كتاب النكاح والطلاق 12

الدرس في كتاب النكاح والطلاق 12، ألقاها

أحكام الخلع ومشروعيته في الإسلام

يتناول هذا الفصل أحكام الخلع ومشروعيته في الإسلام، مبينًا جواز الخلع في الحيض أو الطهر الذي جامع فيه الزوج زوجته، وحرمة إضرار الزوج بزوجته حتى تختلع منه. يشرح أيضًا الحكمة من مشروعية الخلع في تسهيل إنهاء العلاقة الزوجية إذا تعسرت الحياة بين الزوجين.

مشروعية الطلاق وحالاته

يتناول هذا الفصل أحكام الطلاق وشرعيته، مشيرًا إلى أن الطلاق مشروع بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. يشرح حالات الطلاق التي تقع وتلك التي لا تقع، مثل طلاق السكران والمكره والغضبان، ويبين شروط وقوع الطلاق.

شروط وقوع الطلاق وتفاصيله

يتناول هذا الفصل شروط وقوع الطلاق، حيث يشترط أن يكون الزوج بالغًا عاقلًا مختارًا ويعقل ما يقول. يُستثنى من ذلك الصبي غير المميز والمجنون والنائم والمكره والسكران الذي زال عقله. يُشرع الطلاق إذا كان الزوج مختارًا وليس مكرهًا.

