الدرس في كتاب المعاملات 37، ألقاها
يشرح معنى أرض الموات وحكم إحياءها، حيث أن من أحيا أرضا ميتة فهي له. الإحياء قد يكون مستحبا إذا كان لحاجة الناس والدواب.
يشترط لإحياء الأرض الموات أن لم يجري عليها ملك مسلم وأن يكون المحيي مسلما. يحصل الإحياء بأمور مثل إحاطتها بحائط أو غرس شجر فيها.
يجوز لولي الأمر إقطاع الأرض الموات لمن يحييها. وللإمام حماية العشب في أرض الموات لإبل الصدقة وخيل المجاهدين إذا احتاج إلى ذلك.
يتضمن الدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالصلاة والسلام، وآله وصحبه أجمعين. يعتبر هذا الدعاء من السنن المستحبة في الإسلام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله- الباب التاسع عشر: إحياء الموات، وفيه مسائل. قال: المسألة الأولى: في معناه وحكمه. قال: معناه: الموات لغة هو ما لا روح فيه، يقال له موات، أي الشيء الميت، هذه لا روح فيه. قال: والمراد به الأرض التي لم تعمر، ولا مالك لها، الأرض التي لم تعمر، لم يمنى فيها بناء، ويغرس فيها زرع، يقال له: هذه أرض موات، أو لا مالك لها، لا يملكها أحد، قاله في الاصطلاح: هو الأرض المنفكة عن الاختصاصات، وملك معصوم، الأرض المنفكة يعني الخالية، الأرض الخالية عن الاختصاصات، ليس فيها شيء يخص الناس، مثل مجاري السيول، ومواضع الحطب، ومواضع الرعي، وأماكن وضع القمامة، ونحوها مما هي من مصالح العامة، هذه تعتبر من اختصاصات الناس وحاجاتهم في البلد وفي القرى، فمثل هذه لا تعد من أرض الموات؛ لأن لها اختصاصات، لكن إذا كانت منفكة عن هذه الاختصاصات، وكذلك أيضا عن ملك معصوم، والمعصوم: المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن، فإذا كانت هذه الأرض ليس عليها اختصاصات، ولا هي ملك لمعصوم، فهذه هي الأرض الموات. قال: فهو الأرض الخراب التي لم يجري عليها ملك لأحد، التي لم يجري عليها ملك لأحد، يعني ما قد ملكها أحد، ولم يوجد فيها أثر عمارة، يعني بناء، أو وجد فيها أثر ملك وعمارة، ولم يعلم لها مالك، يعني قد يقول لها أثر عمارة، لكن قديمة، توجد بعض الآثار مثلا آثار بناء من طين أو نحو ذلك، لكنها اندثرت، يعني مع مضي السنين، ولم يعلم لها مالك، فهذه تعتبر أيضا من أرض الموات، التي يجوز للمسلم أن يتملكها. وهكذا أيضا يلحق بأرض الموات من ترك متاعه، وزهد فيه، من ترك متاعه، وزهد فيه، وتخلى عنه، فإنه يجوز لغيره أن يأخذه، لو أن إنسان رمى ببعض الأمتعة ما يريدها، استغنى عنها، فمن وجدها فهو أحق بها، له أن يأخذها، وربما في بعض البلاد التي يعيش أهلها في ترف، ربما يستعملوا بعض الأثاث شيء من السنين أخرجوه في خارج البيت وتركوه، يعني معنى أن صاحبه ما يريده، تخلى عنه، فمثل هذا من وجده أخذه، هو يمتلكه، بذلك يأخذه ويمتلكه. ومثل أيضا ما قد يلقيه بعض من يمشي في السفن، إذا رأوا مثلا السفينة ثقيلة، وخشوا على نفسهم الغرق، ألقوا بعض الأمتعة في البحر، هذه كذلك الأمتعة التي تلقى يجوز من وجدها أن يأخذها؛ لأن أصحابها قد يعني تركوها وتخلوا عنها، إذا لا رغبة لهم فيها، فيجوز من وجدها أن يأخذها. ودليل ذلك حديث جابر رضي الله عنه، أنه كان له جمل فأعيا، يعني كان