الدرس في القواعد والأصول الجامعة 87، ألقاها
القاعدة تنص على أن الأحكام الشرعية ترتبط بوجود علتها أو عدمها، وتشمل الأحكام التي تُعرف علتها. هذه القاعدة أساسية لفهم الأحكام الشرعية.
الله تعالى حكيم في أفعاله وأحكامه، وكل ما شرعه له حكمة قد تظهر أو تخفى. العلماء يستنبطون هذه الحكم من خلال مقاصد الشرع.
الأحكام الشرعية لها علل قد تكون واحدة أو متعددة، وبعضها تعبدي لا يعلم العباد علته. يُشرح ذلك من خلال أمثلة من الشريعة.
تم اختتام الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، وهي عمل مستحب في الإسلام. جاء هذا بعد استكمال محتوى الدرس.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام السعد، رحمه الله، في كتابه "القواعد والوصول للجامعة": القاعدة الثامنة والخمسون: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، معنى هذه القاعدة أن الأحكام الشرعية التي ذكرت في الشريعة، سواء في الكتاب أو في السنة، مما علم علته، لأن من الأحكام ما هي أحكام تعبدية لا تعلم علتها. فهذه لا يقاس عليها، لكن نعلم أن لها حكمة ولها علة، لكن لم تتبين لنا، ولم يخبرنا الله سبحانه وتعالى بها، أو يخبرنا بها رسول الله عليه الصلاة والسلام. فهذه تسمى حكمًا تعبديًا لا تعلم علته، ومنها ما يعلم علته، يعني العلة في الحكم على هذا الشيء بأنه واجب أو بأنه حرام قد تذكر العلة. فهذه المسألة وهذا الأمر الذي رتب عليه هذا الحكم مع وجود هذه العلة، إذا وجدت هذه العلة وجد الحكم، وإذا انتفت هذه العلة انتفى الحكم. والعلة هي ترتب الحكم على وصف وجودًا وعدمًا، ترتب الحكم على وصف وجودًا وعدمًا، أي إذا وجد هذا الوصف وجد الحكم، وإذا انتفى هذا الوصف انتفى الحكم. فمثلًا قول النبي عليه الصلاة والسلام: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام"، هذا الحديث فيه تحريم الخمر، وأن حكمه حرام، وبيان العلة في تحريمه هو أنه مسكر، هذا الإسكار هو الوصف الذي رتب الشارع عليه حكم التحريم. فإذا وجد الإسكار في أي شراب، فحكمه أنه خمر، فهو محرم، وإذا انتفى الإسكار فهو حلال. هذا معنى هذه القاعدة: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. قالوا: هذه قاعدة عظيمة واسعة تحيط، أو تكاد تحيط، بالأحكام الشرعية. على أن أكثر الأحكام الشرعية معللة تعلم علتها. وهناك من العلماء من يقول: بل أكثر الأحكام الشرعية تعبدية، يعني علتها غير معلومة. نعم، نحن نؤمن أن لها حكمة ولها علة، لكنها قد تخفى علينا، لم تبين لنا. وأما ما بين علته، فهو بالنسبة لغيرها من الأحكام أقل. قالوا: علة الحكم هي الحكمة الشرعية في سبب الأمر به أو النهي عنه أو الإباحة. علة الحكم هي الحكمة الشرعية هنا جعل الحكمة هي العلة. يعني يقال مثلًا: ما الحكمة في تحريم نكاح زوجات الآباء؟ ما الحكمة في تحريم ذوات السباع؟ أي ما العلة؟ ما الحكمة؟ أي ما العلة في ذلك في تحريمها؟ قالوا: علة الحكم هي الحكمة الشرعية في سبب الأمر به، يعني ما هو الحكمة من الأمر بكذا أو النهي عنه أو الإباحة؟ والله تعالى حكيم، له الحكمة في كل ما شرعه لعباده من الأحكام. ومن أسماء الله جل وعلا الحكيم، المتصف بصفة الحكمة. والحكمة وضع الشيء في موضعه. وضع الشيء في موضعه. فكل أفعال الله سبحانه وتعالى لها حكمة، وكل ما أمر الله سبحانه وتعالى به أمر به لحكمة، وكل ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه نهى عنه لحكمة. فجميع أحكام الشريعة لها حكمة، هذا أمر لا شك فيه عند أهل السنة والجماعة، خلافًا لبعض أهل الأهواء من المعتزلة وغيرهم. لكن نحن نعلم أنها لها حكمة، لكن هذه الحكمة قد تظهر لنا، وقد تخفى علينا. قال: والله تعالى حكيم له الحكمة في كل ما شرعه لعباده من الأحكام. وقد ينص الشارع على الحكمة، وقد يستنبطها العلماء بحسب معرفتهم لمقاصد الشرع العامة والخاصة. قد ينص الشارع على الحكمة، يعني يخبر بالحكمة في هذا الأمر أو في هذا النهي. كما مثلًا نص على حكمة تحريم الخمر، وهكذا أيضًا نص على حكمة تحريم الغيبة والنميمة. وهكذا أيضًا نص على حكمة الأمر ببر الوالدين وصلة الأرحام، ونحو ذلك من الأحكام الشرعية. قال: وقد يستنبطها العلماء بحسب معرفتهم لمقاصد الشرع العامة والخاصة، يعني لا يأتي فيها النص، لكن يستنبطها أهل العلم. مثلًا في تحريم الله جل وعلا التأفف أن يقول الولد لوالديه "أف" لكم، ما هي الحكمة في ذلك؟ استنبط العلماء من ذلك أن الحكمة من ذلك هو أذية الوالدين، وأذيتهما محرمة لا تجوز. فلما كان في ذلك أذية لهما حرم الله جل وعلا أن يقال لهما هذا اللفظ. وهكذا أيضًا في تحريم أكل مال اليتيم، أكبر الله جل وعلا أن أكل مال اليتيم حرام. واستنبط العلماء من ذلك أن الحكمة أنها إتلاف لماله، فكل ما كان فيه معنى الإتلاف فهو حرام. وهكذا أيضًا في المسألة الأولى، فكل ما فيه أذية للوالدين فهو حرام. وهكذا أيضًا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي القاضي وهو غضبان، ما هي الحكمة؟ استنبط العلماء أن الحكمة في ذلك أن الفكر يكون مشوشًا، فلا يصيب الحق في قضائه، فنهي عن ذلك. فكل ما كان فيه تشويش للفكر حال القضاء، فإنه يمنع حينئذ من القضاء. هذا استنبطه أهل العلم من أدلة الشريعة. قالوا: وقد يتفقون عليها بحسب ظهورها، يعني يتفقون على العلة أن العلة فيه كذا وكذا. مثل التأفف مثلًا، العلة فيه الأذية، هذا يكاد يكون متفق عليه بين أهل العلم. وهكذا أيضًا تحريم الخمر لأجل الإسكار، كذلك. وقد يتنازعون فيها، يعني في العلة، ما هي العلة؟ مثلًا في تحريم الأصناف الربوية: البر والشعير والتمر والزبيب، وكذلك الذهب والفضة، ما هو العلة في جريان الربا فيها؟ اختلف العلماء في ذلك إلى أقوال عديدة لعدم وجود نص من الشرع. قال: وقد يكون الحكم متعلقًا بعدة علل، متى وجد واحدة منها ثبت الحكم. قد يكون للحكم عدة علل، متى وجد واحدة منها ثبت الحكم. مثل نقض الوضوء، نقض الطهارة له أسباب كثيرة، لا يشترط أن تجتمع كل هذه الأسباب لوجوب الطهارة، بل يكفي أن توجد واحدة من هذه العلل، فإذا وجدت واحدة وجد الحكم، وهو وجوب الطهارة. قال: وقد تكون علة الحكم مجموعة من عدة أوصاف لا تتم إلا باجتماعها. ومثل أيضًا القتل العمد العدوان، فوجوب القصاص لا يجب إلا إذا كان القتل عمدًا عدوانًا. فإذا حصل العمد ولم يحصل العدوان لم يجب القصاص، كأن يكون مدافعًا عن نفسه، هذا قتل عمد، لكنه ليس بعدوان، بل هو دفاع عن نفس، فهذا لا يجب عليه القصاص. وقد يكون عدوانًا، لكن ليس بعمد، فهذا كذلك لا يجب فيه القصاص، وهو ما يسمى بشبه العمد، لأن شبه العمد هو القتل بآلة لا تقتل غالبًا، فهو يقصد العدوان، لكن لم يقصد القتل، فلا يجب فيه القصاص. إذا القصاص لا يجب إلا بوجود هذين الوصفين: القتل العمد العدوان، أن يقتل عمدًا عدوانًا، فإذا اختل أحد هذين الوصفين اختل الحكم، أي القصاص. قال: والقليل من الأحكام لا يفهم العلماء لها حكمة بينة، ويسمونها الأحكام التعبدية، أي علينا أن نتعبد به وإن لم نفهم حكمته. فالأحكام التعبدية التي لم تعلم حكمتها ولم تعلم علتها، مثل الصلوات الخمس، ما هي علة كون الفجر ركعتين، وأنها في هذا الوقت؟ وما هي الحكمة والعلة في كون الظهر أربعًا، وكون العصر أربعًا، وكون المغرب ثلاثًا، والعشاء أربعًا؟ الله أعلم. هذا أمر لا تعلم حكمته، فهو أمر تعبدي، تعبدنا الله سبحانه وتعالى بذلك، فنحن نفعله كما أمرنا. والمؤلف رحمه الله يذهب إلى أن أكثر الأحكام معللة، وهذا يعني قول صحيح لمن تفقّه وتمعّن وتوغّل في أسرار الشريعة وفي أحكامها وعللها. والمؤلف رحمه الله له في ذلك باع عظيم، وهو ممن استفاد كثيرًا من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، رحمهم الله. ولهم أيضًا في هذا الباب توغل ومعرفة عظيمة بأسرار الشريعة. قالوا: لهذا الأصل أمثلة لا تحصى، تقدم في الأصول السابقة كثير منها. نكتفي بهذا القدر حول هذه القاعدة، ونكمل إن شاء الله ما يتعلق بهذه القاعدة في درس قادم. إلى هنا نصل إلى ختام درسنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.