الدرس في كتاب المواريث والوصايا والعتق 7، ألقاها
يتناول هذا الفصل تعريف علم الفرائض وأهميته في الإسلام، حيث يعتبر من العلوم الشرعية المهمة. يشمل هذا العلم فقه المواريث وحسابها، ويجب على المسلمين الاهتمام به وتفهم أحكامه.
هذا الفصل يشرح أسباب الإرث الثلاثة وهي النكاح والنسب والولاء، كما يتناول موانع الإرث الثلاثة: القتل العمد المحرم، الرق، واختلاف الدين. يُوضح تفاصيل كل سبب ومانع وكيفية تأثيرهم على الإرث.
يتضمن هذا الفصل توجيهات دينية إضافية تشمل الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مؤكداً على أهمية هذه العبادة في الإسلام وتقدير المسلمين للنبي.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله- الباب الرابع: الفرائض والمواريث، وفيه مسائل. وهذا العلم يسمى بعلم الفرائض، ويسمى بعلم المواريث، وكلمة المواريث أعم من الفرائض؛ المواريث أعم من الفرائض؛ فالمواريث تشمل الفرض والتعصيب والرحم، بخلاف الفرائض؛ فهي تختص في الأصل بالفرض، لكن جرى استعمالها عند كثير من أهل العلم، وأهل المواريث استعمال لفظ الفرائض على هذا العلم وهذا الفن، وإن كان لفظ الفرائض هو الأصل؛ لفظ الفرائض هو الأصل في تسمية هذا العلم؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ألحق الفرائض بأهلها». المسألة الأولى: معناها والحث على تعلمها. قال: «علم الفرائض من أهم العلوم؛ فيجب على المسلمين الاهتمام به والتفقه فيه؛ لأن الحاجة ماسّة إليه؛ فهو من العلوم التي تحتاج لها الناس في معرفة ما يتعلق بالإرث؛ تقسيم المواريث، وإعطاء كل واحد حقه». ومما يدل على أهمية وشرف هذا العلم: أن في تعلمه وقسمة المواريث تنفيذ لوصية أو لفريضة من فرائض الله؛ تنفيذ لفريضة من فرائض الله؛ الله عز وجل لما ذكر ميراث الأصول والفروع، وقال جل وعلا: ﴿أَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾، فريضة من الله. وهكذا أيضا: أن المواريث حد من حدود الله؛ حد من حدود الله؛ لما ذكر الله عز وجل ميراث الزوجين والإخوة لأم، قال بعد ذلك: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾. وهكذا: أن الفرائض هدى وبيان؛ الفرائض هدى وبيان؛ لما ذكر الله جل وعلا ميراث الإخوة الأشقاء والإخوة لأب في آخر سورة النساء، قال بعد ذلك: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾؛ ففيها بيان وهدى. ثم هي تدخل في عموم فضل العلم؛ على جهة العموم؛ فهي علم من علوم الشريعة التي تدخل في فضل ما ورد في فضل العلم وتعلمه وتعليمه. قال: «لو يسمى هذا العلم بالفرائض؛ جمع فريضة؛ مأخوذة من الفرض؛ وهو التقدير؛ كما قال تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾؛ أي: قدرتم». فالفرض بمعنى التقدير، وهو في اللغة كذلك أيضا بمعنى