بطيئا في السير، فأراد جابر أن يطلقه، أن يتركه، يتخلى عنه، لكن النبي عليه الصلاة والسلام اشتراه منه، كما في الحديث، فالشاهد أنه لو تركه وأطلقه، من وجده وأخذه صار له، وهكذا من ترك متاعا له وتخلى عنه، فمن وجده أخذه. قال: ثانيا حكمه وأدلته. قال: والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضا ميتة فهي له»، وليس لعرق ظالم حق، والحديث رواه أبو داود والترمذي من حديث سعيد بن زيد، من أحيا أرضا ميتة فهي له، إذن يعني له، معنى أنه يمتلكها بذلك. وقال: والعرق الظالم: أن يجيء الرجل إلى أرض قد أحياها غيره، فيغرس فيها أو يزرع، ليستوجب بذلك الأرض، يأتي إلى أرض قد أحياها غيره، وسيأتي بماذا يكون لإحياء الأرض، فيأتي يغرس فيها، يزرع فيها، حتى يقول: هذه الأرض لي، ثم يخاصم صاحب الأرض، هذا لا يجوز، هذا ظالم، وليس له حق، ليس لعرق ظالم حق. قال: وقد يكون الإحياء مستحبا لحاجة الناس والدواب ونفعهم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر، وما أكله العوافي فهو له صدقة»، الحديث رواه الدارمي والإمام أحمد، وصححه علام الألباني رحمه الله، والمراد بالعوافي يعني الطير وغيرها مما يأكل من إنسان أو بهما، فإذا أحيا أرضا ميتة، فإنه يؤجر على ذلك، وما أكل من هذه الأرض، فله صدقة، فهو له صدقة، لو أحيا أرضا ميتة فزرعها، تأتي الطيور تأكل، والحيوانات، أو الناس مثلا، فله صدقة، كل ما أكل من هذه الأرض تكون صدقة له، فهذا يدل على استحباب إحيائها لمثل هذا الغرض، لنفع الناس والدواب. قال: المسألة الثانية: شروط ما يحصل به. قال: أولا: أنه لم يجري. قال: يشترط لصحة إحياء الموات شرطان: الأول: أنه لم يجري على الأرض ملك مسلم، فإن جرى ذلك حرم التعرض لها بالإحياء إلا بإذن شرعي، لم يجري على الأرض ملك مسلم، يعني على هذه الأرض لم يتملك أحد من المسلمين، فإن جرى ذلك يعني أن تملك أحد المسلمين، حرم التعرض لها بالإحياء، إذا كانت هذه الأرض ملك لفلان، ما يجوز يأتي إنسان ويبني فيها أو يزرع فيها إلا بإذن، إذا أذن له صاحب الأرض لا بأس، أما إن لم يأذن فلا يحل له أن يحييها، وأن يبني فيها أو يغرس فيها. قال: ثانيا: أن يكون المحيي مسلما، فلا يجوز إحياء الكافر مواتا في دار الإسلام؛ لأنه ليس له حق، ليس للكافر حق في بلاد الإسلام، فما يأتي الكافر ويحيي أرضا ميتة، يقول: هذه أرض موات، أنا أحييتها، قال: وأنت ليس لك حق في بلاد الإسلام. قال: ويحصل الإحياء بأمور: أولا: إذا أحاطها بحائط منيع مما جرت به العادة، فقد أحياها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحاط حائطا على أرض فهي له»، أخرجه أبو داود من حديث سمرة بن جندب، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله، من أحاط حائطا على أرض فهي له، حاط حائطا يعني فعل جدار، سواء هذا الجدار من حجر أو فعله مثلا من جذوع النخل ونحو ذلك، فإنه إذا فعل ذلك أقام حائطا على الأرض، فهي له، يكون بذلك قد أحياها، حائط منيع بحيث يمنع من دخول شيء إليها، يكون بهذا قد أحيا هذه الأرض، فهي له. قال: ثانيا: إذا حفر في الأرض الموات بئرا فوصل إلى الماء، فقد أحياها، وإن لم يصل إلى الماء فهو الأحق من