن الحال دائرة بين قتله للغلام وهو مفسدة، وبين إرهاقه لأبويه الكفر وإفساده لدينهما، وهي مفسدة أعظم، فارتكب الأخف؛ يعني أن الخضر لما قتل الغلام، السبب في ذلك هو أنه سيرهق أبويه حتى يوقعهما في الكفر، ووقوعهما في الكفر لا شك أن هذه مفسدة أعظم من التخلص من هذا الغلام، وإن كان في هذا مفسدة لكنها أخف، فارتكب هذه المفسدة الأخف لدفع المفسدة الأعلى والأعظم، وهي وقوع الأبوين في الكفر. قال: وكذلك خرقه للسفينة مفسدة، وذهاب السفينة كلها غصبا من الملك الذي أمامهم مفسدة أكبر، فارتكب الأخف منهما. لما خرق الخضر السفينة، قال له موسى: "خرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئا إمرا". ثم لما فسر له هذا الفعل، أبين له أن هناك ملكا كان يأخذ كل سفينة صالحة غصبا. قال ابن عباس: "كل سفينة صالحة غصبا يأخذها غصبا وقهرا على أصحابها". فأيهما أولى أن يعيب هذه السفينة فتسلم من ظلم هذا الملك وتبقى لأصحابها، أو أن يبقيها صالحة فيأتي الملك فيأخذها على أصحابها؟ أليس خرقها وسلامة هذه السفينة لأصحابها أولى وأخف من إبقائها صالحة فيأخذها هذا الملك قهرا وغصبا؟ لا شك أن الأول هو الأخف، أنه يعيبها بهذا الخرق، وحينئذ يتركها الملك فلا يأخذها، وتسلم حينئذ لأصحابها. ثم هذا الخرق يصلح بعد ذلك، وينتفع أصحاب السفينة بسفينتهم، فكان فعله عليه السلام هذا من باب ارتكاب أذنى المفسدتين لدفع أعلاهما. قال: فيدخل في هذين الأصلين من مسائل الأحكام ما لا يحد. فإذا دار الأمر بين فعل الواجب أو المسنون، وجب تقديم الواجب في الصلاة والصدقة والصيام والحج والعمرة وغيرها. يقول: إذا دار الأمر بين فعل الواجب أو المسنون، أي المستحب، وجب تقديم الواجب. في الصلاة يعني مثلا لو ضاق الوقت على فعل الصلاة، فلم يكن هناك وقت يسع إلا لأداء الصلاة الفريضة في وقتها، مثلا الظهر، إنسان مثلا نسي صلاة الظهر، لم يذكر إلا قبل العصر بخمس دقائق أو سبع دقائق، مثلا أو عشر دقائق في وقت يكفي لصلاة أربع ركعات، فهل هنا يصلي السنة القبلية للظهر أو أنه يصلي فريضة فقط؟ الجواب: يصلي الفريضة فقط حتى يدرك وقتها، وقد ضاق حينئذ الوقت، فيقدم الواجب على المستحب. يقدم الواجب على المستحب، وكذلك أيضا في الصدقة إذا أراد أن يتصدق صدقة مستحبة، وقد وجبت عليه صدقة واجبة، فيقدم الصدقة الواجبة. وفي الصيام كذلك إذا أراد أن يصوم صوما مستحبا وهو عليه قضاء من رمضان، فيقدم أولا ما عليه من قضاء رمضان؛ لأن هذا واجب. وهكذا الحج، كيف يكون صورة اجتماع المستحب مع الواجب في الحج؟ لو أنه وجب عليه الحج، وجب عليه الحج، وصار مستطيعا للحج، وطلب شخص ما أن يحج عنه، قال له: "حج عني"، فحجه عن هذا الشخص سيكون مستحب، وحجه عن نفسه واجب، أيهما يقدم؟ يقدم حجه عن نفسه؛ لأن هذا أوجب. قال: والعمرة كذلك على القول بوجوبها، وهو الصحيح. وغيرها أي من الطاعات، إذا تزاحم الواجب والمستحب، فيقدم الواجب منها. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على