ختام الحديث عن الطلاق وأحكامه

يشير هذا الفصل إلى أن حكم الطلاق سيتم تناوله لاحقا، وأن الأصل فيه الكراهة إذا كانت الأمور مستقيمة. كما يشير إلى وجود أحوال يجب أو يحرم فيها الطلاق، مما يدل على تعقيدات أحكام الطلاق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وقفنا في درس الماضي بالكلام على الخلع عند ذكر بعض الأحكام المتعلقة به. قال مؤلف «قول الله»: سادسًا أو خامسًا، يجوز الخلع في الحيض والطهر الذي جامعها فيه؛ لعدم الضرر عليها بذلك. فإن الله سبحانه أطلق، ولم يقيده بزمن دون زمن، يعني في قول الله جل وعلا: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، يعني في أي وقت، ما حدد الله جل وعلا وقتًا معينًا، فدل هذا أنه يجوز الخلع وهي حائض، يجوز الخلع وهي حائض، أو كذلك أيضًا يجوز أن تختلع في طهر قد جامعها فيه. ولأن هذا ليس به ضرر عليها من تطويع العدة؛ لأن عدتها حيضة واحدة، عدتها حيضة واحدة. ولأن الخلع أصلا ليس به طلاق، وإنما هو فسخ، إنما هو فسخ، فليس هو كالطلاق لا يجوز في حال الحيض أو في طهر جامع فيه، فلأجل ذلك جاز الخلع في حال الحيض، أو كذلك إذا كانت طاهرة في طهر جامع فيه. قال سادسًا: يحرم على الرجل أن يؤذي زوجته ويمنعها حقوقها حتى تضطر إلى خلع نفسها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. فالله عز وجل نهى عن إعضال المرأة، يعني تضييق عليها وعدم إعطائها حقها حتى تضيق عليها فتختلع منه، تطالب الخلع، هذا لا يجوز، وإن أخذه في هذه الحالة فلا يحل له؛ لأنه أخذه بغير حق، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. مبينة، وفي قراءة «مبينة»، الفاحشة المبينة، ذكر أهل العلم من الفاحشة الفحش البين: سوء خلقها، وفحش لسانها، كأن تكون امرأة بذيئة اللسان، وفاحشة القول، ومن ذلك أيضًا أن تكون سبابة، شتامة، غير مطيعة لزوجها، أو نحو ذلك، فهذا يجوز أن يعضلها حتى تفتدي منه، يجوز إعضالها حتى تفتدي منه. أو كذلك أيضًا يكون عندها شيء من الفحش في الأفعال، يعني مما لا يصل إلى حد الزنا أو ما كان نحوه أو قريب منه، بل قال بعض العلماء: الفاحش البين الزنا، إذا وقعت في ذلك له أن يعضلها حتى تفتدي منه، يعضلها حتى تفتدي منه، فيكون هذا الإعضال بحق؛ لأنها هي التي أفسدت، يعني فراشه، أو أفسدت حياتها معه. لكن سيأتي معنا أن المرأة إذا وقعت في مثل ذلك في الزنا والفجور، فهذا يجب على الزوج أن يطلقها، ما يبقيها عنده، مثل هذه لا تبقى عنده، يجب عليه أن يفارقها، وإن أعضلها لأجل الافتداء أيضًا لا بأس، لهذه الآية: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، فيقول: ما دامت أنها وقعت في هذه الفاحشة وأنا قد خسرت فيها ما خسرت، فأضيق عليها حتى تفتدي وترجع لي ما أعطيتها، فهذا إعضال بحق. فالمقصود أنه لا يجوز له أن يعضلها بغير حق، يمنعها حقها الذي تستحق من النفقة ومن المعاشرة، ويضيق عليها حتى تفتدي منه، هذا لا يجوز. وأما إن كان بحق فلا بأس. قال سابعًا: يكره للمرأة ويحرم عليها مخالعة زوجها مع استقامة الحال ودون سبب يقتضيه، كأن يكون الزوج معيبًا في خلقه ولم تطق المرأة البقاء معه، كما في قصة امرأة ثابت بن قيس، كرهته لأجل ذلك، ما طاقت الحياة معه؛ لأجل شيء في خلقه، ما أنها لا تعيبه في دينه ولا في خلقه. وأجاز لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تخالعه. فإذا حصل ذلك للمرأة تزوجت برجل، ثم رأت أنها ما تطيق الحياة معه، وكرهت البقاء معه، فلها أن تفتدي منه. أو كان سيئًا في خلقه، يعني في معاملته، بذيء اللسان، سباب، شتام، طعان، لعان، ضراب، فأصبحت لا تطيق الحياة معه، لها أن تختلع منه. أو خافت ألا تقيم حدود الله، يعني ألا تقيم ما يجب عليها من طاعتها للزوج والقيام بحقوقه؛ بسبب كراهيتها له، كراهيتها له، فإنها تختلع منه. أما والأمور مستقيمة، وليس هناك شيء بينه وبينها، فهنا لا يجوز لها أن تطالب بالخلع، لا يجوز لها أن تطالب بالخلع. فإن فعلت فهي آثمة، فهي آثمة. ومر معنا في الدرس الماضي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة». قال: الحكمة من مشروعية الخلع: من المعلوم أن الزواج ترابط بين الزوجين وتعاشر بالمعروف. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، فهذه ثمرة النكاح. فإذا لم يتحقق هذا المعنى، يعني من الراحة والسكون والمودة والرحمة، فلم توجد المودة من الطرفين أو لم توجد من الزوج وحده، فساءت العشرة وتعسر العلاج، يعني حاولوا بالإصلاح والتقريب والتودد، لكن لم ينفع، ما زالت النفرة موجودة. قال: وتعسر العلاج، فإن الزوج مأمور بتسريح الزوجة بإحسان، والله عز وجل يقول: «إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان»، لقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. فإذا كرهت الزوجة زوجها، بأن كرهت خلق زوجها أو كرهت نقص دينه أو خافت إثمًا بترك حقه، فإنه في هذه الحالة يباح للمرأة فراقه على عوض تبذله له وتفتدي به نفسها؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. إذن إذا كان الأمر من جهة الزوج، فهو الذي لم يطق البقاء مع هذه المرأة، فهنا يطلقها ويفارقها، فيكون المفارقة من جهته. فإن «إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان»، يسريحها بإحسان، يعني من غير تعنيف ولا شتم ولا ذم ولا توبيخ. وإن كانت هذه الأمور من جهة المرأة، الزوج المقصر، لكن هي ما طاقت الحياة معه وكرهت أن تبقى معه، فتختلع منه، ترد له ما أعطاها وتفتدي منه وتختلع. وهذه هي الحكمة، وهو أنه لم توجد المقصود والحكمة المشهودة التي يقصدها الشرع من الحياة الزوجية من حصول الراحة والسكينة والمودة والرحمة والمحبة، فإنه إن لم يقع ذلك ويجد الزوجان ذلك، عاشا في نكد وفي ضيق وفي حرج. وحينئذ يشرع الفراق، إما من جهة الزوج إن كان منه، وإما من جهة المرأة إن كان الأمر منها. وبهذا ينتهي ما يتعلق بباب الخلع. قال المؤلف: الباب الرابع في الطلاق، وفيه مسائل. المسألة الأولى: معناه وأدلة مشروعيته وحكمته. قال أولا: تعريف الطلاق. الطلاق لغة: التخلية، يقال: طلقت الناقة إذا سرحت حيث شاءت، إذا سرحت حيث شاءت، يعني أطلقت من قيدها فتذهب حيث تريد. ففي معنى الطلاق في اللغة معنى التخلية والترك وفك القيد. قال: وشرعًا: حل قيد النكاح أو بعضه، حل قيد النكاح أو بعضه، بلفظ الطلاق أو ما يقوم مقامه. قال: من يصح طلاقه، وسيأتي أن طلاق له ألفاظ صريحة وألفاظ كناية. قال: يصح إيقاع الطلاق من الزوج البالغ العاقل المميز المختار الذي يعقله، أو من وكيله. فلا يقع طلاق غير الزوج، ولا الصبي، ولا المجنون، ولا السكران، ولا المكره، ولا الغضبان غضبًا شديدًا لا يدري معه ما يقول. يقول: يصح إيقاع الطلاق من الزوج، هذا أولا، فغير الزوج لا يصح منه الطلاق، غير الزوج لا يصح منه الطلاق، إلا إذا كان موكلًا من جهة الزوج أو أجاز الزوج طلاقه. ومن الطرائف ذكر عن رجل كان له أربع نسوة، فغضب على إحدى نسائه فقال لها: «أنت طالق»، فقالت الثانية: «يا رجل اتق الله، لماذا أطلقها؟» قال: «أنت طالق»، قالت الثالثة: «ما وجدت سبيلًا إلا الطلاق»، قال: «أنت طالق»، تكلمت الرابعة، قال: «أنت طالق»، فتكلمت امرأة الجار، قالت: «يا هذا اتق الله، طلقت نساءك»، قال: «أنت طالق إن أطلاق فلان»، فقال زوجها: «قد أذنت»، فوقع عليها الطلاق. فهنا يقع الطلاق إذا أذن الزوج أو وكل من يقوم بالطلاق، فإنه يقع. أما غير الزوج أو من غير توكيل ما يقع. لو قال شخص لفلان: «امرأتك طالق»، ما يقع عليها الطلاق؛ لأنه لا سلطة له عليها. قال: من الزوج البالغ، خرج بالبالغ الصبي، خرج به الصبي. والصبي لا يقع طلاقه إلا إذا كان مميزًا. ولهذا قال بعد ذلك: «العاقل المميز». إذا كان الصبي مميزًا يعرف معنى الطلاق، تقول له: «تعرف ما معنى الطلاق؟» يقول: «معناه خلاص»، يعني فرقة، تذهب عند أهليتها وخلاص، انتهى الزواج. فمثل هذا إذا طلق يقع الطلاق؛ لأنه يعرف معنى الطلاق. قال: العاقل، يعني أن يكون هذا الزوج المطلق البالغ أو المميز عاقلًا عنده عقل. فإن كان لا عقل له لكونه مجنونًا، فهذا لا يقع طلاقه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاث، وعن المجنون حتى يفيق». وأيضًا ممن يخرج بالعاقل النائم، إذا طلق الإنسان وهو نائم، إنسان نائم، قال لزوجته: «أنت طالق»، ثم استيقظ، قال: «طلق»، قال: «ما طلقت»، قال: «نعم، أنت نائم»، قال: «ما يقع الطلاق؛ لأن هنا ليس بعقله»، هذا الحال ليس بعقله، فلا يقع منه الطلاق. وهكذا أيضًا إذا زال عنه عقله بإغماء، أغمي عليه فطلق، كذلك. أو