غيره، وكذلك لو حفر فيها نهرا، يقول: إذا حفر في الأرض الموات بئرا فوصل إلى الماء، فقد أحياها؛ لأن الأرض بوجود الماء تكون حية، فإذا حفر بئر وصل إلى الماء، صار بذلك قد أحيا هذه الأرض، وبهذا يكون قد امتلكها، فصارت ملكه. قال: ثالثا: إذا أوصل إلى الأرض الموات ماء أجراه من عين أو نهر أو غير ذلك، فقد أحياها بذلك، أرض ميتة فأجرى فيها ماء من عين هناك عين تنبع، ففعل لها يعني ساقية حتى أوصل الماء إلى الأرض، فصار بهذا قد أحياها، أو نهر فأجرى الماء من النهر حتى وصل إلى الأرض، فصار بهذا قد أحياها، أو غير ذلك يعني من إيصال الماء من إيصال الماء إلى الأرض. قال: رابعا: إذا غرس فيها شجرا، وكانت قبل ذلك لا تصلح للغرس، فنقاها وغرسها، فقد أحياها، أرض مثلا كلها أحجار، أبعد الأحجار ونقى هذه الأرض وصفاها حتى أصبحت صالحة للغرس، فغرس فيها، صار بهذا قد أحياها. قال: خامسا: من العلماء من قال: إن الإحياء لا يقف عند هذه الأمور، ويرجع فيه إلى العرف، فما عد الناس إحياء فهو إحياء، وما لا يعد إحياء فلا يعتبر، وهذا هو الصحيح، أن مرجع وضابط الإحياء هو ما عرف بالعرف أنه إحياء لها، ما عد إحياء لها فهو إحياء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر»، وما ذكر حدا لهذا الإحياء، وإذا ذكر الشرع حكما ولم يحده بحد، فالمرجع في حده إلى العرف، والعرف معمول به إذا ورد حكم من الشرع الشريف لم يحد، هذا هو القول الصحيح، أنه يرجع في تحديد إحياء الأرض إلى العرف، كل ما عد عرفا أنه إحياء فهو إحياء. قال: المسألة الثالثة: بعض الأحكام المتعلقة به. أولا: من أحيا شيئا من أرض الموات، فقد ملكه، لعموم الأحاديث المتقدمة، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضا ميتة فهي له»، من أحيا شيئا من أرض الموات، فقد ملكه، إذا كانت هذه الأرض ليست لأحد، وليس هناك منع من ولي الأمر، فمن بسط يده عليها وأحياها بأي نوع من أنواع الإحياء كما سمعنا، من بناء أو جدار، أو حفر بئر وصل إلى الماء، أو أزال ما على هذه الأرض من أحجار، أو سوى وجعلها مهيئة للزراعة أو الغرس، أو أجرى فيها الماء، أو نحو ذلك مما فيه معنى الإحياء، فإنه يتملك هذه الأرض بذلك، وتصير ملكا له، لا يجوز لأحد أن يأتي بعد ذلك وينازعه فيها. قال: ثانيا: حريم المعمور لا يملك بالإحياء؛ لأن مالك المعمور يستحق مرافقه، حريم المعمور المراد به حريم المعمور، أي المرافق، مرافق ما حول ما حول الأرض من مرافق وحقوق ونحو ذلك، فهذه لا تملك بالإحياء، يعني آن إنسان أحيا أرضا، هذه الأرض لها مرافق ما حولها، هذه لا يملك هذه المرافق، لا يملكها، وإنما يملك الأرض فقط، وهذه المرافق هو ممن يستحقها أو يستحق الانتفاع بها كما يستحق الانتفاع بها غيره، لكن ملكا لا يملكها، إنما يملك الأرض فقط التي أحياها. قال: ثالثا: لإمام المسلمين إقطاع الأرض للموات لمن يحييها، لحديث وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضا بحضرموت، والحديث رواه الإمام الترمذي وصححه علام الألباني رحمه الله، يجوز ولي الأمر إقطاع الأرض الموات لمن يحييها، أرض ميتة يقول لشخص من الناس: أنت لك من هنا إلى هنا، هذه لك حتى يحييها، فإذا