الحز والقطع؛ بمعنى الحز والقطع. قال: «والفرض في الشرع: نصيب مقدر شرعا لمستحقه؛ نصيب مقدر شرعا؛ يعني: من جهة الشرع». وخرج بذلك الوصية؛ الوصية؛ لأنها نصيب مقدر يجعله الموصي لمن أوصى له، لكن المواريث أو الفرائض: هي مقدرة من جهة الشرع؛ هذا له الربع، وهذا له الثمن، وهذا له النصف، وهذا له الثلث، وهذا له السدس؛ وهكذا جاء تقدير ذلك من جهة الشرع لمن يستحق هذا الفرض. وكذلك أيضا قول: «نصيب مقدر»؛ خرج به التعصيب؛ لأن العصبة نصيب غير مقدر؛ نصيب غير مقدر؛ قد يرث أحيانا العاصب كل التركة، وأحيانا النصف، وأحيانا الربع، وأحيانا يرث الباقي بعد أصحاب الفروض، وأحيانا لا يرث شيئا. إذن قول: «نصيب مقدر» خرج به التعصيب. قال: «وعلم الفرائض هو العلم بالمواريث من حيث فقه أحكامها ومعرفة الحساب الموصل إلى قسمتها؛ العلم بالمواريث من حيث فقه أحكامها ومعرفة الحساب الموصل إلى قسمتها». إذن: علم الفرائض ينقسم إلى قسمين: فقه المواريث، وحساب المواريث؛ فقه المواريث: أن تعلم أحكامها؛ ما الذي يرث، وما الذي لا يرث، وهذا كم يرث، وشروط إرثه، ومتى لا يرث؛ هذا يسمى فقه المواريث. ثم قسمة التركة وإقامة العمليات الحسابية؛ هذا يسمى حساب المواريث. قال: «والمواريث جمع ميراث؛ وهو الحق المخلف عن الميت المنقول إلى الوارث؛ الحق المخلف عن الميت المنقول إلى الوارث». قالوا: «يجب على المسلم أن يهتم بشأن المواريث، ولا يتصرف فيها تصرفا يغيرها عن وضعها الشرعي؛ فيورث غير الوارث، أو يحرم الوارث من جميع حقوقه أو بعضها؛ فيعرض نفسه بذلك لغضب الله وعقابه». ولعظم أمر المواريث: تكفل الله سبحانه وتعالى بقسمتها بنفسه؛ الله عز وجل هو الذي قسم المواريث بنفسه سبحانه وتعالى؛ حتى لا يقع النزاع والخصام بين الورثة؛ فيرفع هذا الخصام والنزاع بما شرع الله سبحانه وتعالى؛ فمن له إرث أخذه بشروطه، ومن لم يكن له شيء سقط؛ والحمد لله؛ تنتهي بهذه الخصومات والنزاعات. المسألة الثانية: الحقوق المتعلقة بالتركة، وأسباب الميراث وموانعه. قال: «أولا: الحقوق المتعلقة بالتركة؛ التركة: هي ما يتركه الميت من الأموال النقدية والعينية؛ الأموال النقدية كالذهب والفضة والأوراق النقدية، والعينية كالعقار والمركوبات ونحو ذلك». قال: «والحقوق المتعلقة بتركة الميت أربعة حقوق؛ الأول: مؤنة تجهيزه؛ من ثمن كفن وحنوط وأجرة دفن وغسل وغير ذلك؛ مما يتعلق بتكفينه وتغسيله ودفنه؛ فمؤن تجهيز الميت تخرج من التركة قبل أن تقسم». إذا مات الإنسان وخلف تركة؛ فإننا نأخذ مؤن تجهيزه من تركته؛ كل ما يتعلق بتجهيزه من تغسيل وتكفين وحفر ونحو ذلك؛ تأخذ من التركة؛ ويكون الأخذ منها بالمعروف؛ يكون بالمعروف من غير تبذير وإسراف. ثانيا: قضاء الديون؛ وديون الله مقدمة؛ كالزكاة وصدقة الفطر والكفارة والنذر؛ ثم ديون الآدميين؛ تقدم الديون؛ والديون على قسمين: منها ما هي ديون موثقة برهن، ومنها ما هي ديون مطلقة؛ فتقدم أولا الديون الموثقة بالرهن؛ الديون الموثقة بالرهن تسدد من تركة الميت؛ ثم بعدها الديون المطلقة. ثم كذلك أيضا ما يتعلق بديون الله؛ إذا كان على الميت ديون لله جل وعلا؛ كالزكاة مثلا؛ عنده أموال لم يزكها؛ فتخرج منها الزكاة قبل قسمة التركة؛ أو كذلك أيضا كفارة عليه؛ ككفارة يمين مثلا، أو كفارة الظهار؛ فإنها تخرج من التركة؛ أو نذر؛ نذر أن يتصدق بكذا وكذا من ماله؛ فمات قبل أن يتصدق؛ فإنها تخرج من التركة؛ فجميع الديون؛ فإنها تخرج من التركة قبل قسمتها. وقول: «وديون الله مقدمة»؛ استدلالا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فدين الله أحق بالقضاء»؛ حين قال: «أو سألت امرأة النبي عليه الصلاة والسلام: إن أمها ماتت وعليها دين؛ فهل يجزئها أن تقضيه عنها؟ قال: «نعم». قالت: أرأيت لو كان عليها صوم لم تصمه؛ أفيجزئ أن تصوم عنها؟ قال: «نعم». قالت: أرأيت لو كان لأمك دين؛ أكنت مؤديته عنها؟ قالت: نعم. قال: «فدين الله أحق بالقضاء». ولا يخفى أن من أهله العلم: أن ديون الآدميين مقدمة؛ أن ديون الآدميين مقدمة؛ لأن حقوق الخلق مبنية على المشاحة، بخلاف حقوق الله؛ فهي مبنية على المغفرة؛ فلأجل هذا: قالوا بتقديم ديون الآدميين على ديون الله؛ فتسدد الديون أولا التي للناس؛ الديون المؤثقة برهن؛ ثم الديون المطلقة؛ ثم بعد ذلك: الديون التي لله سبحانه وتعالى. ثالثا: إخراج الوصايا؛ بشرط أن تكون في حدود الثلث فأقل؛ يعني: بعد أن تسدد الديون؛ بعد ذلك تخرج أو تنفذ الوصية؛ تنفذ الوصية؛ بشرط أن تكون في حدود الثلث فأقل. وقد مر معنا الكلام بما يتعلق بالوصية في باب الوصايا؛ وأنه يشترط في الوصية أن تكون بقدر الثلث فما دون، وأن تكون لغير وارث؛ وقدم الدين على الوصية؛ مع أن الله عز وجل يقول: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾؛ في الآية؛ قدم الله عز وجل الوصية على الدين؛ وقدم النبي عليه الصلاة والسلام -كما في أثر علي-: قضى بالدين قبل الوصية؛ لماذا قدم الدين على الوصية؟ لأجل الاهتمام بها؛ وجه الاهتمام: ما وجه هذا الاهتمام؟ الدين: يوجد من يطالب به؛ صاحب الدين سيأتي؛ يقول: أين ديني؟ أين حقي؟ أما الوصية: نعم؛ ما سيأتي أحد يطالب بها؛ رغم أن الموصى له ما يدري؛ أن فلانا هذا أوصى له؛ وتساهل الورثة في تنفيذ الوصية؛ فيضيع هذا الحق على الموصى له؛ فلأجل هذا: قدمت؛ حتى يهتم بها؛ فيستحب لك إذا أوصى ومات الموصي؛ وجب تنفيذها؛ أصبح هذا حقا للموصى له؛ نعم؛ ما يجوز أن يعني تترك؛ أو يضيع هذا الحق. رابعا: الإرث؛ أي: حق الورثة الرابع من حقوق التركة؛ الإرث؛ وهو المتعلق بهذا الباب. قال: «فيقسم ما بقي بعد