الدرس في القواعد والأصول الجامعة 74، ألقاها
إذا كان سبب الحق ظاهرًا، مثل النفقة أو الضيافة، فيجوز أخذ الحق دون إذن. هذا مبني على أن السبب ظاهر ولا ينسب إلى خيانة.
النبي صلى الله عليه وسلم أجاز أخذ الحق دون إذن في حالات مثل النفقة على الأقارب والضيافة إذا قصر من وجبت عليه. هذا مبني على ظهور السبب وعدم نسب الخيانة.
إذا كان السبب خفيًا، فلا يجوز الأخذ دون إذن حتى لا ينسب إلى الخيانة. مذهب الإمام أحمد يوجب أخذ الأمانة إذا كان السبب ظاهرًا، ويمنع الأخذ إذا كان خفيًا.
الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال لنا مساعد، رحمه الله، في كتاب القواعد والوصول للجامعة: القاعدة السادسة والأربعون، من له الحق على الغير. وكان سبب الحق ظاهرا فله الأخذ من ماله بقدر حقه إذا امتنع أو تعذر استئذانه، وإن كان السبب خفيا فليس له ذلك. يقول: من له الحق على الغير، وكان سبب الحق ظاهرا، هذا الحق يعني شيء واجب له، شيء واجب له كمال مثلا عند فلان حقه، وسبب الحق ظاهر. وسيأتي أن المراد بالظاهر كالنفقة والضيافة، كالنفقة والضيافة، فله الأخذ من ماله بقدر حقه، يعني إذا امتنع أن يؤديه إليه وأن يعطيه إياه، فله أن يأخذ منه بقدر حقه. قال: أو تعذر استئذانه، إذا كان مثلا غائب أو مسافر وتعذر أن يستأذن، وهذا الحق ظاهر، فإنه يجوز أن يأخذ من ماله بغير إذنه. قال: وإن كان السبب خفيا فليس له ذلك، إذا كان السبب سبب هذا الحق وأخذه غير ظاهر، كأن يكون شيء بينه وبين هذا الشخص من دين أو نحو ذلك لا يعلم به كثير من الناس، فهنا ليس له أن يأخذه، ليس له أن يأخذه منه بغير إذنه، لماذا؟ حتى لا يتهم بالخيانة أو بالسرقة، بخلاف ما إذا كان ظاهرا، فهنا يأمن من أن ينسب له ذلك أو ينتسب له الخيانة أو السرقة. شيء سيتضح إن شاء الله بالأمثلة. قال: للأول أمثلة، منها إذا امتنع الزوج من النفقة الواجبة على زوجته، فلها الأخذ من ماله بمقدار نفقتها ونفقة أولادها الصغار، هذا مما فيه الحق، سبب الحق ظاهر، لأن أمر النفقة أمر ظاهر، يعني يعلم ويشتهر. لو أن رجلا ما أنفق على أهله وأولاده سيظهر هذا، سيظهر، فحينئذ يجوز لها أن تأخذ من مال زوجها بغير إذنه، لكن تأخذ بالمعروف. دليل ذلك قصة هند بنت عتبة حين اشتكت أبا سفيان، قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجلا شحيحا لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذته منه، وهو لا يعلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خذي منه ما يكفيك وولدك بالمعروف». والحديث الصحيح أجاز النبي صلى الله عليه وسلم أن تأخذ من مال زوجها بغير علمه، لكن بالمعروف، المعروف شرعا، والمعروف عرفا، المعروف شرعا من غير إسراف ولا تبذير، والمعروف عرفا على حسب يعني حالها وحال أسرتها بين أحوال الناس. فإن كانت من الأغنياء أخذت نفقة الأغنياء، وإن كانت من الفقراء نفقت الفقراء، وإن كانت وسط فمثلها على حسب حالها وحال أسرتها، تأخذ من مال زوجها بغير إذنه إذا قصر في نفقتها. وهنا أجاز النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لأن هذا السبب ظاهر. قال: وكذلك من وجبت عليه نفقة قريبه أيضا في باب النفقة، إنسان فقير وله قريب غني، له قريب غني وهو ممن يرثه هذا الغني يرث هذا الفقير إذا مات والعكس، فهنا تجب عليه نفقته يجب عليه أن ينفق عليه بقول الله عز وجل: «على الوارث مثل ذلك». فإذا امتنع، فإنه يجوز أن يأخذ من ماله بغير إذنه بالمعروف. قال: وكذلك الضيف إذا امتنع من نزل به من قراه، يعني من ضيافته، فله الأخذ من ماله بمقدار حقه، هكذا جاز النبي صلى الله عليه وسلم للضيف أن يأخذ حق الضيافة إذا امتنع من نزل عليه من ضيافته، لأن الضيافة واجبة. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». جائزته قالوا: يا رسول الله، وما جائزته؟ قال: «يوم وليلة»، والضيافة ثلاثة أيام. إذن هذا حق له، هذا حق للضيف. وكذلك صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه سئل، قيل له: يا رسول الله، إننا ننزل عند القوم فلا يأمرون لنا بما يجب لنا، يعني من أمر الضيافة، فأجاز لهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يأخذوا منهم بالمعروف. فدل هذا على جواز أخذ حق الضيافة إذا قصر من نزل عليه الضيف في ضيافته. والآن مثل المؤلف رحمه الله في ما كان من سبب الحق به ظاهر بالضيافة وفي النفقة، لأن هذا السبب ظاهر، يعني إذا نزل الإنسان على قوم أو على شخص ولم يضيفه يظهر هذا، يظهر، وهكذا في باب النفقة، فحينئذ يجوز أن يأخذ حقه ولو كان ذلك بغير إذنه. قال: لأن أخذهم في هذه الأحوال لا ينسب إلى خيانة، وإنما يعزى إلى ذلك السبب الظاهر، يعني إذا أخذ ما ينسب هذا الآخر لأنه خائن، لماذا؟ لأن السبب ظاهر، السبب الأخذ الظاهر، كونه يقصر في هذه النفقة أو لم يقم بحق الضيافة فيعذر ولا ينسب إلى الخيانة. قال: ومثال الثاني، أي ما كان السبب فيه خفيا، من له دين على آخر من قرض أو ثمن مبيع أو قيمة متلف أو غيرها من الحقوق التي تخفى، يعني ما يعلم بها كثير من الناس، أنت بينك وبين شخص معاملة من قرض أو ثمن سلعة بعت له السلعة وما أعطاك الثمن، أو أخذ منك دينا وما سدده هذا شيء خفي، هذا شيء خفي ما يعلم به كثير من الناس وليس بظاهر. قال: فهذا إذا امتنع المطلوب من الوفاء بقضاء الدين، امتنع أعطني ثمن السلعة التي بعتها لك امتنع، فليس لصاحب الحق الأخذ من ماله بغير إذنه، لأنه وإن كان له حق لكنه في هذه الحال ينسب إلى خيانة، ينسب إلى خيانة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أد الأمَانَة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك»، فهو إذا خانك لا تقابل أنت بالخيانة، لا تقابله بالخيانة، بل عامله بالأمانة. قال: فيه أيضا سد الذريعة الشر والفساد كما هو معروف لحديث «أد الأمَانَة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك»، والحديث رواه أبو داود والحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. والنبي صلى الله عليه وسلم هنا نهى أن يخون المسلم من خانه إذا ائتمنه فيؤدي الأمانة، يعني مثلا لو أعطى هذا المطالب الطالب مال لمن يطالبه، قيل: يا فلان أعط هذا المال لفلان، طيب هو الآن يطالبه، هل لو أن يأخذ هذا المال نقول: لا، إذا كان السر خفي كما في هذه الحال لا يأخذه، بل يرده له ولا يقول له، وإن خانه هو. وإن كان بعض العلماء يقول: إذا أمكن أن يأخذ حقه من غير أن ينسب إلى خيانة فلا بأس، إذا أمكن أن يأخذ حقه من غير أن ينسب إلى خيانة فلا بأس. وفيما أذكر أن العلامة ابن باز رحمه الله قال بذلك، قال بذلك في شرحه لبلوغ المرام، نعم إذا أمكن أن يأخذ حقه من غير أن ينسب إلى خيانة فلا بأس. أما إذا كان سينسب إلى خيانة فلا، حتى لا يفتح هذا الباب فيأتي كل واحد يدعي أن له مالا عند فلان فيحصل بذلك شر كثير عظيم فسدا لهذا الباب يمنع. قالوا: هذا القول المتوسط بين قول من أجاز ذلك مطلقا، يعني من أجاز في الصورتين فيما كان السبب خفي وفيما كان السبب ظاهر أن يأخذ حقه. قالوا: ومن منع مطلقا، يعني في كل الصورتين، من أجاز مطلقا ومن من منع مطلقا لا تأخذ ولو كان السبب ظاهر، ولو كان السبب ظاهر. ومن من فصل كما سمعنا، إذا كان السبب ظاهر له أن يأخذ، وإذا كان السبب خفي فإنه لا يأخذ، هذا القول وسط بين القولين. قال: وهو مذهب الإمام أحمد، وهو الصحيح من الأقوال، وهو الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة الموافقة لأصول الشريعة وحكمها، وهو كذلك، كما سمعنا، إذا أمكن أن يأخذ حقه من غير أن ينسب إلى خيانة إذا أمن من ذلك فنعم، وإلا فكما سمعنا أنه يرد الأمانة إلى صاحبها ولا يخونه كما خانه. والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.