باستعمال البنج، بنج جاء مثلًا لعملية فطلق وهو في حال غيبوبة، كذلك لا يقع الطلاق؛ لعدم العقل. إذا لابد أن يكون في حال الطلاق عاقلًا يتكلم بعقله. قال: المختار الذي يعقله، المختار خرج بذلك المكره، يعني ينبغي أن إذا طلق حتى يقع طلاقه أن يكون مختارًا للطلاق، يطلق باختياره وإرادته ورغبته. أما إذا أكره، وهذا الإكراه متحقق وتوفرت فيه شروط الإكراه، بأن يكرهه من له عليه قوة وقدرة على أذيته وإيقاع الضرر به، فهذا لا يقع طلاقه. جاء إليه شخص من أقارب هذه الزوجة وهو قوي ومعه سلاح، قال: «طلق وإلا رصاص في رأسك»، قال: «طالق»، هنا ما يقع الطلاق؛ لأنه طلق لأجل ماذا؟ أنه مكره، وأراد أن يدفع نفسه هذا الضرر، وإلا فليس في نيته أن يطلق، فهنا لا يقع؛ لأنه مكره. فمثل هذا لا يقع الطلاق. لكن إذا كان إنسان ليس عليه سلطان ولا قوة، جاءه رجل عجوز مثلًا والد هذه المرأة، والد زوجته، وهو رجل كبير في السن ضعيف تعبان، قال: «لو طلقت سمعت، طلق امرأتك»، قال: «أنت طالق»، هنا يقع الطلاق؛ لماذا؟ لأن هذا الكبير في السن ليس له قدرة عليه وسلطة عليه، ولا يستطيع أن يضره؛ لأنه أقوى منه، هو أقوى منه. إلا إذا كان معه سلاح، فهذا أمر آخر، إذا كان معه سلاح فنعم يكون مكرهًا. أما بغير سلاح، فهنا لا يتحقق معنى الإكراه، فإذا طلق في هذه الحالة يقع الطلاق. قال: أو من وكيله، أي إذا وقع الطلاق من الوكيل. قال رجل لرجل: «يا فلان طلق امرأة فلانة»، فذهب وقال لامرأته: «أنت طالق من فلان» أو «أنت طالق»، يقع الطلاق عليها؛ لأنهم وكلاء من الزوج. قال: فلا يقع طلاق غير الزوج، ولا الصبي، يعني دون سن التمييز، ولا المجنون الذي زال عقله، ولا السكران. السكران، السكران يعني من شرب خمرًا وزال عقله بالسكر. السكران فيه تفصيل، فيه تفصيل. إن كان هذا السكر الذي حصل له زال به عقله، بحيث أنه لا يعقل ما يقول، فهنا لا يقع طلاقه، لا يقع طلاقه؛ لماذا؟ لأنه لا عقل له، واشترط في وقوع الطلاق أن يكون من عاقل. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا طلاق في إغلاق»، أي من أغلق عليه في عقله، فإنه لا يقع طلاقه. وإن كان بعض أهل العلم يقول: إذا سكر وشرب الخمر باختياره حتى زال عقله، فإنه يقع طلاقه؛ من باب التنكيل به وعقوبة له. لكن الصحيح أنه ما دام قد زال عقله، فإنه لا يقع. وأما إن كان السكر خفيف، شرب خمرًا وسكر، لكنه يعقل ما يقول، يعقل ما يقول، فهذا يقع طلاقه؛ لأن عقله ما زال موجودًا. وهذا النوع الأول ما يسميه العلماء «السكران الطافح»، السكران الطافح الذي زال عقله بالسكر، فهذا جميع تصرفاته لا تقع، ومنها الطلاق، لو طلق فإنه لا يقع طلاقه. قال: ولا المكره، كما ذكرنا، إذا كان هذا الإكراه متحققًا ممن يستطيع أن يضره وله قوة عليه، فطلق في هذه الحالة، فليس عليه شيء، لا يقع الطلاق. وأما إن لم يكن كذلك، فإنه يقع، إلا إذا كان الإكراه بحق، إلا إذا كان الإكراه بحق، فإنه يقع الطلاق، مثل المولى الذي آل من نسائه، حلف أنه لا يقرب نساءه، لا يقرب نساءه، فإنه يعطى مدة أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة أشهر، قيل له: «إما أن ترجع وتفي إلى نسائك وتأتيهن، وإما أن تطلق». فإن أبى، أجبر على ذلك، على الطلاق، أو فسخ أو طلق الحاكم، وهنا هذا الإجبار والإكراه بحق، فيقع. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَاءِهِمْ﴾، يعني يحلفون أنهم لا يقربون نساءهم، ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾، أي بعد أربعة أشهر ورجعوا، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، يعني إما أن يفي ويرجع، وإما أن يطلق. فإذا أجبر على الطلاق، فهو إكراه بحق. قال أولا: قوم من أخذ، وكلام أخذ، وهي الغضبان غضبًا شديدًا لا يدري معه ما يقول، يعني من شدة الغضب أصبح لا يدري ما يقول وما يخرج من فمه، فهذا لا يقع طلاقه باتفاق أهل العلم، لا يقع طلاقه باتفاق أهل العلم. وأما إن كان غضب غضبًا يسيرًا، وهو يدري ما يقول ويعقل ما يتكلم به، ويعلم أنه يطلق امرأته، أنه سيفارق، فهذا يقع طلاقه، هذا يقع طلاقه. وبقيت حالة وسط بين الحالتين، وهو من غضب غضبًا ويشعر بأنه سيطلق، لكن من شدة الغضب والدفاع الذي أصابه، مات مالك نفسه، فطلق، مات مالك نفسه فطلق، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم، هل يقع طلاقه أو لا يقع؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يقع؛ لأنه طلق وعقله ما زال موجودًا. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يقع؛ لأنه من شدة الغضب مات مالك نفسه، وما استطاع أن يسيطر على نفسه، فوقع منه الطلاق. وإلى هذا جنح الإمام ابن القيم رحمه الله إلى أنه لا يقع في مثل هذه الحالة. وهكذا يرجحه شيخ الإسلام ابن عثيمين رحمه الله، وهو يدخل في قول المؤلف هنا: «الغضبان غضبًا شديدًا لا يدري معه ما يقول»، هذا في حالة الغضب الذي يعني قد بلغ مبلغه، بحيث أنه لا يشعر بما يتكلم. ومثل ذلك أيضًا إذا غضب غضبًا كما سمعنا، وما استطاع أن يتمالك نفسه من شدة الغضب، فوقع منه الطلاق، فهذا أيضًا لا يصح منه الطلاق، أو لا يقع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا طلاق في إغلاق»، وهذا قد أغلق عليه من شدة الغضب. قال: مشروعية الطلاق. قال: الأصل في الزواج استمرار الحياة الزوجية بين الزوجين، وقد شرع الله تعالى أحكامًا كثيرة وآدابًا جمة في الزواج لاستمراره وضمان بقائه. إلا أن هذه الآداب قد لا تكون مرعية من قبل الزوجين أو أحدهما، فيقع التنافر بينهما حتى لا يبقى مجال للإصلاح، فكان لابد من تشريع أحكام تؤدي إلى حل عقدة الزواج على نحو لا تهدر فيه حقوق أحد الزوجين، ما دامت أسباب التعايش قد باتت معدومة فيما بينهما. فهذه هي الحكمة التي لأجلها شرع الطلاق، أن الحياة الزوجية تحتاج إلى استقرار، وماذا أن يكون بين الزوجين من المحبة والمودة والرحمة ما تستقيم به حياتهما، وأن يراعي كل واحد منهما الآخر، ويتحمل كل واحد هفوات الآخر. فإن لم يحصل ذلك، وحصلت النفرة والخلاف والتفرق والخصام والشتات، وما أمكن التفريق، الإصلاح بينهما، ما أمكن الإصلاح بينهما، والشارع قد حرص على الإصلاح بين الزوجين، إذا نشزت المرأة مثلًا وترفعت على زوجها، ولا تطيعه ولا تسمع كلامه، أذن للزوج أن يؤدبها، أن يؤدبها بأدب الشرع، يعظها ويذكرها بالله، ما نفع، هجرها في المضجع، فلم ينم معها، ما نفع، ضربها، ضربة أديب، بالشيء الخفيف، بالمسواك أو عمامة، ونحو ذلك، ما نفع، يؤدب طائفتين من جهة الزوج ومن جهة المرأة من أقاربهما، ويحتكمان، إن أمكن الإصلاح والتقارب، فالحمد لله، ما أمكن، فرق بينهما، هذا الحل الأخير هو الحل الأخير، كما يقال: «آخر العلاج الكي»، الطلاق، وآخر العلاج ما أمكن الإصلاح والجمع، إذن يفرق بينهما، ولا تبقى الحياة بينهما على هذا الحال، فإن حياة لا تطاق، لا يطيقها الزوج، ولا تطيقها المرأة، فيبقى في جحيم، إذن ما الحل؟ هل تبقى على هذا الحال حتى تقتل نفسها أو تنتحر، كما يقع في بعض بلاد الكفر، لا، أرشد الشارع إلى الفراق، الفراق والطلاق، وبهذا تنحل عقدة النكاح، وإذا كل في سبيله. قال: الطلاق مشروع بالكتاب والسنة. أما الكتاب، فقد قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. فالله عز وجل أخبر بمشروعية الطلاق، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، ما قال: «يا أيها النبي لا تطلقوا النساء»، ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، أي وقع ذلك منكم، فطلقوهن لعدتهن، أي ليكون الطلاق في العدة التي أذن الله سبحانه وتعالى بها. وفي السنة: حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أنه طلق امرأته وهي حائض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «ليراجعها، فإذا طهرت، فإن شاء فليطلقها». ولن ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على ابن عمر أنه طلقها، وإنما أنكر عليه أنه طلقها وهي حائض، وهذا الطلاق في مثل هذه الحال لا يجوز، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها، يرجعها إلى عنده لعقده، ثم يمسكها حتى تطهر من حيضها، ثم يطلقها إذا شاء، وهي طاهر في طهر لم يجامع فيه، حتى يكون طلاقًا على السنة. قالوا: أجمع علماء الأمة على جواز الطلاق ومشروعيته. وسيأتي حكم الطلاق، وأن الأصل فيه على الصحيح الكراهة إذا كانت الأمور مستقيمة، فإنه يكره. وسيأتي كذلك ذكر بعض الأحوال التي يجب فيها الطلاق أو يحرم. ننتهي بهذا القدر، إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على