ذلك على ورثته؛ القسمة الشرعية؛ يعني: بعد أن نخرج مؤن التجهيز؛ ونخرج الديون التي عليه؛ وكذلك أيضا ننفذ الوصية؛ فما بقي؛ هذا الذي يقسم على الورثة». ما يتبقى بعد هذه الحقوق: هو الذي يقسم على الورثة. قال: «والإرث: هو انتقال مال الميت من بعده إلى حي؛ حسب ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ كما أخبر الله عز وجل في آية المواريث في سورة النساء؛ آيات المواريث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، وهكذا أيضا في آخر سورة النساء: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾؛ هذه الآيات أصل في باب المواريث؛ مع قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ألحق الفرائض بأهلها؛ فما بقي؛ فلأولى رجل ذكر». وقد يتعلق بالتركة حق للغير حال الحياة؛ وهي الحقوق العينية؛ كحق البائع في تسلم المبيع؛ وحق الراهن في المرهون؛ فهي تقدم على تجهيز الميت؛ لتعلقها بعين المال؛ قبل صيرورته تركة. قد يتعلق بالتركة حق للغير حال الحياة؛ يعني: حال حياة مالك هذا المال وصاحب التركة؛ فحق البائع في تسلم المبيع؛ هذا حق له في حال الحياة؛ أن يتسلم وأن يأخذ المبيع. وهكذا أيضا: حق الراهن في المرهون؛ أي: العين المرهونة؛ هي حق للراهن؛ لو أخذ زيد من عمر دين؛ ثم اشترط عمر توثيق هذا الدين برهن؛ فرهن عنده سيارة مثلا؛ هذه السيارة لمن؟ للراهن؛ هذه السيارة للراهن؛ هي ملك له؛ فلهذا: هي تقدم على تجهيز الميت؛ يعني: في إرجاعها وأخذها؛ لأن حق له في حال حياته؛ قبل أن يموت ويصير هذا المال تركة. ثانيا: أسباب الإرث؛ أسباب الإرث ثلاثة؛ وهي: الأول: النكاح؛ وهو عقد الزوجية الصحيح؛ بشاهدين وولي؛ ولو لم يحصل به وطء ولا خلوة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾؛ هذا أول سبب من أسباب الإرث؛ النكاح؛ أن يكون بين الميت والوارث ما؟ علاقة النكاح؛ ما هو النكاح؟ عقد الزوجية الصحيح. قول: «عقد الزوجية الصحيح»؛ أخرج به عقد الزوجية الفاسد أو الباطل؛ الفاسد أو الباطل؛ والفاسد والباطل: ليس بينهما فرق عند جمهور أهل العلم؛ إلا أنهم فرقوا بينهما في النكاح؛ وفي باب الحج؛ في النكاح؛ قالوا: الفاسد: ما اختلف فيه أهل العلم؛ كالنكاح بلا ولي؛ كالنكاح بلا ولي؛ هذا يسمى نكاحا فاسدا؛ لماذا؟ لأنه وجد من يصحح هذا النكاح؛ كالحنفية؛ فهذا يسمى نكاحا فاسدا؛ والباطل: ما أجمع على تحريمه؛ كعقد العقد على المرأة في حال العدة؛ هذا مجمع على تحريمه؛ فيقال: باطل. فالمقصود: أن النكاح الذي يحصل به الإرث: هو عقد الزوجية الصحيح؛ أما عقد الزوجية الفاسد أو الباطل؛ هذا لا توارث فيه؛ تزوج رجل امرأة بلا ولي؛ ثم مات الرجل؛ فإنها لا ترثه؛ أو ماتت المرأة؛ فإنه لا يرثها؛ لماذا؟ لأن هذا العقد غير صحيح. قال: «بشاهدين وولي؛ يعني: أن يكون هذا العقد بولي؛ والولي شرط في صحة العقد؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا نكاح إلا بولي». وجاء في بعض الروايات: «وشاهدين عدل»؛ في حديث عمران. قال: «ولو لم يحصل به وطء ولا خلوة؛ يعني: لو عقد الرجل على المرأة؛ وقبل أن يدخل بها مات؛ فإنها ترثه؛ وتعتد عدة الوفاة؛ وهكذا العكس؛ عقد عليها؛ وقبل أن يدخل بها ماتت؛ فإنه يرثها». فإنه يرثها؛ وهل يعتد؟ ها؟ ما يعتد؛ ليس عليه عدة؛ هو. هو إذا ماتت هي؛ ها؟ ما يعتد؛ إلا في حالة ما هي؟ ها؟ إذا أراد الزواج بأختها؛ نعم؛ إذا أراد الزواج بأختها؛ فإنه يعتد. طيب: مسألة أخرى؛ إذا أراد الزواج بأختها؛ إذا كانت هي الرابعة؛ إذا كانت التي ماتت هي الرابعة؛ فإن عليه العدة؛ ينتظر حتى تنقضي؛ إذا ماتت؛ إذا ماتت؛ انتهى؛ ما في إشكال؛ ما عليه عدة؛ العدة في الطلاق؛ يعتد في الطلاق؛ إذا طلقها طلاقا رجعيا؛ فهي تبقى في عدته؛ يعني: حتى تنتهي عدتها؛ أما في الوفاة؛ فله الزواج؛ نعم؛ له الزواج مباشرة. طيب: قال: «ولو لم يحصل به وطء ولا خلوة؛ يعني: وإن لم يدخل بها كذلك؛ فإنه يحصل التوارث بينهما؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾؛ وهذا زوج؛ فمجرد العقد الصحيح؛ يعتبر زوجا؛ وتعتبر المرأة زوجا؛ فإذا حصل الموت -كما سمعنا- من أحدهما؛ حصل التوارث؛ وقد قضى النبي عليه الصلاة والسلام بذلك؛ كما ثبت في السنة». الثاني: النسب؛ أي: القرابة من الميت؛ وهي الاتصال العضوي بين إنسان وآخرين؛ بولادة قريبة أو بعيدة؛ وتشمل الأصول والفروع والحواشي؛ فالأصول: هم الأباء والأجداد؛ وإن علوا بمحض الذكور؛ والفروع: هم الأولاد؛ وأولاد البنين؛ وإن نزلوا. هذا السبب الثاني من أسباب الإرث؛ وهو النسب؛ أن يكون هناك نسب بين الميت وبين الوارث؛ والنسب: هو القرابة؛ يكون هناك قرابة بين الاثنين؛ وهي الاتصال العضوي بين إنسان وآخرين؛ بولادة قريبة أو بعيدة؛ يعني: يكون بين هذا الميت وبين ذاك الحي اتصال وارتباط بولادة قريبة أو بعيدة؛ وهذه الولادة القريبة أو البعيدة؛ إما أن تكون من جهة الأصول؛ أو الفروع؛ أو الحواشي. فالأصول: كل من تدعوهم بأب وأم؛ كل من تدعوهم بأب وأم؛ فهم أصول؛ والفروع: كل من دعاك بأبن أو أم؛ فهو فرع؛ والحواشي: من اشترك معك في الأب أو الأم؛ شاركك في آبائك وأمهاتك؛ فهم حواشي؛ وهم الإخوة وأبناؤهم؛ والأعمام وأبناؤهم؛ والأخوات. نعم؛ الأباء والأجداد؛ وإن علوا بمحض الذكور؛ يعني: الأب؛ أب الأب؛ أب أب الأب؛ وإن علا؛ ها؛ الأمهات؛ الأمهات؛ الأمهات؛ من الأصول؛ الأمهات أيضا من الأصول؛ الأم؛ وأم الأم؛ كذلك أيضا يعدون من الأصول. وقوله: «والفروع: هم الأولاد؛ وأولاد البنين؛ وإن نزلوا؛ والأولاد: يطلق على الذكر والأنثى؛ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾؛ للذكر مثل حظ الأنثيين؛ فالأولاد: يشمل الذكر والأنثى؛ فالفروع: الأولاد؛ وأولاد البنين؛ لماذا قال: «أولاد البنين»؟ لأن أولاد البنات من ذوي الأرحام؛ ابن البنت: هذا ليس بوارث؛ وبنت البنت: ليست بوارثة؛ وإنما الذين يرثون: هم الذكور وأولادهم؛ وبناتهم؛ كبنت الإبن؛ وإبن الإبن؛ لهذا قال: «الأولاد؛ وأولاد البنين؛ وإن نزلوا». طيب: قال: «الثالث: الولاء؛ قال: وهو رابطة؛ سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق؛ وإن نعمة المعتق؛ ولا يرث العتيق بالإجماع؛ فانحصرت أسباب الإرث في إثنين: النسب والزواج الصحيح». الثالث: الولاء؛ من أسباب الإرث؛ الولاء: ما هو الولاء؟ قال: «هو رابطة؛ سببها نعمة المعتق -وهو السيد- على رقيقه بالعتق؛ الولاء: رابطة وارتباط وعلاقة بين السيد وبين عبده الرقيق؛ ما هو السبب؟ السبب: أنه أعتقه وحرره من الرق». حرره من الرق؛ وجعله حرا؛ كما قال الله عز وجل: ﴿إِذْ تَقُولُ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنَّ تَخْشَاهُ﴾؛ أنعمت عليه بماذا؟ بالعتق والحرية؛ بسبب هذا العتق؛ فإن المعتق -وهو السيد- يرث عتيقه -وهو المملوك- إذا لم يكن له وارث. قال: «ولا يرث العتيق بالإجماع؛ يعني: العبد المملوك لا يرث من سيده؛ فالإرث بالولاء من جهة واحدة فقط؛ وهي من جهة المعتق؛ وأما من جهة العتيق؛ فإنه لا يرث؛ بخلاف الإرث بالنكاح والنسب؛ فإنه قد يكون من جهتين؛ وقد يكون من جهة واحدة؛ من جهتين: هو الأغلب؛ كالزوجين؛ والأخوين؛ ونحوهما؛ ومن جهة واحدة؛ كابن الأخ مثلا؛ يرث من عمته؛ وهي لا ترثه؛ ابن الأخ يرث من العمة؛ وهي لا ترثه؛ فحصل الإرث من جهة واحدة. ثالثا: موانع الإرث. قال: «موانع الإرث ثلاثة؛ أولا: القتل؛ يعني: إذا قتل الوارث مورثه؛ فإنه يحرم ويمنع من الميراث». قال: «اتفق العلماء على أن القتل العمد المحرم مانع من الميراث؛ فمن قتل مورثه ظلما؛ لا يرثه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس للقاتل من الميراث شيء»؛ والحديث رواه البيهقي؛ وصححه الألباني رحمه الله؛ «ليس للقاتل من الميراث شيء؛ يعني: من الإرث». هذا إذا كان القتل قتلا عمدا محرما؛ يعني: ظلما عدوانا؛ أما إن كان غير محرم؛ هو قتل عمد؛ لكن ليس عدوانا؛ كان يكون قتله دفاعا عن نفسه؛ قتله دفاعا عن نفسه؛ هذا المورث صائل اعتدى عليه؛ فما استطاع أن يدفعه إلا بقتله؛ ففي هذه الحالة: لا يمنع من الإرث؛ لأنه لم يقتله قتلا محرما. ومثل ذلك أيضا: إذا كان على سبيل القصاص؛ قتله على سبيل القصاص؛ فكذلك لا يمنع ذلك من الميراث؛ أو قتله كذلك حدا؛ قتله حدا؛ كحد الزنا مثلا؛ هذا المورث وقع في الزنا؛ وهو محصن؛ فأقيم عليه حد الرجم؛ فجاء هذا الوارث وشارك في من رجمه؛ وأقام عليه الحد؛ فكان ممن شارك بقتله؛ هل يمنع هذا من الميراث؟ الجواب: لا؛ لا يمنعه من الميراث؛ إلا إذا كان القتل عمدا محرما؛ وهو القتل العمد العدوان. وقول: «اتفق العلماء على أن القتل العمد»؛ مفهوم المخالفة لهذه العبارة: أن قتل الخطأ فيه خلاف؛ أن قتل الخطأ لم يتفق العلماء فيه على منعه من الإرث؛ وهو كذلك؛ فجمهور أهل العلم على أن القتل الخطأ يمنع من الميراث؛ أن قتل الخطأ يمنع من الميراث؛ يستدل بعموم الحديث: «ليس للقاتل من الميراث شيء». وذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أنه يرث؛ إذا انتفت التهمة؛ إذا انتفت التهمة من الوارث؛ أنه يعني ما تعمد قتله؛ فحينئذ يرث منه؛ هذا هو الصحيح؛ أنه إذا لم تكن هناك تهمة؛ فإنه لا يمنع من الميراث؛ وأما إن وجدت التهمة؛ فإنه يمنع. ثانيا: الرق؛ فلا يرث العبد قريبه؛ لأنه إذا ورث شيئا؛ فسيكون لسيده؛ وهو كذلك لا يورث؛ لأنه لا ملك له؛ يعني: إذا كان أحد الوارثين أو المورث رقيقا؛ عبدا مملوكا؛ فإن هذا يمنع من الإرث؛ فالرقيق لا يرث؛ مثلا: مات الأب؛ والإبن رقيق؛ الإبن رقيق مملوك؛ فإنه لا يرث من أبيه؛ لا يرث من أبيه؛ لأنه لا يملك شيئا؛ إذا ورث شيئا؛ سيكون للسيد؛ كل ما يملكه العبد المملوك؛ فهو لسيده؛ فلأجل هذا: فإنه يمتنع من الميراث؛ كما أنه لو مات؛ فإنه كذلك لا يورث؛ لأنه ليس له شيء؛ ولا يملك شيئا. ثالثا: اختلاف الدين بين المورث والوارث؛ فإن ذلك مانع من الميراث؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يرث الكافر المسلم؛ ولا المسلم الكافر؛ والحديث في الصحيحين؛ من حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه». إذا أيضا: اختلاف الدين مانع من موانع الإرث؛ إذا كان الأب مسلما والإبن كافرا؛ فمات الأب؛ فإن الإبن لا يرثه؛ لأنه كافر؛ وهكذا العكس؛ إذا كان الإبن كافرا والأب مسلما؛ ومات الإبن مثلا؛ فإن الأب لا يرثه؛ لأن الإبن كافر؛ واختلاف الدين؛ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يرث المسلم الكافر؛ ولا الكافر المسلم». إذا: اختلاف الدين مانع من موانع الإرث. نكاح الشبهة: يعني كأن يرث؛ لن يتزوج امرأة؛ ثم تظهر بأنها أخته من الرضاع؛ لا؛ لا يحصل التوارث؛ لا يرث. إذا كان مفرطا؛ إذا كان مستطيعا ولم يحج؛ تفريط منه؛ يعتبر الحج في ذمته؛ دين في ذمته؛ فيخرج منه؛ ويحج عنه. المعتق؛ المعتق يعني السيد؛ يرث؛ إذا لم يكن للعتيق وارث؛ إذا ما له أحد؛ أما له عنده ورثة؛ فإنه ما يرث؛ لا؛ ما له شيء محدد؛ ليس له شيء محدد؛ لكن في حالة لم يكن له أحد؛ فالسيد هو الذي يرثه؛ يرثون أقرباءه؛ على حسب يعني يرثونه بالتعصيب؛ بالعصبة؛ يرثونه بالأقرب والأقرب؛ يرثوا الأقرب والأقرب. الحمد لله إلى هنا. صلى الله عليه وسلم، نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.