كتاب المعاملات 38

الدرس في كتاب المعاملات 38، ألقاها

تعريف الجعالة وأدلتها

الجعالة عقد جائز يلتزم فيه الجاعل بعوض معلوم على عمل معين، وقد استدل المؤلف على جوازها بآية قرآنية وحديث نبوي. الجعالة تيسر على الناس وتختلف عن الإجارة في جواز التعامل مع مجهول.

أحكام الجعالة في الرقية والعمل

الجعالة تجوز في الرقية وغيرها من الأعمال المباحة، ويشترط لصحتها أن يكون العمل غير مقيد بوقت محدد. العامل يستحق أجرة المثل إذا فسخ الجاعل العقد.

تفاصيل عقد الجعالة وفسخه

الجعالة عقد جائز يمكن فسخه من قبل الجاعل أو العامل، وإذا فسخ الجاعل العقد فإن للعامل أجرة المثل. بينما إذا فسخ العامل فلا يستحق شيئًا إلا إذا كان قد عمل.

فضل صاحب الجمل ومكافأة العامل

صاحب الجمل غير ملزم بإعطاء العامل شيئًا، ولكن من باب المرؤة والإحسان أن يكافئه. العامل الذي يعمل دون علم بالجعل لا يستحق الجعالة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -أبطه الله-: الباب العشرون: الجعالة، وفيه مسألتان. المسألة الأولى: معناها وحكمها. قال: معناها الجعالة: التزام عوض معلوم على عمل معين، بقطع النظر عن فاعله. مثاله: أن يقول: من وجد سيارة المفقودة فله ألف ريال. هذا معنى الجعالة: التزام عوض معلوم. العوض والمقابل يكون معلوما، والعمل كذلك معين، على عمل معين، عوض معلوم على عمل معين. من يجد سيارتي، من يجد مثلا بعيري الشارد أو الضال، من يبني لي جدارا، من يحفر لي بئرا، وهكذا. قال: على عمل معين، بقطع النظر عن فاعله، يعني الفاعل غير معين. الفاعل غير معين، فيقول مثلا: من وجد سيارة مفقودة فله ألف ريال، فمن سبق ووجد هذه السيارة استحق هذا الجعل، استحق هذا الجعل. إذن، جعالة تخالف الإيجارة، تخالف الإيجارة في بعض الأمور، منها أن الإيجارة تكون مع معين. الإيجارة تكون مع معين، إذا أردت مثلا شخصا أن يبني لك جدارا، استأجرت شخصا يبني، هذه إيجارة. يا فلان، ابني لي هذا الجدار، هذه إيجارة. لكن الجعالة مع مجهول، مع مجهول العام، مجهول. من هذا العامل؟ الله أعلم. أنت تقول: من أتى بسيارتي فله ألف، سيأتي بها زيد، عمر، علي، محمد، الذي يسبق ويأتي بها له هذا الجعل. لكن الإجارة لابد أن تكون مع معين، لابد أن تكون مع معين. ومن الفروق كذلك بين الجعالة والإجارة أن الإجارة عقد لازم، الجعالة الإجارة عقد لازم بين الطرفين، لا يجوز لأحدهما أن يفسخ قبل المدة المحددة، بخلاف الجعالة، فإنها عقد جائز. الجعالة عقد جائز، يجوز لكل من الطرفين أن يفسخ العقد. طيب، هناك فروق أخرى قد ذكرناها في درس الإجارة. إذن، الجعالة تخالف الإجارة، ومنها كذلك أن الجعالة يكون العمل فيها، أي العمل في الجعالة، مجهولا. العمل في الجعالة قد يكون مجهولا، لكن الجعالة أو العوض معلوم، العوض في الجعالة معلوم. وقد يكون العمل يعني مجهولا، يعني مجهول الآن. لما يقول: من يأتي بسيارتي، هذا العمل الذي سيبذله مجهول، كيف سيجدها؟ هذا غير معلوم. لكن العوض معلوم، أنه إن أتى بها فله هذا العوض، استحق هذا العوض. من يأتي ببعيري الضال؟ طيب، كيف سيأتي به؟ ما هو الجهد والعمل الذي سيبذله؟ هذا مجهول. لكن هذا لا يضر في الجعالة، هذا مغتفر به في الجعالة. وأما العوض، لابد أن يكون معلوما، له كذا وكذا، يكون العوض معلوما. وهذه الجهالة في العمل في الجعالة يعني اغتفر فيها لأجل الحاجة. لأجل الحاجة، الآن إنسان يريد أن يجد بعيره الذي ضل، لو استأجر إنسانا، من سيستأجر حتى يجد بعيره؟ ما سيجد من استأجره. لكن لما يجعل جعلا، يقول: من يجده له كذا وكذا، يتسابق يتسابق الناس في البحث عنه حتى يجد. هذه المكافأة فمن أجل هذا أجاز الشرع عقد الجعالة. قال: حكمها وأدلتها. قال: وهي من العقود المباحة شرعا، ويدل عليها قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، أي في قصة يوسف عليه السلام مع إخوته، لما وضع صواع الملك في أمتعتهم، جعل جعلا لمن أتى به، جعل جعلا لمن أتى به. ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ﴾ أي صواع الملك ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ يعني العوض له ما يحمله البعير من الزاد والأمتعة، ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ يعني كفيل، أنا كفيل وضامن لإعطائه هذا الجعل وهذا العوض. ووجه الشاهد أن هذه الآية فيها الدلالة على جواز ذلك، ولم يأت في الشرع ما يدل على منع هذه المعاملة، بل جاء فيها ما يقرر ويؤكد جواز مثل هذه المعاملة وهذا العقد. قال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مروا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم فلم يضيفوهم»، يعني لم يقوموا بحق الضيافة الواجبة، والضيافة واجبة، واجب على من نزل عليه ضيف أن يقوم بضيافته، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الضيافة ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فهو فضل». وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الضيافة يوم وليلة»، يعني الذي يكرم به الضيف زيادة على ما في أو ما يأكله صاحب البيت مع أهله يوم وليلة. قال: «فلم يضيفوهم، فلدغ سيد الحي لدغة حي أو عقرب»، يعني من ذوات السموم. قال: «فقالوا للصحابة: هل فيكم من راق؟» يعني يرقيه ويداويه. قالوا: نعم، لكن لا نفعل إلا أن تجعلوا لنا جعلا، يعني ما سنرقيه إلا أن تعطونا شيئا مقابل أن تجعلوا لنا جعلا. فجعلوا لهم قطيع شاة، يعني قطيعا من الغنم، جعلوا لهم مقابل رقيته قطيعا من الغنم. قال: «فرقاه رجل منهم بفاتحة الكتاب فبرأ الرجل»، يعني عافاه وشفاه، رقاه بفاتحة الكتاب. وهذا فيها كذلك أن فاتحة الكتاب رقية عظيمة للشفاء بها بإذن الله جل وعلا من الأمراض، سواء كان من لدغة الحي أو العقرب، أو كذلك أيضا من كذلك مس الجن أو نحو ذلك، أو العين، إذا قرأها الإنسان بتدبر وتمعن، وكذلك بيقين أن الله جل وعلا يشفي المريض، أنها سبب في ذلك، فإنه بإذن الله يشفى ويعافى. قال: «فبرأ الرجل، فأتوه بالشياه»، يعني لما حصل له الشفاء، أتوا لهم بما اشترطوا من الجعل، فأتوه بالشياه. فقالوا: «لا نأخذها حتى نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم»، يتأكدوا هل هذا يحل لهم أم لا. قال: «فلما رجعوا سألوه»، أي سألوا النبي عليه الصلاة والسلام. فقال لهم صلى الله عليه وسلم: «خذوا منهم واضربوا لي معكم بسهم». والحديث في الصحيحين. يعني: خذوا منهم هذا الجعل، وأشركوني معكم، وأشركوني معكم، واضربوا لي معكم بسهم، يعني أشركوني معكم، تأكيدا لحل هذا الجعل، وكذلك حل أخذه. أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطيب أنفسهم، وأن أخذه ليس فيه شيء، فقال: واضربوا لي معكم بسهم، تأكيدا لذلك. فدل