أحياها ملكها، وإذا لم يحييها، قال أهل العلم: يعطى فترة من الزمن، فإذا لم يقم بإحيائها، فيقال له: إما أن تحييها، وإما أن تعطى لغيرك ممن يحييها وينتفع بها، فإذا لم يحييها أعطيت لغيره، أخذت منه وأعطيت لغيره حتى يحييها، إما ببناء أو بغرس أو بزرع. قال: رابعا: يجوز للإمام أن يحمي العشب في أرض الموات لإبل الصدقة وخيل المجاهدين إذا احتاج إلى ذلك، ولم يكن فيه ضيق أو مضر على المسلمين، وليس ذلك لأحد سوى إمام المسلمين، قال: وهو مشروع للمصلحة العامة، ففي حديث الصعب بن جثامة مرفوعا: «لا حما إلا لله ولرسوله»، والحديث في البخاري، ومعناه حما، أي جعله حما، أي محظورا لا يقرب، يقول: هنا يجوز للإمام، المراد بالإمام أي الإمام العام، الإمام العام أي الحاكم والرئيس، أن يحمي العشب في أرض الموات، إذا كان هناك أرض ميتة ليست لأحد، فيأتي ولي الأمر ويحمي هذه الأرض، يجعل مثلا لها حدود، ويجعل لها جدار مثلا أو شيء من ذلك حتى لا تدخل الدواب المسلمين إليها فترعى فيها، ويحميها، لماذا يحميها؟ قال: لإبل الصدقة، يجعلها لإبل الصدقة، إذن هناك إبل الصدقة، أو خيل المجاهدين التي تستعمل في الجهاد، يعني تكون في مصالح المسلمين، وكذلك لا يكون في ذلك مضر على المسلمين، ولهذا ذكر العلماء كما ذكر الآن في هذا الموضع ذكر ثلاثة شروط، يعني كلامه يوحي إلى وجود ثلاثة شروط لأجل صحة هذا الحمى. الشرط الأول: أن يكون من إمام المسلمين، أن يكون الذي يحمي هذه العشب وهذه الأرض هو الإمام العام، ليس أحد من أفراد المسلمين أو أحد مثلا من أفراد الدولة أو ليس هو بإمام للمسلمين، لا يجزئ أن يأتي من هو دونه فيحمي الأرض، إنما هذا خاص بالإمام العام. الشرط الثاني: أن يكون هذا الحمى لأجل دواب المسلمين، سواء كانت إبل الصدقة أو الخيل التي تستعمل في الجهاد، فيكون هذا في مصالح المسلمين. الشرط الثالث: أن لا يكون في ذلك مضر على المسلمين، ومن أمثلة المضر أن لا يكون للمسلمين مرعى إلا هذا المرعى، أن لا يكون لهم مرعى لدوابهم إلا هذا المرعى، فيأتي فيحميه، حينئذ يضر بدوابهم، في مثل هذا لا يجوز، لكن لو كان المرعى واسع وللمسلمين مراعي كثيرة، فهو اختطع منها جزءا، جعله لدواب المسلمين، هذا جائز، إذا لم يكن فيه مضرة، فهذا جائز. فإذا يجوز، أن يحمي الإمام بعض الأرض لدواب المسلمين على هذا الشرط، إذا لم يكن في ذلك مضر على المسلمين، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا حما إلا لله ولرسوله»، ومعناه كما قال: يعني لا أحد يجعل أرضا محظورة، يمنع الرعي فيها والانتفاع منها، إلا ما كان لله ولرسوله، أي ما كان في الجهاد في سبيل الله. وهل هذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، أو أنه يجوز لغير النبي صلى الله عليه وسلم أن يحمي بعض الأرض؟ والصواب والثاني: أنه يجوز لغير النبي صلى الله عليه وسلم ممن هو من ولاة الأمر أن يحمي الأرض لأجل مصالح المسلمين، وهذا جائز. وقول: «لا حما إلا لله ولرسوله»، هذا قد يكون المعنى: لا حما أكمل أفضل إلا ما كان الحمى من الرسول عليه الصلاة والسلام. هذا بعض ما يتعلق بهذا الباب، إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.