هذا الحديث على جواز عقد الجعالة، لأنهم اشترطوا أن يرقوه بمقابل أن يجعلوا له جعلا، أن يجعلوا له جعلا، فوافقوا على ذلك. فلما رقوه وشفي، أعطوهم هذا العوض، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأجاز ذلك. وفيه أيضا جواز أخذ الأجرة على الرقية، أخذ الأجرة أو الجعل على الرقية، إذا رقى الإنسان مريضا فجعل له شيئا من مال أو عطاء مقابل ذلك، أن هذا جائز. وجاء بنص آخر، بحيث آخر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله». قال: مسألة ثانية: الأحكام المتعلقة بها. قال: ويتعلق بالجعالة الأحكام التالية. أولا: يشترط في الملتزم بالجعل أن يكون صحيح التصرف، وفي العامل أن يكون قادرا على العمل. يعني الذي يلتزم بالجعل ويريد أن يجعل جعلا لابد أن يكون صحيح التصرف، عاقلا بالغا رشيدا، ما يكون صبيا ولا مجنونا ولا رجلا سفينا لا يحسن التصرف في الأموال، فمثل هذا لا يصح ماذا عقد الجعالة منه. قال: لو في العامل أن يكون قادرا على العمل، يعني الذي يريد أن يعمل ويؤدي أو يقوم بما طلب صاحب الجعل، لابد أن يكون قادرا على العمل. أما إذا كان لا يقدر فلا يحق ويصح بحقه أن يعقد عقد الجعالة. يعني مثلا لو قال: من يبني لي جدارا وله كذا وكذا، هذا إنسان مقعد مثلا أو لا يحسن البناء، فمثل هذا لا يصح بحقه أن يقوم بهذا العمل، أنه لا يقدر عليه ولا يحسنه. قال: ثانيا: أن يكون العمل مباحا، فلا تصح على محرم، كغناء أو صناعة خمر أو نحوهما، يعني من الأمور المحرمة. لا بد أن تكون الجعالة في شيء مباح، فلو قال: من يغني لي هذه الليلة وله كذا وكذا، هذا ما يجوز. أو من يصنع لي آلة غناء وله كذا وكذا، هذا لا يجوز. أو من يصنع لي خمرا وله كذا وكذا، هذا لا يجوز. لا بد أن يكون الجعالة في شيء مباح: بناء جدار، بناء بيت، حفر بئر، إزالة شيء، شيء مما يستطيع إزالته، إيجاد شيء ضال كبعير هارب أو شاة ضالة أو نحو ذلك من الأشياء المباحة. قال: ثالثا: ألا يوقت العمل بوقت محدد، فلو قال: من رد جملي إلى نهاية الأسبوع فله دينار، لم يصح. لماذا؟ لأنه لا يدري هل يرده في هذه المدة أم لا. ولهذا لا بد أن يكون عقد الجعالة ماذا؟ غير مقيد، غير مقيد بوقت محدد، فليقل: من رد جملي فله كذا وكذا، مطلقا من غير تقييد، قد يرده في يوم، وقد يرده في عشرة أيام، وقد يرده في شهر. إذن، لا يقيد عقد الجعالة، ما يقول: يرده لي في أسبوع أو في خمسة أيام، يجعله مطلقا. وإذا قيده لم يصح. قال: رابعا: أنها عقد جائز لكل من الطرفين، فسخها. فإن فسخها الجاعل فللعامل أجرة المثل، وإن فسخها العامل فلا شيء له. يقول: أنها عقد جائز، الجعالة عقد جائز، ليس بلازم كالإجارة. الإجارة عقد لازم، إذا استأجرت شخصا ليعمل، لم يحق لك أن تبطل هذه الإجارة أو ترجع عنها أو تفسخها، لأن العقد لازم، حتى لو فسختها لزمك ما اتفقتم عليه من الأجرة، لأنك أنت الذي فسخت العمل. بخلاف الجعالة، عقد جائز، أنت غير ملزم بإعطائه هذا الجعل إذا فسخت الجعالة، والعامل غير ملزم، إن شاء عمل بهذا العقد وإن شاء ترك، لأن الأمر ليس على سبيل الإلزام. لكن إن فسخها الجاعل فللعامل أجرة المثل، فللعامل أجرة المثل. الجاعل الذي جعل الجعل وقال: من أتى مثلا ببعيري فله كذا وكذا، طيب هذا العامل عمل، ذهب يبحث، ثم فسخت الجعالة، فحينئذ يكون له أجرة المثل، يكون لهذا العامل أجرة المثل، هذا الذي عمله العمل في العرف كم يستحق؟ فيعطى مثل ذلك، يعطى مثل ذلك. قال: وإن فسخها العامل فلا شيء له. إن فسخها العامل فلا شيء له. الآن قلت: من يأتي ببعيري وله كذا وكذا، هذا العامل عمل يوما أو يومين ثم ترك، فسخ العمل، فليس له شيء، لأن الفسخ من جهته. طيب، مثل أيضا إذا قال: من يبني لي جدارا فله مثلا ثلاثة آلاف ريال، فعمل العامل، بنى من هذا الجدار الثلث، ثم قال الجاعل: خلاص، أنا فسخت عقد الجعالة، ما أريدك أن تعمل، هل يحق له هذا في الجعالة؟ الجواب: نعم، يحق له. يحق للجاعل أن يفسخ العقد، له ذلك. لكن إذا فسخه، إذن يعطي هذا العامل أجرة المثل، هذا العامل اشتغل وبذل جهدا وبنى ثلث الجدار، إذن يعطى ماذا؟ أجرة المثل. مثل هذا العامل كم يستحق؟ يعطى أجرته. لكن لو حصل العكس، هذا العامل عمل، بنى ثلث الجدار، ثم قال: أنا سأفسخ العقد، ما أريد أن أكمل، نقول: ليس لك شيء، ليس لك شيء. ما أدت أنت الذي فسخت العقد ولم تقم بالعمل، لأن العمل أجرته موقوفة ماذا؟ مقيدة بقيام العمل كاملا. من بنى جدارا، أنت ما بنيت جدارا، أنت بنيت ثلث جدار، إذا ليس لك شيء. إذا كان الفسخ من جهة العامل فليس له شيء. وأما إن كان من جهة الجاعل فإنه يعطى للعامل أجرة أجرة المثل. من أهل العلم من قال: يعطى نسبة نسبة من الجعالة. العامل إذا فسخ الجاعل الجعالة فإنه يعطى العامل نسبة الجعالة. يعني هذا الذي بنى ثلث الجدار نسبته من الجعل كم؟ الثلث، فيعطى ثلث الجعالة، يعطى ثلث الجعالة. لو كان مثلا الجعل ثلاثة آلاف وهو بنى ثلث الجدار ثم فسخ الجاعل العقد، فنقول: إذن يعطى العامل ماذا؟ ثلث الجعل، الجعل ثلاثة آلاف، يعطى ثلثه ألف ريال، يعطى ثلثه ألف ريال. ولعل هذا القول أقرب إلى الصواب، أن يعطى أجرته أو ما يستحق من نسبة الجعالة، ينظر كم ما بذله من عمل ومن جهد، فيعطى من بنسبة ما عمل من الجعل نفسه. إن كان عمله نصفا أعطي نصف الجعل، إن كان عمله ربعا أعطي ربع الجعل، وإن كان ثلثا أعطي الثلث، هكذا. طيب، هنا مسألة: إذا بحث الإنسان عن شيء ضائع لصاحبه، مثلا بعير ضال، بحث عنه وجده وهو لا يعلم أن صاحبه قد جعل جعلا قد قال: من أتى ببعيري الضال له كذا وكذا، هو لم يعلم بذلك، لكن وجده فأتى به إلى صاحبه، هل يستحق هذا الجعل أم لا؟ واضح. بحث عن بعير ضال وهو لا يعلم أن صاحب هذا البعير قد جعل جعلا وقال: من وجد بعيري فله كذا وكذا، هو ما يعلم بهذا، وجده فأتى به إلى صاحبه، فعلم أن صاحب الجمل هذا قد جعل جعلا، هل يستحق هذا الجعل ويقول: أعطني ما جعلت؟ الجواب: لا، ما يستحق، لأنه لم يعلم به، هو أتى به وأخذه من باب الإحسان، من باب الإحسان، وليس مقابل هذا الجعل، إذا لا يستحق هذه الجعالة، ولا يجب على صاحب البعير أن يعطيه أن يعطيه هذا الجعل. لكن قال أهل العلم: من باب المرؤة، من باب المرؤة والإحسان، أن يكافئه، أن يكافئه بشيء، هذا رجل يعني وجد مالا لك ضائعا فحفظه وأتى به إليك، هذا عمل يعني يحتاج به إلى مكافأة، يستحق أن يكافأ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من صنع إليكم معروفا» فكافئوه، «من صنع إليكم معروفا فكافئوه». وإن كان هذا غير واجب بالنسبة لصاحب الجمل، لكن هذا من باب المرؤة والإحسان أن يعطيه شيئا مقابل حفظه لإيمانه والإتيام به إليه. طيب، نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على